الفصل الرابع
حين فتحت إيلارا عينيها
الدقّة السادسة.
اهتزّت الغرفة صفر، وتحرّكت الصور المعلّقة على الجدران كأن ريحًا خفيّة تمرّ بينها.
تراجعت غرام عن المرآة، بينما ظلّت المرأة التي تشبهها واقفة داخلها، تحمل الساعة السوداء وتبتسم.
ثم أغمضت المرأة عينيها.
وعندما فتحتهما مجددًا، لم تعد تنظر إلى غرام.
كانت تحدّق في شيء خلفها.
همست:
— لقد استيقظت.
استدارت غرام بسرعة.
في نهاية الغرفة، كان هناك باب صغير لم تلحظه من قبل. خلف زجاجه الضبابي، ظهرت هيئة فتاة مستلقية على سرير أبيض.
وعلى الزجاج، كُتب اسم واحد:
إيلارا.
اقتربت غرام بحذر.
كل خطوة كانت تجعل دقّات الساعة أعلى، حتى شعرت أن الصوت يأتي من داخل صدرها.
وصلت إلى الباب ومدّت يدها نحو المقبض.
— إيلارا؟
لم يحدث شيء.
أعادت النداء:
— إذا كنتِ بتسمعيني، أنا غرام.
تحرّكت أصابع الفتاة خلف الزجاج.
ثم جاء صوتها خافتًا:
— أعرف.
تجمّدت غرام.
— بتعرفيني؟
— أعرفكِ أكثر مما تعرفين نفسكِ.
انفتح الباب ببطء.
---
كانت الغرفة خلفه أشبه بغرفة في مستشفى قديم، لكن لا أجهزة فيها ولا نوافذ. سرير واحد، وكرسي خشبي، وساعة معلّقة على الجدار تشير إلى الثالثة عشرة.
على السرير، استلقت فتاة تشبه غرام إلى حدّ جعلها تشعر بأنها تنظر إلى صورة حيّة لنفسها.
كان شعر الفتاة أطول قليلًا، ووجهها شاحبًا، وعلى معصمها سوار فضي.
اقتربت غرام.
— أنتِ إيلارا؟
فتحت الفتاة عينيها.
— هذا هو الاسم الذي أعطوني إياه.
— يعني مو اسمك الحقيقي؟
ابتسمت إيلارا ابتسامة متعبة.
— وهل تملكين أنتِ اسمكِ الحقيقي يا غرام؟
لم تعرف غرام ماذا تجيب.
جلست على الكرسي قرب السرير.
— أمي قالت إنكِ ما متِّ يوم ولادتكِ.
اختفت الابتسامة عن وجه إيلارا.
— أمي قالت أشياء كثيرة، أليس كذلك؟
— بدي أعرف الحقيقة.
نظرت إيلارا نحو الساعة.
— الحقيقة ليست شيئًا واحدًا. إنها مجموعة أبواب، وكل باب يفتح على حقيقة مختلفة. والمشكلة أنكِ كلما فتحتِ بابًا، نسيتِ ما كان خلف الباب السابق.
— طيب، ابدئي من البداية.
أغمضت إيلارا عينيها للحظات.
ثم قالت:
— في الليلة التي وُلدنا فيها، لم تكن الساعة الثالثة عشرة موجودة. كانت هناك اثنتا عشرة دقّة فقط، مثل أي ساعة أخرى. لكن عند منتصف الليل، سمعنا دقّة إضافية.
— مين سمعها؟
— أنا.
سكتت إيلارا قليلًا، ثم تابعت:
— فتحتُ عينيّ، ورأيتُ رجلًا يقف عند سريري. لم يكن ساهر، ولم يكن آزر. كان رجلًا لا يظهر وجهه في أي صورة.
شعرت غرام ببرودة تسري في ذراعيها.
— شو قال لكِ؟
نظرت إيلارا مباشرة في عينيها.
— قال: «اختاري أيّ حياة تريدين، لأن واحدة منكما ستعيشها، والأخرى ستتذكّرها.»
---
نهضت غرام عن الكرسي.
— ما فهمت.
— لم أفهم أنا أيضًا. كنتُ طفلة، لكنني عرفتُ أن شيئًا سيئًا سيحدث. وعندما حملتني أمّنا، طلبتُ منها أن تأخذني بعيدًا عن المنزل.
— كنتِ بتحكي وأنتِ رضيعة؟
— ليس بصوتي. كنتُ أقول الكلمات في عقلها.
تراجعت غرام خطوة.
كانت الحكاية تزداد غرابة، لكنها لم تستطع إنكار أن كل تفصيل جديد يعيد إليها ذكرى صغيرة، كأن عقلها يحاول فتح أبواب أُغلقت منذ زمن.
تابعت إيلارا:
— أمي أخذتني إلى منزل آخر. تركتْكِ مع آزر، وطلبت منه أن يحميكِ. لكنها لم تكن تعرف أن المنزلين مرتبطان.
— أي منزلين؟
— البيت الذي عشتِ فيه، والبيت الذي صُنع لي.
سكتت، ثم أضافت:
— لم تكن هناك نسخة مني في البداية، يا غرام. كنتُ أنا، وكنتِ أنتِ. لكن عندما حاول ساهر فصل حياتينا، انقسمت ذكرياتنا بين المنزلين.
