الفصل الثاني
الطفلة التي لم تبكِ
«أيّ الطفلتين كان يجب أن تولد؟»
بقي السؤال ظاهرًا على الصفحة، بينما راحت غرام تحدّق فيه، عاجزةً عن استيعاب ما قرأته.
طفلتان.
أمّها.
اسم مخفي.
وساعة تعدّ الدقائق نحو لحظة لا تعرف ماذا سيحدث فيها.
مرّرت إصبعها على السؤال، فظهرت تحته كلمات جديدة، كأن شخصًا يكتب من الجهة الأخرى للورقة:
لا تبحثي عن الطفلة التي عاشت، بل عن الطفلة التي لم تبكِ.
همست غرام:
— الطفلة اللي ما بكت؟
وفجأة، انطفأت الساعة الصغيرة.
توقّفت جميع الساعات في الغرفة.
ثم سُمعت بكاء طفلة من خلف الجدار.
كان بكاءً خافتًا، متقطعًا، يشبه صوت طفل يحاول ألّا يسمعه أحد.
اقتربت غرام من مصدر الصوت، ووضعت أذنها على الحائط.
— مين هون؟
توقّف البكاء.
وبعد لحظات، جاءها صوت طفولي:
— لا تفتحي الباب يا غرام.
تراجعت غرام.
— أي باب؟ ما في باب هون!
ظهر خطّ رفيع على الجدار، ثم امتدّ إلى الأعلى والأسفل، حتى تشكّل إطار باب صغير.
دار المقبض ببطء.
وانفتح.
---
خلف الباب كانت هناك غرفة أطفال.
سريران صغيران متجاوران، وستارة بيضاء تتحرّك رغم أن النوافذ مغلقة، ودمية قماشية تجلس على كرسي قرب الحائط.
على أحد السريرين، وُضعت بطانية وردية مطرّزة باسم «غرام».
أما السرير الثاني، فكان خاليًا.
اقتربت غرام من السرير الأول.
وجدت صورة قديمة تحت الوسادة.
كانت الصورة لامرأتين تقفان أمام منزل حجري، وكلّ واحدة منهما تحمل طفلة رضيعة.
عرفت أمّها فورًا.
لكن المرأة الثانية كانت غريبة عنها.
قلبت الصورة، فقرأت العبارة المكتوبة خلفها:
«في الليلة التي وُلدت فيها ابنتاي، توقّفت ساعة المنزل ثلاث عشرة دقيقة. ومنذ تلك الليلة، لم يعد الزمن كما كان.»
شعرت غرام بقشعريرة.
ابنتاي.
إذًا، لم تكن أختها مجرّد وهم.
كانت هناك طفلتان فعلًا.
لكن لماذا لم تخبرها أمّها؟
رفعت الصورة أمام الضوء، ولاحظت أن وجه إحدى الطفلتين كان ممسوحًا بالحبر الأسود.
أما تحت الصورة، فكان هناك اسم صغير لم يكتمل.
إيـ...
مدّت غرام يدها نحو الحبر، وفجأة سمعت صوتًا خلفها:
— لا تلمسيه.
استدارت بسرعة.
كانت الفتاة التي رأتها في المرآة تقف عند الباب.
الثوب الأبيض نفسه، والسوار الفضي نفسه، والعينان اللتان تشبهان عينيها إلى حدّ مخيف.
قالت غرام:
— أنتِ أختي؟
لم تجب الفتاة.
— هل أنتِ الطفلة الثانية؟
خفضت الفتاة رأسها.
— كنتُ كذلك.
— شو يعني كنتِ؟
رفعت الفتاة عينيها.
— لأن أحدًا كان عليه أن يختار أيّنا ستبقى.
---
جلست الفتاة على حافة السرير الفارغ.
— عندما وُلدنا، كانت أمي تعرف أن المنزل لن يسمح بوجودنا معًا.
— ليش؟
— لأن الساعة توقّفت عند الرقم ثلاثة عشر، ولأن البيت الأول كان يحتاج إلى اسم واحد فقط.
لم تفهم غرام.
— اسم واحد؟ شو دخل الاسم بالموضوع؟
أشارت الفتاة إلى الصورة.
— في هذا المنزل، الاسم ليس مجرّد كلمة. الاسم هو الشيء الذي يجعل الآخرين يتذكّرون أنكِ موجودة.
ثم تابعت:
— عندما وُلدنا، منحتنا أمّنا اسمين. لكن البيت سمع الاسمين، واختار واحدًا منهما ليحتفظ به.
— وأيّ اسم اختار؟
ابتسمت الفتاة بحزن.
— هذا ما تحاولين معرفته منذ البداية.
وقفت غرام.
— أنا تعبت من الألغاز! إذا كنتِ أختي، قولي لي اسمكِ!
ساد الصمت.
ثم قالت الفتاة:
— اسمي كان مكتوبًا على السرير الثاني.
نظرت غرام إلى البطانية الخالية.
لم يكن عليها أي اسم.
لكن عندما رفعت طرفها، وجدت ورقة صغيرة مخبّأة تحتها.
فتحتها.
كان مكتوبًا عليها:
«إيلارا — الطفلة التي لم تبكِ.»
رفعت غرام رأسها بسرعة.
