كانت تلك الضاحية النائية من مدينة السادس من أكتوبر أشبه بقطعة مقتطعة من الفردوس؛ ملاذاً بكراً لم تلوثه بعد مخالب المدنية الصاخبة، وأرضاً وادعة لا زالت أسراب الطيور المغردة متمسكة بأشجارها، تملأ فضاءها برنين الحياة الهادئ الذي لم يهجر المكان بعد.
في ركن منزوٍ من تلك الضاحية، كانت تقف فيلا صغيرة من طابقين، بتصميم معماري دافئ يجمع بين الحجر الطبيعي والقرميد الإيطالي الأحمر، يحيط بها سور شجري من الياسمين البري الذي يفوح شذاه مع النسمات. كانت الفيلا تبدو بحجمها وهندستها العائلية كعش دافئ، صُمم خصيصاً ليحتضن عائلة صغيرة متماسكة: أب، وأم، وابن في مقتبل شبابه، وطفلة صغيرة تمتلئ الدنيا بهجة بضحكاتها.
كان ذلك في عصر يوم ربيعي متخم بالدفء؛ خيوط الشمس الذهبية تترقرق فوق عشب الحديقة الأخضر الناعم. كان الأب يجلس مسترخياً على مقعد خشبي أبيض، غارقاً بكليته ومنهمكاً في قراءة صحف المساء، يرتدي نظارته الطبية ويقلب الصفحات بوقار هادئ. وبجواره تماماً، كانت تجلس الأم، بملامحها الحنونة التي يرتسم عليها رضاء السنين؛ كانت منهمكة بعناية فائقة في إعداد فنجان قهوة على ماكينة "الكانون".. هكذا كان يحبها الأب دائماً، محوّجة برائحة الهيل التي تختلط بعبق الياسمين في الحديقة.
كان المشهد يفيض بسكينة مطلقة، كلوحة زيتية لا يجرؤ أحد على خدشها.
وفجأة، شق فضاء السكون صراخ طفولي حاد، صراخ يحمل فزعاً حقيقياً ومباغتاً. كانت الطفلة تجري نحو أمها بأقصى سرعتها، حافية القدمين، وفستانها الربيعي المزركش يتطاير خلفها وهي تصرخ برعب:
• "الحقيني يا ماما!.. الحقيني يا ماما!"
انتفض الأب من وراء صحفه، وتوقفت يد الأم معلقة في الهواء فوق ماكينة الكانون، وارتسم القلق فوراً على ملامحها وهي تفتح ذراعيها لاستقبال الصغيرة قائلة بهلع:
• "فيه إيه يا مروة؟! في إيه يا حبيبتي؟!"
وصلت مروة وارتمت في حضن أمها، دافنة وجهها الصغير في ثنايا ثوبها، وهي ترتجف كعصفور بلله المطر وتحتمي بها من المجهول.
وعلى بعد خطوات قليلة خلفها، ظهر عمر.. كان فتى في أول شبابه، لكن وجهه في تلك اللحظة كان خالياً تماماً من حيوية السن؛ كانت ملامحه الوسيمة متشحة بعلامات خوف مرعب وهلع حاد، شفتان شاحبتان، وعينان متسعتان بذهول. تقدم نحو والديه بخطى متعثرة وكأن الأرض تميد من تحته، وحين حاول النطق، لم تخرج من جوفه سوى كلمات متلعثمة، مقطوعة، ومبهمة، تداخلت فيها الحروف ببعضها البعض، فلم يفهم منها أحد من والديه شيئاً، سوى أن كارثة ما قد وقعت خلف أسوار ذلك الفردوس الهادئ.
• "أقول يا عمر؟!"
هكذا انطلق صوت مروة بلهجة تحمل تهديداً طفولياً مبطناً بالخبث والمكر، وهي تلتصق بثوب أمها. التفت إليها عمر سريعاً، محاولاً السيطرة على ملامح الهلع التي كست وجهه، وهمس بنبرة حادة مكتومة:
• "اسكتي يا مروة أحسن هوريكي!"
تظاهر الأب بعدم الانتباه، ورجع بظهره إلى جلسته الأولى ورفع الصحيفة أمام وجهه، عائداً ليتصفح جرائده.. أو هكذا كان يبدو للطفلين. كانت عيناه مثبتتين على السطور، لكنه في الحقيقة كان يصوب نظراته من فوق حافة الجريدة نحو عمر، يراقب كل حركة وسكنة دون أن يدرك الصبي أنه تحت المراقبة اللصيقة. كان الأب يستمع بكل جوارحه إلى الحديث المتبادل، مستمتعاً ببراعة طفليه اللذين ظنا أنه غافل تماماً عما يدور بينهما.
