الفصل الثالث
الميتة التي عادت
لم تستطع غرام النوم.
منذ أن ظهرت العبارة على المرآة، وهي تشعر بأن شيئًا ما يراقبها من داخل الزجاج.
«في الفصل القادم، ستعرفين مَن ماتت أولًا.»
كانت الكلمات تختفي كلما ابتعدت عنها، ثم تعود عندما تقترب، وكأن المرآة تتعمّد تذكيرها بأن الحقيقة لم تعد بعيدة.
مدّت غرام يدها نحو الزجاج.
— إذا كنتِ أختي فعلًا، أعطيني إشارة.
لم يحدث شيء.
انتظرت لحظات، ثم استدارت لتغادر.
لكن صوتًا خافتًا جاء من خلفها:
— لا تذهبي.
تجمّدت في مكانها.
كان الصوت صوت طفلة.
التفتت ببطء، فرأت انعكاسها واقفًا في المرآة، بينما بقي جسدها الحقيقي بعيدًا عنها.
أما خلف الانعكاس، فظهرت الفتاة ذات الثوب الأبيض.
قالت الفتاة:
— لا تثقي بكل ما ستشاهدينه الليلة.
اقتربت غرام من المرآة.
— وين كنتِ؟ وليش عم تخبّي عني الحقيقة؟
أجابت الفتاة:
— لأنكِ لو تذكّرتِ كل شيء دفعة واحدة، فلن تعرفي أيّ ذكرى تخصّكِ.
— أنا بدي أعرف مين ماتت أولًا!
أغمضت الفتاة عينيها.
— إذًا، تعالي إلى المكان الذي بدأ فيه العدّ.
ثم اختفت.
وفي اللحظة نفسها، سمعت غرام دقّة واحدة.
ظهرت على المرآة كتابة جديدة:
«الغرفة رقم صفر.»
---
لم تكن في المنزل غرفة تحمل الرقم صفر.
فتّشت غرام الممرات، وفتحت الأبواب التي تعرفها، حتى وصلت إلى نهاية الطابق السفلي.
هناك، خلف خزانة قديمة، لاحظت خطًّا رفيعًا في الجدار.
دفعت الخزانة بصعوبة، فظهر باب صغير بلا مقبض.
وعليه جملة محفورة:
«هنا تُحفظ الذكريات التي لا يجرؤ أحد على تذكّرها.»
أخرجت المفتاح الأسود الذي أعطاها إياه الطفل في نهاية الجزء السابق.
كان المفتاح مناسبًا للقفل تمامًا.
أدارته.
وانفتح الباب.
خلفه، وجدت غرفة ضيقة تتدلّى من سقفها عشرات الصور القديمة. كانت الصور تتحرّك ببطء، وكأن الأشخاص الذين بداخلها يتنفّسون.
في إحدى الصور، رأت أمّها شابةً تقف أمام سريرين صغيرين.
وفي صورة أخرى، ظهر آزر وهو يحمل طفلة رضيعة.
أما الصورة الثالثة، فجعلتها تتراجع.
كانت صورة جنازة.
امرأتان تقفان قرب قبر صغير، وإحداهما تبكي بينما الأخرى تحدّق في الأرض بصمت.
على شاهد القبر، كُتب اسم واحد:
إيلارا.
وتحت الاسم، تاريخ الولادة والوفاة.
كان التاريخان في اليوم نفسه.
وضعت غرام يدها على فمها.
— لا… مستحيل.
سمعت صوتًا من خلفها:
— هذه ليست شهادة وفاة.
استدارت بسرعة.
كان آزر يقف عند الباب.
— إنها شهادة على أن أحدًا أراد أن يصدّق أنها ماتت.
حدّقت غرام فيه.
— أنت كنت تعرف؟
خفض رأسه.
— كنت أعرف جزءًا من الحقيقة.
— أي جزء؟!
اقترب آزر من الصورة، لكنه لم يلمسها.
— عندما وُلدتِ أنتِ وإيلارا، لم يكن المنزل كما ترينه الآن. كان مجرد بيت قديم، تعيش فيه عائلتكِ. لكن ساهر اكتشف أن بعض الذكريات تستطيع البقاء حتى بعد موت أصحابها.
— شو دخل هالشي بأختي؟
أجاب بعد صمت:
— إيلارا وُلدت قبلكِ بدقائق. لكنها لم تبكِ، ولم تفتح عينيها. ظنّ الجميع أنها ماتت.
شعرت غرام بقلبها يخفق بسرعة.
— والطفلة اللي شفتها؟
— لا أعرف إن كانت إيلارا نفسها، أم ذكرى بقيت منها.
تراجعت غرام.
— يعني أختي ماتت يوم ولادتها؟
نظر آزر إليها طويلًا.
— هذا ما قيل لأمّكِ.
— وشو الحقيقة؟
وقبل أن يجيب، انغلقت أبواب الغرفة دفعة واحدة.
وبدأت الصور تتساقط من السقف.
---
ظهرت على الجدار شاشة زجاجية كبيرة.
لم تكن شاشة عادية، بل سطحًا شفافًا بدأت عليه صورة قديمة تتحرّك.
رأت غرام أمّها تحمل طفلة بين ذراعيها، وتبكي أمام رجل لم يظهر وجهه.
كان الرجل يقول:
— لا يمكنكِ الاحتفاظ بالاثنتين.
أجابت أمّها:
— إنهما ابنتاي!
— واحدة فقط تستطيع أن تحمل الاسم.
— لا أريد أن أفقد أيًّا منهما!
اقترب الرجل منها، ووضع أمامها ساعة سوداء.
— إذًا اختاري.
هزّت أمّها رأسها.