همست غرام:
— يعني أنا وإنتِ مو نسختين؟
— لا أعرف إن كنا ما زلنا أختين كما كنا، أم أن البيت غيّر شيئًا فينا.
ثم أمسكت إيلارا بيد غرام.
كانت يدها باردة، لكنها حقيقية.
— أعرف شيئًا واحدًا: أنا لم آتِ لسرقة حياتكِ.
نظرت غرام إلى يدها.
للمرة الأولى منذ بدأت هذه الرحلة، شعرت بأنها قد لا تكون وحدها.
لكن إيلارا شدّت على أصابعها فجأة.
— مع ذلك، هناك شيء يجب أن تعرفيه.
— شو؟
اقتربت إيلارا منها وهمست:
— الشخص الذي يحمل الساعة ليس ساهر.
---
في اللحظة نفسها، سُمعت خطوات في الممر.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم توقّف الصوت أمام الباب.
رفعت إيلارا رأسها، وتغيّر وجهها.
— لقد وجدنا.
دخل الرجل صاحب الساعة.
كان يرتدي معطفه الأسود، ويحمل الساعة ذات الرقم ثلاثة عشر.
نظر إلى غرام، ثم إلى إيلارا.
— أرى أنكِ استيقظتِ أخيرًا.
وقفت غرام أمام السرير.
— ابتعد عنها.
ابتسم الرجل.
— ما زلتِ تحاولين حماية الجميع، حتى عندما لا تعرفين ممّن تحمينهم.
— قلت لك ابتعد!
رفع الساعة، لكن غرام لاحظت شيئًا هذه المرة.
لم يكن هناك انعكاس للرجل على الزجاج خلفه.
لا ظلّ.
ولا صورة.
كأنه لا ينتمي إلى الغرفة أصلًا.
تذكّرت تحذير الطفل:
انظري إلى الشخص الذي لا يملك ظلًا.
تراجعت غرام ببطء.
— أنتَ…
مال الرجل برأسه.
— ماذا؟
— أنتَ ما إلك ظل.
اختفت ابتسامته.
للمرة الأولى، بدا عليه الغضب.
قال بصوت منخفض:
— من أخبركِ؟
لم تجبه غرام.
رفع الرجل الساعة، وبدأت عقاربها غير الموجودة تتحرك بطريقة لم تستطع تفسيرها.
دقّة واحدة.
ثم ثانية.
شعرت إيلارا بالألم، ووضعت يديها على أذنيها.
صرخت:
— غرام، لا تسمحي له بالوصول إلى الدقّة الثالثة عشرة!
اندفعت غرام نحو الرجل، وانتزعت الساعة من يده.
لكنها لم تسقط على الأرض.
بل اختفت بين أصابعها، وظهرت على معصمها كأنها سوار أسود.
توقّف الرجل عن الحركة.
حدّق في معصمها، ثم تراجع خطوة.
— لا… هذا مستحيل.
رفعت غرام يدها.
— شو هالساعة؟!
لم يجب.
بل ركع على الأرض، وأخفض رأسه أمامها.
قال بصوت لم يعد يحمل أي تهديد:
— سامحيني.
تراجعت غرام مذهولة.
— على شو؟
رفع الرجل رأسه.
وفي تلك اللحظة، ظهر وجهه بوضوح للمرة الأولى.
لم يكن وجه ساهر.
ولم يكن وجه آزر.
كان وجه غرام نفسها، لكن بعينين رماديتين وشعر أبيض.
همس الرجل:
— لأنني كنتُ أنتِ، قبل أن تولدي.
---
لم تستطع غرام الكلام.
نظرت إلى إيلارا، فوجدتها تحدّق بالرجل بخوف شديد.
قالت إيلارا:
— غرام… لا تصدّقيه.
لكن الرجل لم ينظر إليها.
كان يحدّق بغرام وحدها.
— أنا لم آتِ لأؤذيكِ. جئتُ لأعيد إليكِ ما أخذوه منكِ.
— مين أنت؟
أجاب:
— أنا ما تبقّى من حياتكِ الأولى.
ثم رفع يده، وأشار إلى الساعة السوداء على معصمها.
— والآن، بعد أن لمستِها، ستبدأ الذكريات بالعودة.
فجأة، امتلأت الغرفة بصور متتابعة.
غرام طفلة تركض في حديقة.
غرام تقف أمام باب أسود.
غرام تبكي في حضن امرأة لا يظهر وجهها.
ثم صورة أخيرة جعلتها تتراجع حتى اصطدمت بالسرير.
كانت صورة لجنازة.
وفي وسطها، تابوت صغير.
وعلى اللوحة الموضوعة فوقه، كُتب:
«إلى ابنتنا غرام… التي وُلدت مرتين، وماتت مرة واحدة فقط.»
انطفأت الصور.
وبقيت العبارة معلّقة في الهواء.
سألت غرام بصوت مرتجف:
— مين ماتت؟
نظر الرجل إليها طويلًا.
ثم قال:
— هذا ما جئتِ إلى هنا لتعرفيه. لكن عندما تعرفين، لن تعودي قادرة على مناداة إيلارا باسمها.
وفي اللحظة نفسها، أغمضت إيلارا عينيها.
وتوقّف قلب الساعة عن الدقّ.
أما على الجدار، فظهرت كتابة جديدة:
«الدقّة السابعة: عودة الاسم الأول.»
💬 التعليقات