وميض الياسمين

الفصل 4

الفصل الرابع

593 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

: سوء تفاهم قديم

مرّت الأيام، والترميم يتقدّم بثبات. أصبح البيت يستعيد رونقه شيئاً فشيئاً: الجدران الجديدة بلونها الكريمي الهادئ، النوافذ المرممة التي تسمح لأشعة الشمس بالدخول بحرية، والشرفة التي أصبحت مكاناً مفضلاً لهما يجلسان فيه كل مساء.

لكن سؤال ليلى ظل معلقاً في الهواء، وهي لم تنسه. في أحد الأيام، حين كانت تبحث عن أدوات في مستودع صغير خلف البيت، وجدت صندوقاً آخر يحمل اسم عائلة عمر عليه. تذكرت أن جدّتها كانت تحتفظ ببعض أشياء الجيران القدامى حين غادروا بسرعة، على أمل أن يعودوا لاستلامها. فتحت الصندوق بفضول، ووجدت فيه أوراقاً رسمية قديمة، من بينها خطاب من مستشفى في العاصمة يحمل اسم والد عمر.

قرأت الخطاب بحذر، وأدركت أن والد عمر كان يعاني من مرض خطير في تلك الفترة، واحتاج علاجاً متخصصاً لم يكن متوفراً إلا في العاصمة، وهو السبب الحقيقي وراء انتقال العائلة المفاجئ. لم يكن الأمر متعلقاً بالعمل كما قال عمر، بل بمحاولة إنقاذ حياة والده.

جلست ليلى على الأرض، والخطاب بين يديها، وشعرت بموجة من التعاطف تغسل كل الغضب القديم الذي احتفظت به لسنوات. لكن سؤالاً آخر ظهر في ذهنها: لماذا لم يخبرها عمر بهذا؟ لماذا فضّل أن يتركها تظن أنه تركها بلا سبب، بدلاً من أن يشاركها هذا الألم؟

في المساء، حين أتى عمر كعادته، لاحظ تغيراً في ملامحها. "هل كل شيء بخير؟" سأل بقلق.

قررت ليلى أن تكون صريحة. أخرجت الخطاب من حقيبتها وأعطته له. "وجدت هذا في مستودع جدّتي. عمر، لماذا لم تخبرني عن مرض والدك؟"

تجمّد عمر للحظة، وقرأ الخطاب بعينين مليئتين بذكريات مؤلمة. "لم أرد أن أثقل عليك بذلك. كنتِ في السابعة عشرة، وكنت أنا كذلك. كان الأمر مرعباً، ليلى. كنا لا نعرف إن كان والدي سينجو. انتقلنا بسرعة، وكل يوم كان يبدو كأنه معركة."

"لكنني كنت صديقتك،" قالت بصوت مرتجف قليلاً. "كنت أستحق أن أعرف. كنت أستحق أن أكون بجانبك في تلك الفترة، حتى لو من بعيد، برسالة، بكلمة."

"أعرف،" قال عمر بصوت مليء بالندم. "وهذا ما أثقل عليّ كل هذه السنوات. حاولتُ أن أكتب لك مرات عديدة، لكنني كنت غارقاً في القلق على والدي، وفي محاولة مساعدة أمي وأخواتي الصغار، وشعرت أنني لا أستطيع أن أحمل ثقل علاقتنا فوق كل ذلك الألم. كنت خائفاً، ليلى. خائفاً جداً، وصغيراً جداً لأتعامل مع كل شيء في نفس الوقت."

شعرت ليلى بقلبها ينفطر لأجل الصبي الذي كانه عمر، وحيداً يحمل عبء عائلته بمفرده، دون أن يسمح لنفسه بطلب الدعم من الشخص الذي كان أقرب إليه.

"وماذا حدث بعد ذلك؟ لماذا لم تعد للتواصل بعد استقرار الحال؟" سألت.

"والدي تعافى بعد عامين تقريباً، لكن بحلول ذلك الوقت، كنت قد سمعت أنك انتقلتِ للدراسة في الخارج، وبنيتِ حياة جديدة، وشعرت أنني لا أملك الحق في العودة إلى حياتك وكأن شيئاً لم يحدث، بعد أن تركتك بلا تفسير لسنتين كاملتين. اعتقدت أنك نسيتِني، وأنه من الأفضل أن أتركك تعيشين حياتك دون أن أثير ذكريات قديمة."

جلسا في صمت طويل، كل منهما يعالج هذه المعلومات الجديدة. أخيراً، قالت ليلى: "كل هذه السنوات، ظننت أنك تركتني لأنني لم أكن كافية. لم أكن أعرف أنك كنت تحارب معركتك الخاصة."

"أنا آسف، ليلى. آسف جداً لأنني جعلتك تشعرين بذلك. لم يكن الأمر أبداً متعلقاً بكفايتك. كنتِ، ولا زلتِ، أكثر من كافية. كان الأمر متعلقاً بضعفي وخوفي، لا بك أبداً."

مدّت ليلى يدها ولمست يده بلطف، في إشارة إلى أنها بدأت تفهم، وتسامح. "أشكرك على الصدق أخيراً. كان هذا كل ما أحتاجه."

نظر إليها عمر بعينين مليئتين بالمشاعر. "لديّ الكثير لأعوّضك عنه، ليلى، إن سمحتِ لي بذلك."

ابتسمت ابتسامة صادقة، أول ابتسامة كاملة منذ عودتها. "لنبدأ بترميم هذا البيت أولاً. وربما... ربما نرمّم أشياء أخرى في الطريق."

كانت هذه اللحظة، تحت ضوء القمر المتسلل عبر أوراق شجرة الياسمين، بداية حقيقية لصفحة جديدة بينهما، صفحة مبنية هذه المرة على الصدق، لا على الافتراضات والصمت.