كررت الأم سؤالها بنبرة يملؤها نفاد الصبر وهي تهز كتف الصغيرة برفق:
• "فيه إيه يا مروة؟ انطقي يا بنتي في إيه؟"
هنا، التفتت مروة ووجهت نظرتها مباشرة نحو عمر، ورفع حاجبيها الصغيرين في صيغة تحذير وتحدٍّ سافر:
• "ها يا عمر؟ أقول؟"
أدرك عمر في تلك اللحظة أن أمره سوف يُفضح بلا محالة، وأن دروعه الدفاعية قد انهارت أمام مكر شقيقته الصغرى. وفي محاولة مستميتة لإنقاذ الموقف، أدخل يده في جيب بنطاله، وبحركة سريعة خفية أخرج قطعة الحلوى الفاخرة والمفضلة جداً لقلب مروة. نظرت مروة إلى قطعة الحلوى، ثم تصاعدت في عينيها نظرة انتصار وتعبير جلي عن ضعف المقابل الذي يقف أمامها مستسلماً. بدأ عمر يفكر سريعاً في زيادة المقايضة ورفع قيمة الفدية حتى لا ينكشف أمره، وظلت مروة تقايضه بلغة الإشارة وتحريك حاجبيها، مصممة على الخروج بأعلى فائدة ممكنة من هذه الفرصة الذهبية التي لا تتكرر؛ فعمر كان شاباً مطيعاً، قليل الخطأ، وقريباً جداً من أبيه، ولذلك فإن إمساكه متلبساً بخطأ ما هو حدث نادر صعب التكرار.
أمام هذا الحصار الطفولي الذكي، قرر عمر المقايضة بكل ما يملك في تلك اللحظة، وقال لها بصوت هادئ ومنخفض خطفاً:
• "خدي دي يا مروة.. واخرسي!"
حركت مروة رأسها برفض دلالي ساخر، وهمست:
• "لسه كتير يا عم الحبوب.. أنا ما صدقت أقفشك!"
• "خديها.. ومعاها مصروفي بتاع بكره كمان!" قالها عمر بيأس.
لمعت عينا مروة بالجشع الطفولي، وتابعت شروطها بابتسامة خبيثة:
• "وساندوتش السكلنس اللي مردتش تديني منه حتة النهارده، واديته لكليفر!"
كاد عمر أن يفقد صوابه، ورد محتجاً بهمس:
• "طب خدي حتة منه.. أنتِ عارفة إني مش باكل غيره!"
قاطعت مروة تذمره بحسم وهي تشير برأسها نحو أبيها:
• "كله يا عمر.. أنجز!"
• "ماشي يا مروة.. مسيرك هتقعي في إيدي، وساعتها مش هرحمك!" قالها عمر بوعيد مكتوم.
ردت مروة بثقة مطلقة تملكها الصغار:
• "ساعتها هتحايل عليك وهتسامحني زي كل مرة."
• "طب أنجزي وخرّجينا من الموقف ده!" قالها عمر بنفاذ صبر.
• "خلاص اتفقنا.. ديل؟"
• "ديل!"
يقطع هذه التمتمة الهامسة والمفاوضات السرية صوت الأم، التي صرخت فجأة بنبرة حاسمة قطعت حبل الاتفاق:
• "ما تقولي يا مروة فيه إيه اخلصي؟!"
تنحنحت مروة، ونظرت إلى أمها ببراءة مصطنعة أتقنتها تماماً بعد أن ضمنت شروط الصفقة، وقالت:
• "عمر يا ماما.. دخلت مكتب بابا لقيتو قاعد على مكتبه، وماسك قلم، وقاعد عامل نفسه بيشرب سجاير وبيقلد بابا!"
مع خروج الكلمات من شفتي مروة، بدأ وجه عمر يرتاح وتعود ملامحه إلى طبيعتها رويداً رويداً. ورغم علمه المسبق بشجب أمه الشديد لهذا السلوك، وتحمله الكامل لتبعات فقدان مصروف الغد وقطعة حلوته الثمينة، وساندوتش السكلنس المفضل لديه، إلا أن كل هذا كان يهون تماماً في نظره مقابل عدم فضح أمره الحقيقي، والسر الكبير الذي كان يخبئه عن أعين والديه في ذلك العصر الربيعي الهادئ.
التفتت الأم فوراً نحو الأب، ووجهها يحمل مزيجاً من العتاب والقلق، وقالت بنبرة حاسمة:
• "شوفت يا صلاح؟ قولتلك مية مرة بلاش شرب سجاير.. أهو عمر بدأ يقلدك!"