— لن أختار بين طفلتيّ.
رفع الرجل الساعة.
— أنتِ لا تختارين أيّهما تحبّين. أنتِ تختارين أيّهما ستتذكّرها عائلتها.
بدأت أمّ غرام تبكي.
ثم نظرت إلى الطفلتين.
مدّت يدها نحو إحداهما، واحتضنتها بقوة.
لكن غرام لم تستطع رؤية وجه الطفلة.
كان مغطّى بظلّ أسود.
انتهى المشهد فجأة.
صرخت غرام:
— لا! رجّع الصورة!
اقتربت من الشاشة وضربت الزجاج بكفّها.
ظهرت كلمات جديدة:
«التي اختيرت لم تكن التي عاشت.»
تراجعت غرام ببطء.
— آزر… شو يعني هاد؟
لم يجب.
كانت عيناه معلّقتين بالصورة، وكأنه يرى شيئًا لم يكن يتمنى أن يعود.
ثم قال:
— أمّكِ لم تختر طفلة واحدة.
— كيف؟
رفع رأسه إليها.
— اختارت أن تنسى إحداكما، حتى تتمكّن الأخرى من العيش.
ساد صمت ثقيل.
— مين نسيت؟
أجاب آزر:
— لا أعرف.
لكن غرام رأت الخوف في عينيه، وعرفت أنه يخفي أكثر مما يقول.
---
في زاوية الغرفة، ظهر صندوق خشبي صغير.
لم يكن موجودًا قبل لحظات.
اقتربت غرام منه، ووجدت على غطائه اسمها.
فتحته.
في الداخل، كان هناك سوار فضي، ورسالة مطويّة، وشريط تسجيل قديم.
أخذت الرسالة وفتحتها.
كانت مكتوبة بخطّ أمّها:
«إلى ابنتي التي ستقرأ هذه الرسالة يومًا…
إذا وصلتِ إلى الغرفة صفر، فهذا يعني أن الساعة بدأت تستعيد ما أخذته منّا.
لا تبحثي عن أختكِ في الصور، ولا في المرايا، ولا في أحلامكِ.
ابحثي عنها في المكان الذي تركتُ فيه اسمها.
أعرف أنكِ ستكرهينني عندما تعرفين الحقيقة، لكنني لم أكن أحاول إنقاذ ابنة على حساب الأخرى.
كنت أحاول أن أمنع شخصًا من استخدامكما معًا.
لقد أخبرني أن واحدة منكما ستصبح مفتاح الساعة، والأخرى ستصبح الباب الذي تعود منه.
لم أفهم ما يعنيه ذلك إلا بعد فوات الأوان.
سامحيني يا غرام.
فأنا لم أنسَ ابنتي لأنني أردت نسيانها.
لقد نسيتها لأنني كنت أخاف أن يتذكّرها هو.»
توقفت غرام عن القراءة.
كانت أصابعها ترتجف.
رفعت رأسها نحو آزر.
— مين هو؟
وقبل أن يجيب، انطلق صوت الساعة من خلف الجدار.
دقّة أولى.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
صرخ آزر:
— ابتعدي عن الصندوق!
لكن غرام لم تتحرّك.
كانت تنظر إلى شريط التسجيل.
التقطته، وضغطت زر التشغيل.
صدر تشويش طويل، ثم جاء صوت أمّها.
— إذا كنتِ تسمعين هذا يا غرام، فهذا يعني أنني فشلت في إبقائكِ بعيدة عن الحقيقة.
توقّف التسجيل للحظات.
ثم عاد الصوت، أكثر ارتجافًا:
— إيلارا لم تمت يوم ولادتها.
اتّسعت عينا غرام.
— ماذا؟!
تابع صوت أمّها:
— لقد فتحت عينيها بعد أن غادر الجميع الغرفة. كانت حيّة، لكنها لم تكن الطفلة التي عرفناها. كانت تعرف أشياء لم تحدث بعد، وتنادي أشخاصًا لم يولدوا. وعندما حاولتُ حملها، نظرت إليّ وقالت اسمًا لم أسمعه من قبل.
انقطع الصوت مجددًا.
ثم جاء الهمس الأخير:
— قالت اسمي أنا… قبل أن أولد.
توقّف التسجيل.
وفي اللحظة نفسها، سقطت صورة من السقف.
التقطتها غرام.
كانت صورة حديثة، لا قديمة.
ظهرت فيها أمّها وهي تقف أمام باب المستشفى، وتحمل طفلة صغيرة.
لكن خلفها، وقفت فتاة أكبر سنًّا تشبه غرام تمامًا.
وفي أسفل الصورة، كُتبت عبارة:
«إيلارا لم تكن أخت غرام الكبرى فحسب… بل كانت الشخص الذي اختار اسم غرام قبل ولادتها.»
سمعت غرام صوتًا خلف الباب.
صوت فتاة تضحك بهدوء.
ثم جاءها الهمس:
— الآن عرفتِ مَن ماتت أولًا.
التفتت نحو الباب.
كانت الفتاة ذات الثوب الأبيض تقف هناك.
رفعت رأسها، وقالت:
— لكنكِ لم تعرفي مَن عادت من الموت.
ثم أشارت إلى المرآة.
في انعكاسها، لم تكن غرام وحدها.
كانت تقف خلفها امرأة تشبهها تمامًا، تحمل الساعة السوداء، وتبتسم.
وعلى معصمها، كان السوار الفضي نفسه.
وفي المرآة، ظهرت كتابة أخيرة:
«الدقّة السادسة قادمة… وعندما تحدث، ستفتح إيلارا عينيها.»
انطفأ الضوء.
ودقّت الساعة للمرة الخامسة.
💬 التعليقات