...ولو بعد حين

الفصل 2

الفصل الثانى : صالة الوصول – والرجوع المباغت

2,140 كلمة · 11 دقيقة للقراءة

إعلان

عجت صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي بضجيج الحقائب المجرورة، وأصوات النداءات المتقطعة، وامتزجت ملامح القادمين بملامح المنتظرين خلف الحواجز الزجاجية. مرت أقل من اثنتين وسبعين ساعة فقط على تلك الليلة المشحونة في حديقة النادي، لكن الزمن بدا وكأنه يتلوى ليعيد ترتيب الأحداث بسرعة لم تحسب لها سارة حساباً.

كانت سارة تقف في الركن الأمامي للصالة، محتفظة بذات القوام الممشوق والأناقة الصارمة التي ميزتها دائماً، مرتدية نظارتها الشمسية الفاخرة رغم كونها في الداخل، وكأنها درع حماية يخفي قلقها المتصاعد. تكتف يديها أمام صدرها في حالة ترقب حذر، وعينها لا تغادر الشاشات الرقمية المخصصة لمواعيد الهبوط.

فجأة، شق فضاء الصالة صوت الرنين المميز لإذاعة المطار الداخلية، تلاه صوت المذيعة الرتيب وهي تعلن باللغتين العربية والإنجليزية: "تعلن شركة مصر للطيران عن وصول رحلتها رقم 786 والقادمة من برلين..."

التفتت سارة ببطء جهة اليمين، نحو الرجل الثلاثيني الواقف بجوارها. كان رجلاً يفيض بلطف المظهر وأناقة الهندام الأرستقراطي الهادئ، ملامحه المريحة تنم عن تفهم وصبر طويل. التفت عيناها بعينيه، وقالت بنبرة مشحونة بالضيق المستتر:

• "صاحبك ده هيجنني!"

ابتسم ماهر ابتسامة خفيفة حملت الكثير من المعرفة بطبيعة العلاقة بين زوجته وصديق عمره، ونظر إليها بوعي قائلًا:

• "دلوقتي بقى صاحبي؟ يبقى أكيد زعلانة منه."

رمقته سارة بنظرة حادة من خلف زجاج نظارتها الداكن، ورفعت رأسها بكبرياء كمن ينفي التهمة عن نفسه:

• "وأنا إيه اللي هيزعلني؟!"

عقد ماهر يديه وراء ظهره، مائلاً بجسده نحوها قليلًا، وتابع بنبرة داعبة مألوفة:

• "ما هو لما بتقوليلي 'صاحبك' بيبقى فيه حاجة عاملها.. ولما بيبقى كويس معاكي بيبقى صاحبك أنتِ كمان!"

زفرت سارة زفيراً حاراً، وحركت كفها في الهواء بقلة حيلة وهي تكشف عن مبررات ثورتها المكتومة:

• "طب بذمتك اللي بيعمله ده اسمه إيه؟! قال هيرجع بعد أسبوع، وجدول الأعمال بتاعه بيخلص قبل ميعاد سفره! أصحى الصبح ألاقي رسالة بيقولي 'أنا جاي الساعة عشرة في المطار'!.. أكيد بوّظ الديل اللي بقالي 3 شهور شغالة عليه.. كل ده بسبب ست الحسن والجمال بتاعته! لما نشوف هيقول إيه لما أقوله على اللي وصلتله."

• "أنتِ وصلتي لحاجة مهمة؟" قالها ماهر وهو يعلم الإجابة، فتبعته نظرة حادة من سارة التي قالت بنبرة قاطعة:

• "بقولك إيه.. بلاش الأسلوب ده معايا، أنت عارف النظام؛ ولا أنا أعرف حاجة عن اللي بتعمله، ولا أنت تعرف حاجة عن اللي بعمله.. أنت عاوز توقعني بس ده بعدك!"

صمت ماهر وهز رأسه بتفهم، محاولاً امتصاص ثورة زوجته، بينما اتجهت نظراتهما معاً نحو البوابة الزجاجية التي بدأت تفتح ببطء، لتتدفق منها أولى دفعات ركاب طائرة برلين، حاملي غبار السفر ومفاجآت العودة التي لم تنتظر أسبوعاً كاملاً.

