الفصل الأول
الغرفة التي لا يأتيها الصباح
لم يكن الظلام هو ما أخاف غرام.
بل الصمت.
صمتٌ ثقيل، كأن العالم بأكمله حبس أنفاسه في انتظار شيء لا تعرفه.
فتحت عينيها ببطء، فوجدت نفسها مستلقية على أرض باردة داخل غرفة لم ترَ مثلها من قبل. كانت الجدران رمادية، والسقف مرتفعًا إلى حدّ يصعب معه رؤية نهايته، بينما انتشرت على الأرض ساعات قديمة، بعضها مكسور، وبعضها الآخر يدور عقربه عكس اتجاه الزمن.
جلست غرام، وضغطت كفّيها على الأرض لتستعيد توازنها.
— وين أنا؟
لم يجبها أحد.
رفعت رأسها نحو النافذة الوحيدة في الغرفة. كان خلفها ضباب أبيض كثيف، لا سماء ولا أشجار ولا أي علامة تدلّ على وجود عالم في الخارج.
اقتربت من النافذة ووضعت يدها على الزجاج.
كان باردًا.
وفجأة، ظهرت عليه كتابة بخطّ يشبه خطّها:
«لا تحاولي الخروج قبل أن تتذكّري كيف دخلتِ.»
تراجعت غرام.
— لا، مو مرة تانية!
التفتت نحو الباب، وبدأت تبحث عن مقبضه، لكنها لم تجد سوى سطح خشبي أملس، خالٍ من أي فتحة.
كانت الغرفة مغلقة.
وبلا باب.
---
بعد دقائق من البحث، لاحظت غرام ساعة صغيرة فوق الطاولة الوحيدة.
كانت الساعة متوقفة عند الثالثة عشرة.
إلى جانبها، وُضع دفتر أسود، وعلى غلافه جملة قصيرة:
«سجلّ الولادات التي لم تحدث.»
فتحت الدفتر بحذر.
في الصفحة الأولى، وجدت أسماء كثيرة، وإلى جانب كل اسم تاريخ وملاحظة قصيرة.
سيرين — وُلدت لتتذكّر.
إيلارا — وُلدت لتختفي.
إيلين — وُلدت لتعود.
نيراف — وُلد من ذكرى.
ثم وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
كان اسمها مكتوبًا هناك.
غرام.
لكن خانة تاريخ الولادة كانت فارغة، وتحتها ملاحظة واحدة:
«لم تُولد بعد.»
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
أغلقت الدفتر بقوة.
— كذب! أنا موجودة! أنا هون!
ارتدّ صوتها عن الجدران، ثم عاد إليها همسًا غريبًا:
— هل أنتِ متأكدة؟
تجمّدت.
لم يكن الهمس صادرًا عن الجدران هذه المرة.
بل من خلفها.
استدارت ببطء، فرأت مرآة طويلة لم تكن موجودة قبل لحظات.
وفي داخل المرآة، وقفت فتاة تشبهها تمامًا.
الشعر نفسه.
العينان نفسيهما.
والملامح ذاتها.
لكن الفتاة كانت ترتدي ثوبًا أبيض، وعلى معصمها سوار فضي يشبه السوار الذي وجدته غرام في الغرفة البيضاء.
اقتربت غرام من المرآة.
— أنتِ مين؟
رفعت الفتاة يدها، ولمست الزجاج من الجهة الأخرى.
— أنا السؤال اللي هربتِ منه طوال حياتكِ.
— احكي بوضوح!
تنهدت الفتاة، ثم قالت:
— اسمي غرام.
ضحكت غرام بتوتر.
— لا، اسمي أنا غرام.
— أعرف.
— يعني شو؟
نظرت الفتاة إلى الأرض، وكأنها تحاول جمع كلمات يصعب قولها.
ثم رفعت عينيها وهمست:
— لأننا كلتانا غرام، لا بدّ أن تكون إحدانا قد أخذت مكان الأخرى.
---
فجأة، سُمعت دقّة واحدة.
اهتزّت الساعات على الأرض.
رفعت الفتاة رأسها نحو سقف الغرفة، وظهر الخوف على وجهها.
— لقد بدأ.
سألتها غرام:
— شو اللي بدأ؟
— العدّ التنازلي.
— لأي شيء؟
لم تجب الفتاة مباشرة.
اقتربت من المرآة حتى صار وجهها ملاصقًا للزجاج.
— عندما تدقّ الساعة ثلاث عشرة مرة، سيختار المنزل واحدة منّا.
ابتلعت غرام ريقها.
— ويعمل شو بالثانية؟
أغمضت الفتاة عينيها.
— يمحوها من كل ذاكرة.
دقّت الساعة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
بدأت الساعات الأخرى تتحرك، وكأنها استيقظت جميعًا من نوم طويل.
صرخت غرام:
— كيف بوقفها؟!
أجابت الفتاة بسرعة:
— عليكِ أن تجدي شهادة ميلادكِ الحقيقية.
— وين بلاقيها؟
أشارت الفتاة إلى الدفتر الأسود.
— في الصفحة التي لا يستطيع أحد قراءتها.
ثم ابتعدت عن المرآة، وقبل أن تختفي، قالت:
— ولا تثقي بالرجل الذي يحمل الساعة.
— ليش؟
لكن الفتاة لم تجب.
اختفت، وعاد سطح المرآة يعكس الغرفة وحدها.
---
ركضت غرام نحو الدفتر وفتحته مجددًا.
قلبت صفحاته بسرعة، حتى وصلت إلى الصفحة التي تحمل اسمها.
وضعت إصبعها على الكلمات.
«لم تُولد بعد.»
وتحت العبارة، لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل: أثر كتابة ممحوة، كأن أحدهم حاول إخفاء جملة كاملة.
بحثت عن قلم فوق الطاولة، ومررته برفق على الصفحة.
بدأت الكلمات تظهر.
«وُلدت غرام في الساعة الثالثة عشرة، في اليوم الذي ماتت فيه أمّها… وفي اليوم الذي لم تولد فيه أختها.»
توقفت أنفاسها.
أمّها؟
أختها؟
لم تتذكّر يومًا أن لها أختًا.
لكن في اللحظة التي قرأت فيها الجملة، سمعت صوتًا خلفها.
صوت امرأة تعرفه جيدًا.
صوت أمّها.
— غرام، حبيبتي… لا تكملي القراءة.
استدارت غرام بسرعة.
كانت أمّها تقف قرب النافذة، ترتدي ثوبًا داكنًا، ووجهها شاحب كأنها لم تنم منذ سنوات.
ركضت غرام نحوها.
— ماما!
لكن أمّها رفعت يدها لتمنعها من الاقتراب.
— لا تلمسيني.
توقفت غرام، والدموع تتجمّع في عينيها.
— ليش؟ شو عم يصير؟ مين البنت اللي بالمرآة؟ وليش مكتوب إني ما انولدت؟
نظرت أمّها إلى الدفتر.
ثم إلى الساعة.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— لأنني ارتكبت خطأً واحدًا عندما كنتُ أظنّ أنني أستطيع إنقاذكما معًا.
اقتربت غرام خطوة.
— إنقاذ مين؟
أغمضت أمّها عينيها، وانهمرت دمعة على خدّها.
— أنتِ وأختكِ.
في اللحظة نفسها، دوّت دقّة جديدة.
الرابعة.
اهتزّت النافذة، وانشقّ الزجاج من منتصفه، لكن خلفه لم يظهر الضباب هذه المرة.
ظهر منزل قديم.
وأمام المنزل، وقفت امرأتان تحمل كلّ واحدة منهما طفلة رضيعة.
إحدى المرأتين كانت أمّ غرام.
أما الثانية…
فكانت غرام نفسها.
لكنها كانت أكبر سنًّا، وترتدي الثوب الأبيض الذي رأته على الفتاة داخل المرآة.
همست أمّها:
— لا تنظري إلى ما سيحدث بعد ذلك.
لكن غرام لم تستطع إبعاد عينيها عن المشهد.
فقد بدأت المرأة التي تشبهها تقترب من أمّها، ثم تمدّ يدها نحو الطفلة التي تحملها.
وعندما التفتت المرأة نحو النافذة، ابتسمت مباشرة لغرام.
ثم حرّكت شفتيها ببطء.
«هذه المرة، سأبقى أنا.»
دقّت الساعة للمرة الخامسة.
واختفت أمّ غرام من الغرفة.
لكن صوتها بقي يتردّد في الظلام:
— ابحثي عن الاسم الذي لم أمنحكِ إياه… قبل أن تصل الدقّة الثالثة عشرة.
وفي الدفتر الأسود، بدأت صفحة جديدة بالظهور.
لم يكن عليها اسم.
بل سؤال واحد:
«أيّ الطفلتين كان يجب أن تولد؟»
💬 التعليقات