— إيلارا؟
تراجعت الفتاة خطوة.
— لا تنطقي اسمي هنا.
لكن الأوان كان قد فات.
اهتزّت الغرفة.
وانفتحت الأدراج وحدها، وتساقطت الألعاب على الأرض، بينما بدأت الساعة الصغيرة في الممر تدقّ بعنف.
صرخت الفتاة:
— لقد عرف أننا وجدناه!
---
انطفأ الضوء.
وعندما عاد، لم تعد الفتاة موجودة.
كانت غرام وحدها في غرفة الأطفال، والورقة بين أصابعها.
ركضت نحو الباب، لكنها وجدت الممر قد تغيّر.
لم يعد يؤدي إلى الغرفة التي جاءت منها.
بل إلى درج طويل ينزل نحو طابق سفلي.
وفي أسفل الدرج، وقف الرجل صاحب الساعة بلا عقارب.
كان يرتدي معطفًا أسود، ويحمل في يده الساعة ذات الرقم ثلاثة عشر.
قال بهدوء:
— لقد حذّرتكِ من البحث عن الماضي.
تراجعت غرام.
— مين أنت؟ وليش بتعرف أمي؟
لم يتحرّك الرجل.
— لأن أمّكِ لم تكن الشخص الذي أنقذكِ.
شعرت غرام بأن الأرض تميد تحت قدميها.
— شو عم تقول؟
رفع الرجل الساعة.
— عندما وُلدتِ أنتِ وأختكِ، كان على إحداكما أن تبقى في المنزل الأول. أمّكِ اختارت، لكنها لم تخبركِ مَن اختارت.
— هي اختارتني أنا؟
لم يجب.
— ولا اختارت أختي؟
ظلّ صامتًا.
صرخت غرام:
— احكي!
عندها، رفع الرجل رأسه، وكشفت إضاءة خافتة عن جزء من وجهه.
لم يكن وجهه غريبًا تمامًا.
كانت هناك ملامح تعرفها غرام.
عينان رأتهما في صور قديمة.
وابتسامة تشبه ابتسامة آزر.
لكن أكثر ما أرعبها كان الندبة الصغيرة قرب حاجبه الأيسر.
الندبة نفسها التي ظهرت على وجه الرجل في الصورة المخبّأة داخل دفتر المنزل الأول.
همست:
— أنت ساهر؟
ابتسم الرجل.
— ساهر هو الاسم الذي يتذكّرونه.
اقترب خطوة.
— أما اسمي الحقيقي، فلا أحد يتذكّره.
ثم أشار إلى الورقة في يدها.
— أعطيني اسم إيلارا.
شدّت غرام أصابعها حول الورقة.
— لا.
اختفت الابتسامة عن وجهه.
— إذا بقي اسمها معكِ، فلن تتمكّني من العودة إلى حياتكِ.
أجابته غرام، رغم خوفها:
— يمكن حياتي كلها كانت كذبة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— أخيرًا، بدأتِ تفهمين.
رفع الساعة، وسمعت غرام دقّة واحدة.
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب خلفه.
ظهر خلف الباب سرير صغير، وطفلة رضيعة نائمة تحت بطانية بيضاء.
لم تكن تبكي.
اقترب ساهر من الباب، وقال:
— هذه هي الطفلة التي لم تبكِ.
ثم التفت إلى غرام.
— لكن السؤال ليس لماذا لم تبكِ… بل لماذا لم تستيقظ منذ ولادتها.
---
تقدّمت غرام نحو الباب رغم تحذيراته.
كانت الطفلة هادئة، ووجهها صغيرًا، ويداها متشابكتين فوق صدرها.
وعلى معصمها، كان هناك سوار فضي.
السوار نفسه الذي ارتدته الفتاة في المرآة.
مدّت غرام يدها نحوه، لكن قبل أن تلمسه، فتحت الطفلة عينيها.
لم تكن عينا رضيعة.
كانتا عينين رماديتين، عميقتين، كأنهما تحملان ذكريات أعمار طويلة.
حرّكت الطفلة شفتيها.
وخرج منها صوت امرأة بالغة:
— غرام… لا تسمحي له بإيقاظي.
تراجعت غرام مذعورة.
نظرت إلى ساهر.
لكنه لم يعد واقفًا عند الباب.
اختفى.
ثم بدأ المكان كله يتلاشى، كأن الغرفة لم تكن موجودة أصلًا.
بقيت غرام والطفلة وحدهما.
قالت غرام بصوت مرتجف:
— مين أنتِ؟
أغمضت الطفلة عينيها.
وقبل أن تختفي، همست:
— أنا أختكِ التي اختارت أمّكِ أن تنساها… وأنا الوحيدة التي تعرف لماذا وُلدتِ أنتِ أولًا، رغم أنني كنتُ الأكبر.
ثم انطفأ كل شيء.
وعندما فتحت غرام عينيها، وجدت نفسها أمام المرآة من جديد.
لكن انعكاسها لم يكن وحده.
كانت تقف خلفه طفلة صغيرة، تضع إصبعها على شفتيها.
وعلى سطح المرآة، ظهرت عبارة واحدة:
«في الفصل القادم، ستعرفين مَن ماتت أولًا.»
💬 التعليقات