لمحا طيفه من بعيد. شق عمر صفوف المسافرين بطلته الوسيمة التي لم ينل منها إرهاق السفر، حاملاً حقيبة يد صغيرة وخلفه هالة من الثقة المفرطة. تقدم نحوهما بخطوات سريعة، وصافحهما على عجل مصافحة مقتضبة حملت طابع العجلة.

لم تمنحه سارة فرصة لالتقاط أنفاسه، بل بادرت بالهجوم فوراً ونظراتها تشتعل غضباً من خلف نظارتها السوداء:

• "أقدر أعرف إيه اللي بتعمله ده؟ وعملت إيه في ألمانيا؟ وإزاي تمشي وتسيبهم وما تكملش الديل اللي بقالي 3 شهور شغالة عليه؟ يا خسارة تعبك يا سارة!"

رمقها عمر بابتسامة باردة تحمل ثقة مطلقة، وقال مهدئاً من روعها:

• "ما تقلقيش يا سارة.. كله تمام، والديل خلص."

عقدت سارة حاجبيها بذهول ورفض تام، وتابعت بنبرة يملأها الشك والتعجب:

• "خلص إزاي في 3 أيام؟! أنت ممكن تعمل كده وتشتغل الـ 24 ساعة، إنما الألمان ما ينفعش معاهم الكلام ده! عملتها إزاي يا عمر؟"

رد عمر باختصار وهو يستأنف سيره نحو بوابة الخروج:

• "عملتها وخلاص يا سارة."

لحقت به سارة بخطوات سريعة مصممة على انتزاع الإجابة:

• "لأ.. ما أنا لازم أعرف!"

توقف عمر لثانية واحدة، ودون أن ينظر إليها، ألقى قنبلته بنبرة خالية من التعبير وعيناه تشخصان نحو مخرج الصالة:

• "قولتلهم مساعدتي ماتت، ولازم أنزل مصر في أسرع وقت."

أنهى كلماته وتابع سيره بخطى واسعة نحو الخارج. في تلك اللحظة، انفجر ماهر في نوبة ضحك هستيرية رددت صداها جدران الصالة، بينما تسمرت سارة في مكانها ووقفت تماماً عن المشي، واتسعت عيناها بصدمة مروعة، ثم صرخت في أثره دون وعي:

• "الله يخرب بيتك يا عمر! موتّني عشان تخلع؟! مالقتش غير الحجة دي؟! طب هشتغل معاهم إزاي بعد كده؟!"

هرولت سارة وخلفها ماهر الذي لم يكف عن الضحك حتى وصلا إلى عتبة المطار الخارجية. كان عمر في انتظارهما بالفعل، واقفاً بجانب سيارة سوداء فارهة تنتظر أمام الرصيف. التفت إليهما، وقال لسارة بمنتهى الهدوء والبرود:

• "اتصرفي يا سارة.. يعني أنا ماليش مساعدة غيرك؟"

ثم التفت نحو ماهر الذي ما زال يحاول السيطرة على ضحكاته، وأردف بضيق مصطنع:

• "يا كليفر.. شوف مراتك دي، أنا مش ناقص وجع دماغ!"

وكان "كليفر" هو الاسم الحركي المفضل الذي اشتهر به ماهر وسط شلة أصدقائه المقربين، لما يتمتع به من دهاء وهدوء في حل الأزمات.

قطع رنين ضحكات ماهر وصول رجل أربعيني، ذي ملامح أمينة وخبرة طويلة مرتسمة على وجهه، وهو يقترب منهم بخطى سريعة وملهوفة. اتجهت أنظار عمر إليه فوراً. سحب الرجل برفق الحقيبة الصغيرة من يد عمر، ووضعها بجواره في صندوق السيارة الخلفي، ثم التفت إليه قائلًا بلطف مفرط:

• "حمد الله على السلامة يا باشمهندس."

رد عمر بنبرة دافئة ومعتادة:

• "الله يسلمك يا نبوي."

ركب الجميع السيارة الفارهة، التي كانت مقصورة مقاعدها الخلفية واسعة ومصممة بنظام الكنبات المتقابلة التي تتيح جلسة مواجهة مريحة. جلست سارة في الكنبة المقابلة لعمر مباشرة، لتصبح عيناه في مواجهتها طوال الطريق، بينما جلس ماهر بجانبها على نفس المقعد.