كان الأب، المهندس صلاح، يعلم تماماً بذكائه وخبرته أن هذه الرواية ليست الحقيقة الكاملة، وأن هناك شيئاً ما غامضاً يدور في نفس عمر وعقد بسببه تلك الصفقة السرية مع شقيقته. لكنه، حرصاً منه على احتواء الموقف وعدم إحراج ابنه في العلن، قرر إنهاء الأمر عند هذا الحد. خفض صلاح الجريدة قليلًا، وصوب نظرة ذات مغزى نحو عمر، وقال بنبرة هادئة ورزينة:
• "عمر.. بلاش تعمل كده تاني، ولو عرفت إنك عملت كده هعاقبك."
أومأ عمر برأسه لأسفل في صمت مستسلماً، بينما أشار إليه الأب بيده بعلامة الانصراف.
استدار الطفلان وعادوا من حيث أتوا نحو ردهة الفيلا الداخلية؛ مروة كانت تسير بخطوات راقصة وفي حالة انتصار طفولي ساحق، بينما كان عمر يجر قدميه وهو يحاول التقاط أنفاسه التي حبستها الدقائق الماضية. التفت إليها عمر بمجرد ابتعادهما عن أعين والديهما، وقال بغيظ مكتوم:
• "ماشي يا مروة.. أنا عمري ما هقولك حاجة تانية خالص!"
لوت مروة شفتيها بابتسامة ثقة لعوب، وردت بنبرة دلالية ساخرة:
• "هتقول.. هتقول، هو أنت ليك حد غير أختك حبيبتك؟ بقولك إيه.. هو ينفع تديني مصروفك بتاع بعد بكره كمان عشان عاوزة أجيب حاجة؟"
عند هذه الجملة، فاض به الكيل؛ فدفعها عمر برفق ممتزج بالضيق، واندفع نحو غرفته، ثم أغلق الباب وراءه بقوة وجلس وهو في حالة غيظ شديد، يغلي صدره من مكر شقيقته الصغرى التي جردته من كل مدخراته ومأكولاته المفضلة في غمضة عين.
ظل عمر مكتظاً من الغيظ، يجلس على طرف سريره الصغير محتضناً وسادته بملء ذراعيه، ومصوباً عينيه الشاردتين نحو سقف غرفته الأبيض. كانت الأفكار تتسارع وتتلاطم في عقله الفتيّ كأمواج هائجة؛ ولم يكن يعلم على وجه الدقة سبب هذا الضيق الخانق الذي جثم على صدره. هل كان منبع ضيقه هو الخوف من أن سره كان قاب قوسين أو أدنى من الفضيحة أمام أبيه؟ أم أن سبب الضيق الحقيقي والأعمق هو شعوره بالذنب لامتلاكه سراً أخفاه عنه؟
كان والده المهندس صلاح هو صديقه الأول والأقرب؛ لم يعتد عمر طوال سنين عمره، حتى في طفولته المبكرة، أن يخفي عنه شيئاً. كان يركض إليه دائماً حاملاً مشاكله الصغيرة وخطاياه البريئة عندما يخاف من ردة فعل أمه الصارمة، فيذهب إلى أبيه لكي يجد له مخرجاً وحلاً ذكياً يمر به من عقاب أمه الصارم.
بينما كانت تلك الأفكار تعبث برأسه، قطع حبل التأمل طرقات هادئة ومتزنة على الباب. صرخ عمر بنبرة حادة غاضبة وهو يظنها شقيقته مروة:
• "امشي يا مروة.. مش عاوز أكلمك دلوقتي!"
لكن الصوت الذي جاء من خلف الخشب كان عميقاً، حنوناً، ومألوفاً:
• "أنا بابا يا عمر.. ممكن تفتح نتكلم شوية؟"
هبّ عمر واقفاً في توتر، وجرى بخطوات سريعة ليفتح الباب لأبيه. دخل الأب بوقاره المعتاد، وتوجه نحو السرير ليجلس على طرفه، بينما ظل عمر واقفاً أمامه وعلامات القلق والوجل تعلو جبينه. نظر إليه صلاح بعينين تملأهما المحبة والأبوة وقال:
• "قولي بقى يا عمر.. أخبارك إيه؟ وعامل إيه في المزيكا.. عرفت تلعب على الجيتار اللي جبتهولك؟"
تنفس عمر الصعداء قليلًا وأجاب متمتماً:
• "بحاول لسه يا بابا.."
• "والنادي أخباره إيه؟ وكليفر عامل إيه معاك؟" تابع صلاح الحديث بنبرة ودودة.
• "كله تمام يا بابا."
كان صلاح يحاول بذكاء وصبر فتح حوار ممتد مع ابنه حتى يطمئن له الأخير، ويسكب ما في جعبته من أسرار. كان يقتنص ببراعته المعهودة أي طرف خيط ليعلم إن كان عمر يسير على المسار الصحيح في حياته أم أنه بحاجة إلى نصح وتوجيه. وبعفوية مصطنعة، رمى سؤاله المحوري:
• "قولي يا عمر.. عرفت أصحاب جديدة؟"
عند هذه الجملة، تبدلت ملامح عمر تماماً واجتاحه توتر ملحوظ. بدأ قلبه يدق بعنف، ودارت في عقله تساولاًت مرعبة: "هل علم أبي شيئاً؟ هل أخبره بما حدث؟ وماذا لو منعني وعاقبني؟ ما الذي يمكنني فعله حينها؟". سكت عمر تماماً، ولم ينطق بحرف واحد.
لاحظ صلاح تيبس ابنه وصمته، لكنه بذكائه لم يحاول الضغط عليه أو انتزاع الإجابة عنوة. قام من على السرير، وبدأ يسير بهدوء في أرجاء الغرفة، مستطلعاً الصور والملصقات (البوسترات) المعلقة على الجدران. كانت الغرفة تعج بملصقات نجوم الغناء البارزين في ذلك الوقت؛ عمرو دياب بطلته الجذابة، ومحمد فؤاد بصوته الهادئ، ومحمد محيي بنبرته الشجية. أخذ صلاح يتفحص تلك الصور باهتمام، بينما كانت طرف عينه ترقب عمر، الذي ما زال واقفاً في مكانه، يداه بجانبه في تيبس تام، كأنه طالب مذنب يقف عند غرفة مديرة المدرسة بانتظار صدور العقاب.
قطع صلاح هذا الصمت الثقيل، والتفت مبتسماً لعمر قائلًا:
• "أيامنا إحنا.. كانت الصور دي لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش.. عارف يا عمر، أم كلثوم دي كانت ممكن تغني كذا ساعة مرة واحدة وهي واقفة على المسرح!"
اتسعت عيناه بذهول طفولي، وكسر صمته متسائلاً:
• "كذا ساعة يا بابا؟! ده أكبر أغنية سمعتها كانت 5 دقائق وزهقت!"
ضحك صلاح بخفة ورد بحنين:
• "لأ يا عمر.. إحنا مكنّاش بنزهق منها أبداً.. عارف ليه؟"
• "ليه يا بابا؟"
بدأ الحديث يأخذ منحى آخر تماماً؛ إذ تخلص عمر من تيبسه وجلس بجوار أبيه، مستمعاً إليه بكل جوارحه، وكان هذا هو غرض صلاح الأساسي من البداية: كسر جدار الخوف والوجل الذي أحسه في نبرة ابنه وجسده.
تابع صلاح قائلًا بوقار:
• "عشان كانت كلمات أغانيهم وألحانها بتقول اللي جوانا.."
التفت عمر بكليته نحو أبيه، وسأله بنبرة بريئة ومستكشفة:
• "وإيه اللي كان جواكم يا بابا؟"
لمعت عينا صلاح بذكاء مباغت، واقتنص الفرصة قائلًا بابتسامة دافئة:
• "لما تقولي أنت اللي جواك.. هبقى أقولك اللي جوايا!"
تسمرت الكلمات في حلق عمر، وأدرك في تلك اللحظة أن أباه قد استدرجه ببراعة فائقة نحو فخ الاعتراف. نظر إلى الأرض برهة، ثم رفع عينيه المليئتين بالتردد نحو أبيه، وقال بصوت خفيض مهتز:
• "أنا كنت هقولك يا بابا.. بس خايف.."
وضع صلاح يده على كتف ابنه، وضغط عليها برفق مطمئن:
• "ما تخافش يا حبيبي.. قولي وأنا مش هعمل حاجة."
أخذ عمر نفساً عميقاً، وباح بالسر الكبير الذي كلفه مصروفه وحلوته وساندوتشه المفضل:
• "أنا.. أنا بحب واحدة اتعرفت عليها.. اسمها سمر. ودخلت المكتب بتاع حضرتك عشان أكلمها في التليفون، ومروة سمعتني بكلمها وقالتلي قولي ومش هقول لحد.. وقولتلها! ولما قولتلها جريت على ماما عشان تفتن عليا!"
ابتسم صلاح ابتسامة دافئة واسعة، وربت على فخذ ابنه برفق أزال كل تشنج متبقٍ في جسد عمر، ثم قال بنبرة يملؤها الفخر والود:
• "سمر... اسمها جميل يا عمر. ومادام دخلت مكتب أبوك وضحيت بمصروفك وسندوتشك عشانها، يبقى الموضوع كبير!"
تنهد عمر بارتياح، ولمعت عيناه الشابتان ببريق الشغف وهو يتابع بحماسة انطلقت من أسرها:
• "كبير أوي يا بابا.. سمر مش زي أي حد عرفته، ذكية وجميلة، ولما بتتكلم بحس إن الدنيا كلها سكتت عشان تسمعها. إحنا بنتقابل في النادي مع كليفر، وهي كمان في شلتنا، بس أنا..."
سكت عمر فجأة، وتراجعت حماسته ليحل محلها ارتباك خفيف وهو ينظر إلى والده متوجسًا من فكرة الرفض، لكن المهندس صلاح قاطعه بنبرة رصينة صاغت فلسفته الأبوية:
• "ما تخافش يا عمر، أنا مش همنعك، ولا هقول لوالدتك.. الحب مش عيب يا حبيبي، الحب هو اللي بيخلينا نتحمل الصعب في الدنيا دي. بس أنا عاوزك تفتكر حاجة واحدة وتخليها حلقة في ودنك طول ما أنت عايش."
• "إيه هي يا بابا؟" سأل عمر بلهفة.
صوب صلاح عيون خبرة الحياة وتقلباتها نحو ابنه، وقال بجدية شديدة:
• "الراجل الحقيقي لما بيحب، بيصون، ولما بياخد قرار بيتحمل نتيجته للآخر. الحب مش مجرد تليفونات في السر ومقايضة مع مروة.. الحب يعني راجل بيحارب عشان البنت اللي اختارها تكون حبيبته في النور وتبقى فخورة بحبه قدام الدنيا كلها. سمر دي لو كانت هي نصيبك، لازم تحافظ عليها كأنها قطة سيامي نادرة، وما تسمحش لأي ظرف في الدنيا إنه يسرقها منك وتعمل المستحيل عشان تبقى معاها وتصونها وتحافظ عليها وما تسمحش لأي خدش ممكن يجرحها، حتى لو كلفك أغلى حاجة في حياتك، فاهم؟"
أومأ عمر برأسه ببطء، واستقرّت كلمات أبيه في أعماق روحه كعقيدة وشفرة حياة، وقال بثقة فتى يظن أن القدر طوع بنانه:
• "فاهم يا بابا.. وأنا هحارب عشانها، ومش هسيبها أبداً وهعمل كل حاجة عشان تبقى فخورة بيا."
مال صلاح بجسده أكثر نحو عمر، وانخفضت نبرة صوته المترعة بالخبرة إلى همس يحمل طابع الوصية السرية، وأردف قائلًا:
• "وحاجة تانية يا عمر.. لازم تعرف إن سرك محدش يعرفه إلا أنت. ولو أُجبرت في يوم إنك تقوله، ما تقولوش كله.. قول بس اللي أنت عاوزه، وخلي المهم ليك أنت لوحدك."
انعقد حاجب أول الشباب على ملامح عمر، وسأل بذهول طفولي بريء:
• "حتى على كليفر يا بابا؟"
ابتسم صلاح ابتسامة غامضة، وهز رأسه مؤكداً وهو يمسح على رأس ابنه:
• "حتى على كليفر يا حبيبي.. سرك ميخرجش بره نفسك."
لم يكن يعلم عمر، وهو ينطق تلك الكلمات الواثقة ويستمع لوصية أبيه في غرفته الدافئة، أن القدر كان يخبئ له خلف أسوار هذا الفردوس عاصفة سوداء ستقتلع عائلته كاملة في حادث مروع بعد سنوات قليلة. ولم يكن يدرك أن "سمر" ذاتها ستختفي في بعد ضباب ذلك الحادث لتبدأ رحلة ضياع وبحث مضنٍ تستمر ستة عشر عاماً، معيداً صدى كلمات والده الراحل في كل خطوة: "ما تسمحش لأي ظرف في الدنيا إنه يسرقها منك". ومتمسكاً بالشق الثاني من الوصية الذي جعله بئراً مغلقاً على أسراره حتى عن أقرب الناس إليه.
في هذه اللحظة، وتزامناً مع تذكر عمر لتلك النبوءة القديمة التي تحققت بكل قسوتها، تداخلت الأصوات وتلاشى الشفق الربيعي تماماً من مخيلته، وانقطع حبل الفلاش باك بغتة ليعود وعيه مرغماً إلى أرض الواقع الصارم.
💬 التعليقات