وميض الياسمين

الفصل 5

الفصل الخامس

474 كلمة · 2 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

: اقتراب حذر

بعد تلك المحادثة الصادقة، شعرت ليلى وعمر بأن حائطاً كبيراً بينهما قد انهار. أصبحت زياراته اليومية أكثر طبيعية، وأصبحت ضحكاتهما تتردد في أرجاء البيت القديم وهما يعملان معاً على الترميم.

اقترح عمر أن يكتب مقالاً صحفياً عن ترميم البيوت التراثية في المدينة، مستخدماً بيت جدّة ليلى كمثال. وافقت بحماس، ورأت في ذلك فرصة لتوثيق العملية وربطها بذكريات جدّتها.

بدآ يعملان معاً بشكل أوثق؛ عمر يكتب ملاحظاته ويصوّر بكاميرته القديمة، وليلى تشرح له تفاصيل التصميم المعماري وأهمية الحفاظ على الطابع الأصلي للبيت مع تحديث الأساسيات. كانا يتشاركان القهوة صباحاً قبل أن يبدآ العمل، ويتناولان الغداء معاً كل ظهيرة، وأصبح وجود كل منهما بالنسبة للآخر جزءاً طبيعياً من يومهما.

في أحد الأيام، بينما كانا يرتّبان غرفة المكتبة القديمة، وجدت ليلى كتاباً قديماً كانت تحبه في طفولتها، مجموعة قصص قصيرة لكاتب عربي كلاسيكي. فتحته بحنان، وتذكرت أنها وعمر كانا يتبادلان قراءة القصص منه بصوت عالٍ في أيام الصيف الحارة.

"أتتذكر هذا؟" سألته، وهي ترفع الكتاب.

اقترب عمر ونظر إلى الكتاب، وابتسم بحنين. "كيف يمكن أن أنسى؟ كنتِ تقرئين بصوت مسرحي جداً، تجعلين كل شخصية تبدو كأنها في فيلم."

ضحكت ليلى. "وأنت كنت تصحح لي النطق كل مرة أخطئ في كلمة، كنت مزعجاً جداً."

"كنت أهتم بالتفاصيل فقط،" قال بابتسامة مشاغبة.

جلسا على الأرض، بين الصناديق والأثاث المغطى بالأقمشة، وقرأت ليلى قصة قصيرة من الكتاب بصوت عالٍ، تماماً كما كانت تفعل في طفولتها، وعمر يستمع بانتباه، وعيناه لا تتركان وجهها.

حين انتهت من القراءة، ساد صمت مريح بينهما. نظر عمر إليها بطريقة جعلتها تشعر بالحرارة تتصاعد في وجهها.

"ماذا؟" سألت، وهي تحاول أن تبدو غير مرتبكة.

"لا شيء،" قال، ثم أضاف بصدق: "فقط أفكر كم اشتقت لهذا. لصوتك، لضحكتك، لوجودك القريب مني بهذه الطريقة."

شعرت ليلى أن قلبها يتسارع. لم تكن مستعدة تماماً لهذه اللحظة، لكنها لم تكن تريد أن تهرب منها أيضاً. "أنا أيضاً اشتقت لهذا، عمر. أكثر مما كنت أسمح لنفسي بالاعتراف به."

اقترب منها قليلاً، ثم توقف، كمن يحترم حدوداً غير مرسومة بينهما. "ليلى، أريد أن أسألك شيئاً، ولا أريدك أن تشعري بالضغط للإجابة الآن. هل هناك... مساحة لي في حياتك؟ ليس كصديق فقط، بل كشيء أكثر؟"

نظرت إليه طويلاً، تراجع كل الذكريات والمخاوف والأمل في ذهنها. أخيراً، قالت: "أعتقد أن هناك مساحة، عمر. لكنني أحتاج وقتاً. لست خائفة منك، بل من نفسي، من أن أفتح قلبي مرة أخرى وأنجرح مجدداً."

هزّ رأسه بتفهم عميق. "لن أضغط عليك أبداً. سأنتظر، بقدر ما تحتاجين. المهم أنك لم تغلقي الباب تماماً."

"لم أغلقه،" قالت بابتسامة صغيرة صادقة.

من ذلك اليوم، تغيّرت طبيعة علاقتهما بشكل خفي لكنه ملموس. أصبحت النظرات تحمل معنى أعمق، واللمسات العابرة تدوم لحظة أطول من المعتاد، والصمت بينهما أصبح مريحاً، مشحوناً بتوقع لطيف لما قد يأتي.

في المساء، حين انصرف عمر، وقفت ليلى عند الباب تراقبه يمشي في الشارع المضيء بأنوار الشوارع الخافتة، وشعرت بشيء لم تشعر به منذ سنوات طويلة: الأمل. أمل حذر، هش، لكنه حقيقي وينمو يوماً بعد يوم، كشجرة الياسمين التي بدأت تُزهر من جديد بعد تقليمها بعناية.