أغلق نبوي الباب، وجلس خلف عجلة القيادة، ثم التفت برأسه قليلًا يسأل عمر عبر المرآة:

• "على فين يا باشمهندس؟"

أجابه عمر باقتضاب:

• "على الشركة يا نبوي."

تحركت السيارة بانسيابية شاقةً طريقها الطويل والممتد من المطار عبر المحاور الالتفافية السريعة، متجهة صوب مدينة السادس من أكتوبر. ورغم فخامة المقاعد والهدوء الذي وفره عزل السيارة، إلا أن وجه سارة ظل شاردًا تماماً، مستسلمًا لجمود غريب. كانت الصدمة من مفاجأة عمر ومزحته بموتها لا تزال تسيطر على حواسها؛ فهي من نوعية الأشخاص الذين ينقبض قلبهم من سيرة الموت، ولا يطيقون سماعها أو المزاح بها بأي شكل. حاولت سارة أن تتخلص من هذا الشعور الثقيل الذي جثم على صدرها، وقررت أن تفتح موضوعًا جديدًا تمامًا لتطرد تلك الأفكار السوداوية من رأسها.

لكن عمر اختصر عليها المسافة، ونظر إليها بتركيز غريب غيّب ملامح البرود عنه، وسألها بلهفة مكتومة:

إعلان

• "عملتي اللي قولتلك عليه؟"

نظرت إليه سارة، وحاولت استجماع قوتها الدبلوماسية المعتادة، وأجابت وهي ترجع بظهرها للوراء:

• "مش كله طبعاً.. بس قدرت أوصل لمعلومات كويسة ممكن تبني عليها حاجات كتير.. تحب تعرفها دلوقتي؟"

لم يكد السؤال يخرج من شفتيها، حتى تبدلت نظرة عمر إلى حذر شديد. رفع يده وضغط بسبابتها على فمه، مشيرًا إليها بعلامة السكوت القاطعة، وقال بنبرة خفيضة حاسمة:

• "لأ.. لما نوصل."

أطبق الصمت على المقصورة مجددًا، وتلاقت النظرات الثلاث خلف الزجاج الداكن للسيارة التي تمخر عباب الطريق نحو مدينة السادس من أكتوبر، شاحنةً الجو بانتظار ثقيل لما سيحدث داخل جدران الشركة.

تهادت السيارة الفارهة ببطء لتتوقف أخيرًا أمام مقر ضخم، واجهته الزجاجية العملاقة تعكس عنان السماء، وتعلن بهيبتها عن ثقل ومكانة تلك الإمبراطورية المعمارية. ترجل الجميع، وتقدم عمر بخطواته الحازمة المعتادة متجاوزاً البوابة الإلكترونية ليدخل إلى بهو المدخل الشاسع.

في انتظاره كانت تقف فتاة حسناء في العشرينيات من عمرها، ترتدي حُلة رسمية أنيقة وتشع حيوية. استقبلته بدفء شديد وحماسة لم تستطع إخفاءها قائلة:

• "حمد الله على السلامة يا باشمهندس.. أوضة الاجتماعات جاهزة، تحب أبلغ المديرين؟"

التفت إليها عمر، دون أن يبطئ خطواته نحو المصعد الخاص، وأجاب بنبرة قاطعة غير قابلة للنقاش:

• "لأ يا إنجي.. الغي كل الاجتماعات والمقابلات.. الاجتماع هيقتصر على المهندس ماهر والمهندسة سارة، واعتبرينا من النهارده في اجتماع مفتوح.. وأي قرار أو أوراق عاوزاها، ابعتيها على المهندس صالح."

توقفت إنجي لثوانٍ تدون الأوامر السريعة، مدركة خطورة ما يحدث؛ فإحالة الأوراق والقرارات إلى المهندس صالح تعني أن عمر ينعزل تماماً عن العالم خلف جدران مكتبه.

والمهندس صالح رجل ستيني من العمر، كان اسمه دائماً مرآة صادقة لشخصيته الحكيمة والصلبة والأمينة. هو ليس مجرد مدير في هذه الشركة، بل هو الرجل الذي انتشل عمر من حطام روحه، وأخذ بيده وعلمه كل أسرار المهنة والحياة بعد الفاجعة المروعة التي أودت بحياة عائلته كاملة في حادثة مؤلمة، هدمت عالم عمر القديم عندما لم يكن قد وصل بعد إلى العشرين ربيعاً من عمره.

