الفصل 5

الفصل 5

1,048 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الخامس

الاسم الأول

«الدقّة السابعة: عودة الاسم الأول.»

ظهرت العبارة على الجدار، ثم بدأت حروفها تتساقط كأنها رماد أسود.

وقفت غرام في منتصف الغرفة، تحدّق في الرجل الذي يحمل وجهها، بينما ظلّت إيلارا مستلقية على السرير، وقد أغمضت عينيها.

لم تكن تعرف إن كانت نائمة أم أن الساعة فعلت بها شيئًا.

اقتربت غرام منها.

— إيلارا؟ سامعتيني؟

لم تجب.

التفتت نحو الرجل.

— شو عملتلها؟

هزّ رأسه ببطء.

— لم أفعل شيئًا. إنها تتذكّر.

— تتذكّر شو؟

— الاسم الذي حاولتِ أنتِ نسيانه.

رفعت غرام يدها، ونظرت إلى الساعة السوداء الملتفّة حول معصمها.

— أنا ما بعرف شو هالساعة، ولا بعرف مين أنت. وإذا كنت فعلًا نسخة مني، فاحكيلي الحقيقة!

ابتسم الرجل بحزن.

— أنتِ لا تريدين الحقيقة يا غرام. أنتِ تريدين حقيقة لا تؤلمكِ.

— لا تقرر عني شو بدي!

ساد الصمت.

ثم رفع الرجل يده نحو المرآة.

ظهر على سطحها مشهد لحديقة قديمة، تتوسطها شجرة ضخمة. تحت الشجرة، جلست طفلة صغيرة ترسم على التراب.

كانت الطفلة تشبه غرام.

لكنها لم تكن ترتدي ثيابًا حديثة، بل فستانًا أبيض قديمًا، وعلى معصمها سوار فضي.

اقتربت منها امرأة، وجلست بجانبها.

لم تستطع غرام رؤية وجه المرأة، لكنها سمعت صوتها بوضوح.

— ما اسمكِ يا صغيرتي؟

رفعت الطفلة رأسها، وأجابت:

— لم تختاري لي اسمًا بعد.

تجمّدت غرام.

كانت الطفلة تتحدث كأنها تعرف أن المرأة ستمنحها اسمًا في تلك اللحظة.

ابتسمت المرأة، ومسحت على شعرها.

— إذًا، سأمنحكِ اسمًا لا يستطيع أحد أخذه منكِ.

وقبل أن تنطق المرأة بالاسم، انطفأت المرآة.

صرخت غرام:

— لا! رجّع الصورة!

أجاب الرجل:

— لا أستطيع.

— ليش؟!

— لأن الاسم الأول لا يظهر إلا عندما تكونين مستعدة لسماعه.

---

في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة.

دخل آزر، وكان وجهه شاحبًا، وثيابه مغطاة بالغبار.

عندما رأى الرجل، توقّف فجأة.

— أنت!

التفتت غرام إليه.

— بتعرفه؟

لم يجب آزر، بل تقدّم نحو الرجل بغضب.

— ظننتُ أنك اختفيت إلى الأبد.

قال الرجل بهدوء:

— لم أختفِ يا آزر. أنتم فقط توقفتم عن تذكّري.

أمسك آزر بذراعه.

— كان يجب ألّا تعود.

رفع الرجل عينيه إليه.

— وهل كان يجب أن تتركها تموت مرتين؟

أفلت آزر ذراعه، وكأن الكلمات أصابته في مكان عميق.

نظرت غرام بينهما.

— شو يعني تموت مرتين؟! كلكن بتعرفوا شي وأنا آخر وحدة بتعرف!

اقترب آزر منها.

— غرام، اسمعيني جيدًا. هناك أمور أخفيتها عنكِ، وكنت أظن أن إخفاءها سيحميكِ.

ضحكت غرام بمرارة.

— الكل عم يحميني بالكذب!

خفض آزر رأسه.

— أعرف.

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا فضيًا صغيرًا.

كان المفتاح نفسه الذي ظهر في ذكريات غرام القديمة.

— هذا المفتاح يفتح المكان الذي حُفظ فيه اسمكِ الأول.

مدّت غرام يدها، لكنها توقفت قبل أن تلمسه.

— وليش ما فتحتوه من قبل؟

أجاب آزر:

— لأن المكان لا يفتح إلا عندما تتذكّر صاحبة الاسم أنها كانت موجودة قبل الاسم الذي تحمله الآن.

نظرت غرام إلى المفتاح.

ثم أخذته.

وفور أن لامست أصابعها المعدن، سمعت صوتًا خافتًا يأتي من داخل الساعة السوداء.

«أخيرًا، عدتِ يا إيلين.»

---

تراجعت غرام.

— إيلين؟

نظر آزر إليها بحزن.

— هذا أحد الأسماء التي حملتِها.

— أحد الأسماء؟ كم اسم عندي؟!

— أكثر مما تتخيّلين.

رفع الرجل الذي يشبهها رأسه.

— لكن هذا ليس اسمكِ الأول.

اقترب من غرام، وأشار إلى المفتاح.

— الاسم الأول موجود في المكان الذي بدأ فيه المنزل، قبل أن يصبح منزلًا، وقبل أن تتعلّم الساعة كيف تدقّ.

سألت غرام:

إعلان

— وين هالمكان؟

أجاب آزر:

— تحت البيت الأول.

---

وصل الثلاثة إلى درج حجري ضيّق.

كانت جدرانه مغطاة بكتابات قديمة، وكلما نزلت غرام درجة، سمعت همسًا مختلفًا.

«إيلارا…»

«إيلين…»

«غرام…»

ثم اسمًا لم تستطع تمييزه.

عند نهاية الدرج، وجدوا بابًا نحاسيًا ضخمًا، يتوسطه نقش لثلاث دوائر متداخلة.

أدخلت غرام المفتاح الفضي في القفل.

دار المفتاح وحده.

وانفتح الباب.

خلفه، كانت هناك قاعة واسعة، تتوسطها طاولة حجرية، وفوقها صندوق زجاجي صغير.

داخل الصندوق، وُضعت ورقة صفراء.

اقتربت غرام وقرأت الكلمات المكتوبة عليها:

«الاسم الأول لا يُمنح، بل يُستعاد.»

مدّت يدها نحو الصندوق.

لكن آزر أمسك بمعصمها.

— انتظري.

نظرت إليه بغضب.

— شو كمان؟

قال بصوت منخفض:

— عندما تعرفين الاسم، ستعرفين أيضًا مَن كانت إيلارا قبل أن تصبح أختكِ.

ترددت غرام.

ثم أفلتت يدها من قبضته.

— أنا مستعدة.

فتحت الصندوق.

كانت الورقة تحمل رسمًا لطفلتين متشابهتين، تقفان أمام شجرة قديمة.

وتحت الرسم، كُتب:

«في البداية، لم تكن هناك غرام وإيلارا.

كانت هناك فتاة واحدة، وذاكرتان.

وعندما انقسمت الذاكرة، حصلت كل فتاة على نصف الحقيقة.

الأولى حملت اسمها إلى العالم.

والثانية حملت الاسم الذي نسيه العالم.»

شعرت غرام بأن الأرض تميد تحت قدميها.

— فتاة واحدة؟ يعني أنا وإيلارا كنا شخصًا واحدًا؟

أجاب الرجل الذي يشبهها:

— ليس تمامًا.

اقترب من الصندوق، وأشار إلى الرسم.

— كنتما أختين، لكن البيت لم يستطع الاحتفاظ بذكرياتيكما معًا. فصنع من ذكرياتكما حكاية واحدة، ثم بدأ يبدّل الأدوار بينكما حتى لم يعد أحد يعرف أيّكما وُلدت أولًا.

رفعت غرام عينيها إليه.

— وأنت؟ وين مكانك بهالحكاية؟

ساد الصمت.

ثم قال:

— أنا الاسم الذي اختفى عندما بدأت الحكاية.

---

فجأة، تحرّكت الورقة داخل الصندوق.

انقلبت من تلقاء نفسها، وظهرت على ظهرها كتابة لم تكن موجودة من قبل:

«إلى ابنتي…

إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن الساعة أعادتكِ إلى البداية.

لا تثقي بالشخص الذي يحمل وجهكِ.

ولا تثقي بمن يقول إنه يعرف اسمكِ.

فالاسم الأول ليس اسم فتاة، بل اسم الباب الذي دخلتِ منه إلى العالم.»

تراجعت غرام عن الطاولة.

— لا أفهم!

اقترب آزر من الورقة.

— لأننا كنا نبحث عن اسم شخص، بينما الاسم في الحقيقة هو اسم مكان.

نظر الرجل إلى آزر.

— لقد تأخرتَ كثيرًا في فهم ذلك.

ثم استدار نحو غرام.

— حان الوقت لتري المكان الذي بدأتِ فيه.

رفع يده، وأشار إلى الجدار المقابل.

ظهر باب صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات.

وعليه نقش واحد:

«إيلارا.»

تقدّمت غرام خطوة.

لكن آزر أمسك بكتفها.

— لا تدخلي!

استدارت إليه.

— ليش؟

نظر إلى الباب، ثم قال بصوت خافت:

— لأن إيلارا لم تكن اسم أختكِ فقط.

توقّف لحظة، وكأنه يخشى أن يكمل.

ثم نطق الكلمات التي جعلت غرام تشعر بأن كل شيء عرفته كان كذبة:

— إيلارا هو اسم المنزل الأول… والفتاة التي تحمل هذا الاسم لم تكن تسكن فيه، بل كانت هي المنزل نفسه.

انفتح الباب ببطء.

وجاء من خلفه صوت إيلارا:

— غرام… لا تدخلي.

لكن الصوت لم يكن خائفًا هذه المرة.

كان غاضبًا.

ثم أضاف:

— لقد أخبركِ آزر نصف الحقيقة فقط. إذا أردتِ معرفة مَن ماتت أولًا، فعليكِ أن تعرفي مَن منحتني اسمكِ.

انطفأت الأنوار.

ودقّت الساعة للمرة السابعة.

وفي الظلام، سمعت غرام صوتًا صغيرًا يهمس باسمها الأول… الاسم الذي لم تستطع تذكّره.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق