: ذكريات الطفولة
قررت ليلى أن تحتفظ بالرسالة لنفسها في الوقت الحالي، غير متأكدة من كيفية مواجهة عمر بها. لكن الرسالة أعادت إلى ذهنها سيلاً من الذكريات التي حاولت لسنوات أن تدفنها.
تذكّرت الصيف الذي التقت فيه بعمر لأول مرة. كانت في التاسعة من عمرها، تزور جدّتها كعادتها كل صيف، وكان عمر، ابن الجيران، في نفس عمرها تقريباً، طفلاً هادئاً يحب القراءة أكثر من اللعب مع الأطفال الآخرين. جلسا معاً تحت شجرة الليمون الصغيرة التي زرعاها بأيديهما، وتبادلا القصص والأحلام.
في ذلك الصيف، أخبرها عمر أنه يريد أن يصبح كاتباً يوماً ما، يروي قصص الناس الذين لا صوت لهم. وأخبرته هي أنها تريد أن تصمم بيوتاً تشبه القصور التي تقرأ عنها في الكتب. ضحكا كثيراً، وتعاهدا على الصداقة الدائمة، بطريقة الأطفال الذين يعتقدون أن الوعود لا تُنقض أبداً.
مع مرور السنوات، تحوّلت تلك الصداقة إلى شيء أعمق دون أن يعترفا به لأنفسهما بشكل صريح. كانا يكتبان الرسائل لبعضهما طوال العام حين تكون ليلى في المدينة، ويعدّان الأيام لحلول الصيف. في الرابعة عشرة من عمرهما، جلسا على سطح البيت ليلة صيفية، يتأملان النجوم، وقال عمر بصوت خافت: "أظن أنني... أحبك، ليلى. ليس كصديقة فقط."
كانت تلك أول مرة يقول أحد لها هذه الكلمة. ارتبكت، وضحكت بعصبية، ولم تعرف كيف تردّ، فقالت فقط: "أنا أيضاً أحبك، عمر." ولم يكن أيّ منهما يعرف بالضبط ماذا يعني ذلك في تلك السن، لكن الشعور كان صادقاً وعميقاً.
استمرت علاقتهما على هذا النحو لسنوات، صداقة تحمل بذور حب لم يُسمَّ صراحة، حتى بلغا السابعة عشرة، وفي ذلك الصيف الأخير، شعرت ليلى أن شيئاً تغيّر في عمر. أصبح أكثر انطواءً، يتجنب اللقاءات الطويلة، وحين سألته عن السبب، كان يجيب بعبارات مقتضبة عن "ضغوط العائلة" أو "مشاكل في البيت" دون أن يوضح أكثر.
ثم، في يوم من أيام أغسطس، ودون أي تحذير، غادرت عائلة عمر المدينة بشكل مفاجئ. تركت ليلى رسالة قصيرة في صندوق البريد تقول فيها: "اضطررنا للانتقال. سأكتب لك حين أستقر. اعتني بنفسك، ليلى." لكن الرسالة الموعودة لم تأتِ أبداً. حاولت ليلى الاستفسار عن مكانهم من الجيران، لكن لم يكن أحد يعرف تفاصيل واضحة. شعرت بالخذلان العميق، وقررت، بعناد المرحلة العمرية، أن تمحو عمر من قلبها وتتقدم في حياتها.
الآن، وهي تجلس في غرفة جدّتها القديمة، تحمل رسالة تكشف أن هناك جانباً من القصة لم تعرفه، شعرت بمزيج من الغضب والأمل. غضب من كل السنوات التي ظنت فيها أنه تركها بلا سبب حقيقي، وأمل بأن يكون هناك تفسير يعيد ترتيب كل شيء في ذهنها.
في المساء، وبينما كانا يتناولان العشاء الذي أعدّته ليلى كشكر بسيط لمساعدته، سألته بحذر: "عمر، هل تتذكر لماذا غادرت عائلتك المدينة بتلك السرعة؟"
توقفت يد عمر في الهواء للحظة، ثم أكمل حركته وكأن شيئاً لم يحدث. "كانت ظروف عمل والدي. انتقل إلى وظيفة في مدينة أخرى بشكل مفاجئ."
"هذا كل ما يتعلق بالأمر؟" سألت، وهي تراقب وجهه بعناية.
نظر إليها عمر مباشرة، وبدا كأنه يفكر بعمق فيما سيقوله. "ليلى، هناك أشياء عن تلك الفترة لم أخبرك بها بالكامل. لكنني لست جاهزاً للتحدث عنها الآن. أعدك أنني سأفعل، حين يحين الوقت المناسب."
شعرت بالإحباط، لكنها احترمت طلبه. لم تكن تريد أن تدفعه بقوة قد تجعله ينسحب مرة أخرى، خاصة أنها بدأت تشعر أن المسافة بينهما تتقلص يوماً بعد يوم، وأن قلبها القديم يستعيد نبضه القديم ببطء وحذر.
بعد العشاء، جلسا في الحديقة تحت شجرة الليمون، كما كانا يفعلان قبل سنوات. تحدّثا عن أشياء بسيطة - كتب قرآها، أفلام شاهداها، أصدقاء مشتركين تفرقت بهم الحياة. وفي لحظة صمت، نظر عمر إلى ليلى وقال: "أنا سعيد أنك عدتِ، ليلى. أكثر مما تتخيلين."
ابتسمت، وشعرت بحرارة خفيفة تسري في وجهها. "أنا أيضاً سعيدة."
وبينما كانت النجوم تتلألأ فوقهما، شعرت ليلى أن ذلك الفصل القديم من حياتها، الذي ظنت أنه أُغلق نهائياً، بدأ يُفتح من جديد، صفحة صفحة، بحذر شديد.