انغلقت أبواب المصعد المعدنية على الثلاثة، لترتفع بهم نحو الطابق الأخير، تاركين خلفهم بهو الشركة يغلي بالتساولاًت.

انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس المصقول، ليلج عمر إلى فضاء مكتبه، ذلك المكان الذي لم يكن مجرد ساحة للعمل، بل كان بياناً بصرياً يجسد شخصيته المعقدة.

كان المكتب أشبه بمتحف مصغر تلتقي فيه الحداثة الصارمة بعراقة الماضي؛ جدار كامل من الزجاج النقي يطل على أفق مدينة السادس من أكتوبر الممتد من الأعلى وكأنه يضع المدينة تحت قدميه، بينما كُسيت الجدران الأخرى بألواح من خشب الجوز الداكن المشغول يدوياً. تتوسط الغرفة منضدة عملاقة قُطعت من قطعة واحدة من الرخام الإيطالي الأسود، تتخلله عروق ذهبية دافئة تشبه خيوط الغروب. الإضاءة كانت مدروسة بعناية، تنبعث خافتة من زوايا مخفية لترسم ظلالاً تضفي مهابة على المكان، وتنعكس على الأرضية المغطاة بسجاد تبريزي عتيق نسجت خيوطه بحرفية أسطورية. وفي الركن البعيد، كانت تقف شماعة خشبية كلاسيكية ذات انحناءات أرستقراطية بجوار لوحة زيتية تجريدية ضخمة تمثل صراع الألوان بين العتمة والضوء.

دخلت سارة ويتبعها ماهر، متوجهين نحو المقاعد الجلدية الفاخرة المواجهة للمكتب. وفي ذات اللحظة، انفتح الباب الجانبي الآخر للمكتب، ليدخل رجل ستيني من العمر، ذو بشرة أسوانية سمراء أصيلة تشع بالدفء والمهابة، ولهجة نوبية جنوبية عذبة حافظ عليها رغم سنين العاصمة. كان يرتدي بذلة سوداء كلاسيكية يقابلها قميص ناصع البياض منشّى بعناية، ويحمل في يده صينية فضية صغيرة عليها فنجان قهوة عمر المعتادة، والمحوجة بذات الطريقة التي يفضلها عند قدومه من السفر.

توجه الرجل الأسمر بخطوات واثقة ومألوفة نحو عمر، الذي كان قد وصل لتوّه خلف مكتبه الرخامي، وبدأ في خلع جاكيت بذلته ببطء ليعلقه على الشماعة المجاورة. وضع الرجل الصينية في هدوء تام، وقال بنبرته الجنوبية الحنونة:

• "حمد الله على السلامة يا باشمهندس."

التفت إليه عمر بابتسامة حقيقية لمحتها ملامحه لأول مرة منذ ركوبه الطائرة، وأجابه بامتنان:

• "الله يسلمك يا عم جعفر.. عامل إيه وإزاي صحتك؟"

هز جعفر رأسه برضا كاشفاً عن صف من الأسنان البيضاء التي تتناقض مع سمرته الساحرة:

• "كله تمام يا هندسة.. كله من خيرك."

وضع القهوة في مكانها المحدد أمام عمر بدقة، ثم التفت بوقار نحو سارة، ونظر إليها قائلًا:

• "تؤمروا بحاجة تانية؟"

أجابت سارة برقة واحترام ظاهر:

• "شكراً يا عم جعفر."

وهنا، تدخل ماهر مقاطعاً بنبرة عادية عفوية:

• "أنا عاوز نسكافيه يا عم جعفر."

التفت جعفر نحو ماهر ببطء شديد، ورمقه بنظرة سريعة، حادة وممتعضة، ثم قال له بلهجته الصارمة التي لا تقبل الجدال:

• "روح اشربها في مكتبك.. مش ناقصين وجع دماغ!"

انفجر عمر وسارة في نوبة ضحك صافية ملأت أرجاء المكتب الفخم، بينما لم يتحرك ماهر ساكناً، ولم تتبدل ملامحه؛ فقد بدا واضحاً للغاية أنه معتاد تماماً على أسلوب جعفر الجاف والساخر معه، ويعلم مكانته التي تسمح له بمثل هذا الدلال.

فـعم جعفر لم يكن مجرد موظف أو خادم في هذه الشركة؛ بل كان أحد الركائز الأساسية القلائل الذين وقفوا كحائط صد منيع بجانب عمر في محنته الكبرى بعد وفاة عائلته. أصر جعفر على عدم تركه ليلة واحدة، وساعد المهندس صالح في تربية عمر واحتوائه بعد معاناته النفسية الهائلة وتشتته إثر الحادث المروع. لقد كان خادم عائلتهم الأمين منذ سنوات طويلة، وكان يقوم بخدمة ورعاية هؤلاء الأصدقاء منذ أن كانت شلة الجامعة تضم أربعة أضلاع متساوية.. قبل أن تنفرط وتصبح ثلاثة فقط، بفقد عمر لضلعه الرابع.. سمر.

انفتح الباب الخشبي الفخم لمكتب عمر فجأة دونما أي استئذان مسبق، ولم يكن هناك في هذه الإمبراطورية برمتها من يملك حق تخطي السكرتارية والولوغ هكذا عنوة سوى رجل واحد فقط؛ المهندس صالح.

انتفض الثلاثة، عمر وسارة وماهر، واقفين فجأة في تلاحم متناسق فرضته هيبة الحضور والأدب المترسخ في نفوسهم احتراماً لدخوله. اتجه إليه عمر مباشرة، متجاوزاً مكتبه الرخامي الأسود، وبأدب جم ينطق بوقار الابن نحو أبيه، ألقى بنفسه في حضن صالح المستقر. طالت الضمة لثوانٍ حملت في طياتها حنان السنين الماضية وعمق الوجع المشترك، وبعد الانتهاء من تبادل السلام، تراجع صالح خطوة إلى الوراء، وعيناه الستينيتان الحادتان تدوران بين الوجوه الثلاثة بتفحص وقلق لم يستطع إخفاءه، ثم وجه حديثه لعمر بنبرة حازمة:

• "فيه إيه يا عمر؟ إيه اللي إنجي قالته ده؟ ليه حولت عليا الإدارة كلها بالشكل المفاجئ ده؟ إيه اللي حصل.. وليه واخد سارة وماهر معاك في العزل ده؟"

حاول عمر تلطيف الأجواء، ورسم ابتسامة هادئة على ملامحه وهو يجيب بنبرة مطمئنّة:

• "مافيش حاجة يا عمو صالح ما تقلقش.. فيه مشروع جديد بندرسه إحنا الثلاثة، وهيأخذ كل وقتنا الفترة الجاية.. الشركة في أمانتك زي ما كانت طول عمرها."

لم يقتنع صالح تماماً، وبقيت غيمة من الشك تظلل وجهه الحكيم، وتنهد بعمق وهو ينظر في عيني عمر قائلًا:

• "يعني خير يا عمر؟ أنا قلقت أحسن تكون هترجع لمواضيعك القديمة.. إحنا ما صدقنا ترجع لعقلك وتلتفت لشغلك وحياتك."

اضطربت نظرة عمر لكسر من الثانية قبل أن يستعيد ثباته الأرستقراطي، وأكد له بنبرة قاطعة:

• "ما تقلقش خالص يا عمو صالح.. الأمور كلها على ما يرام."

أومأ صالح برأسه ببطء، ونظر إلى الجميع نظرة أبوية حانية أودعهم فيها:

• "طيب يا ولاد.. ربنا معاكم.. أسيبكم لشغلكم."

استدار صالح، وخرج من المكتب بذات المهابة التي دخل بها، وظل الكل يتابع خطواته بوجوه صامتة وعيون شاخصة حتى انغلق الباب خلفه تماماً. ومع تكة قفل الباب الأخيرة، بدا وكأن عمر قد تحلل مؤقتاً من كل مهامه الثقيلة وأعباء شركته الضخمة، واضعاً إياها وراء ظهره، حتى يتفرغ بالكامل لإدارة أحداث حدوته القديمة المتجددة.. تلك الحدوتة التي ظن لسنوات أنها انتهت، ليكتشف الآن أنها لم تبدأ بعد.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق