...ولو بعد حين

الفصل 1

الفصل الأول: بندول الذاكرة والرحيل المباغت

1,539 كلمة · 8 دقيقة للقراءة

إعلان

كان ذلك الركن المنزوي من حديقة النادي الاجتماعي الراقي يلوذ بصمت أرستقراطي حذر، صمت غامض يحبس في ظاهره نهاية وفي باطنه بداية لأحداث عاصفة. صمت أشبه بفتيل خفي ينتظر شرارة واحدة لتبدأ معها نفير معركة حامية مرتقبة، ليعلن معها تحرك القطع فجأة لقلب كل الموازين.

كانت تجلس هناك، كتمثال رخامي نُحت بعناية فائقة ليجسد الكبرياء والغموض معًا. بملامحها الثلاثينية الباردة وأناقتها الكلاسيكية التي تنضح برقيٍّ مصفى لا يتبجح بالثراء، كانت تنفصل تماماً عن محيطها. ترتدي فستاناً بسيطاً وناعماً، وتضع على عينيها نظارة شمسية سوداء فاخرة، تحولت مع ميل قرص الشمس نحو المغيب إلى مرآة مصقولة تعكس أشعة الشفق البرتقالية والذهبية الحادة. عيناها كانتا محجوبتين تماماً خلف ذلك الزجاج الداكن، لكن اتجاه رأسها المرفوع بكبرياء كان صارماً، مثبتاً نحو هدف واحد لا تحيد عنه: منضدة خشبية أخرى تقع على بعد أمتار في الجانب المقابل.

لم يكن يقطع هذا السكون المطبق سوى زقزقة خافتة لطيور تحلق عائدة إلى أعشاشها فوق الأشجار البعيدة، يتناغم معها إيقاع وحيد، آلي ورتيب، يصدر من أصابع يدها اليمنى المسترخية على سطح الطاولة. بأظافرها الطويلة والمصقولة بعناية، كانت تطرق الخشب بنبضات بطيئة ومتواصلة: (طق... طق... طق...)، كبندول ساعة أثرية تعد الثواني في غرفة مهجورة. تتصلب ملامحها الأنيقة أكثر كلما توارى قرص الشمس، محتفظة بوقارها الصارم دون أن تبدي أي تعبير.

فجأة، تسببت خطوات حازمة وسريعة تقترب عبر الممر العشبي في تبديد زقزقة الطيور. دخل عمر المشهد مقتحماً هذا السكون، كانت خطواته الواسعة والمتوترة تكشف عن رغبة عارمة في الوصول، ملامحه الرجولية الحادة والوسيمة يطغى عليها ذهول حقيقي وارتباك تام. كان يرتدي قميصاً صيفياً أنيقاً، ويلهث قريباً من الطاولة، مستحضراً في ذهنه نبرة صوتها المذعورة والقاطعة في الهاتف قبل دقائق معدودة حين قالت له: "تعال بسرعة.. محتاجاك دلوقتي ضروري".

رغم وقوفه المباشر وحضوره القلق، لم تتحرك ميليمترًا واحدًا. ظلت في وضعيتها الثابتة كأن عمر مجرد طيف غير مرئي، ولم تبطئ إيقاع نقر أظافرها الرتيب. سحب عمر الكرسي المقابل لها بقوة واندفاع، وجلس في مواجهة وجهها المتصلب، محاولاً اختراق النظارة السوداء بعينيه، وقال بنبرة لاهثة يملأها التعجب والضيق المكتوم:

• "فيه إيه يا سارة؟ ليه جايباني على ملا وشي؟ كلمتيني قولتِ لي تعالي بسرعة ومحتاجاك ضروري.. وأنتِ قاعدة كده ولا كأنك شايفاني! فهميني في إيه؟!"

استمعت سارة لكلماته بثبات، واستمرت طرقات أظافرها لثوانٍ معدودة قبل أن تنقطع فجأة، مخلّفة صمتاً عميقاً. ببطء شديد وبانسيابية مفرطة، رفعت يدها وخلعت نظارتها الشمسية السوداء بلطف. ظهرت عيناها الواسعتان بنظرة ساكنة وعميقة، خالية من أي ارتباك. التفتت بوجهها نحوه، ونظرت مباشرة في عينيه المأخوذتين بالمفاجأة، وفي قمة الهدوء والسكينة، نطقت بصوت منخفض ونبرة جادة تماماً:

• "وحشتني".

تراجع عمر بجسده إلى الخلف قليلًا، واتسعت عيناه برفض وصدمة سرعان ما تحولا إلى انزعاج عارم وغضب مكتوم، وانفجر بصوت حاد محاولاً السيطرة على نبرته:

• "أنتِ بتهرجي يا سارة؟! أنا عندي طيارة كمان كام ساعة، وسايب ورايا ألف حاجة وجايباني على ملا وشي علشان تهزري الهزار ده؟! وبعدين ما تحترمي نفسك.. أنتِ مرات صاحبي! ثم وحشتك إيه؟ ما أنتِ في وشي طول النهار والليل!"

لم تتلق سارة هجومه الحاد على سبيل القسوة؛ بل كان غضبه هو الوقود الذي تنتظره لتستمر في مناورتها الثعلبية. وضعت نظارتها على الطاولة، وشبكت أصابعها متقدمة بجسدها قليلًا نحو الأمام، وقالت بنبرة هادئة ومستفزة تحمل بريق مزاح مبطن وجاد في آن واحد:

• "مرات صاحبك؟ ما أنت اللي جوزتهولي! وبعدين يا أستاذ نهار وليل إيه اللي مع بعض فيه؟ إحنا مع بعض الصبح بس.. أنت ياعيني قاعد لوحدك طول الليل، ولا لاقي واحدة تتجوزها ولا حتى قصة عدلة تعيش فيها!"

انفجر الغضب في عيني عمر فوراً، وحل محله ثقل مفاجئ، وأخذ نفسًا عميقًا ومكتومًا كمن استسلم لذكرى آلمته طويلاً، مدركاً أن سارة تعلم الدوافع الحقيقية وراء كل هذا. رجع بظهره إلى الخلف مستنداً إلى مسند الكرسي الخشبي، والتفت بوجهه بعيداً عنها شارداً في عتمة النادي، كأنه يتحسر على شيء مضى، وقال بصوت خفيض محمل بالشجن والحسرة:

• "أنتِ عارفة كل حاجة.. وبعدين خلاص يا سارة.. فكرة الجواز أنا شلتها من دماغي نهائي".

مالت سارة بجسدها قليلًا نحو المنضدة، ومستمرة في ذات النبرة الباردة الجادة، سألته:

• "يعني خلاص الحدوتة القديمة خلصت مش هتفكر فيها تاني؟ يعني خلاص اعترفت إن كل ده كان هلوسة وجنون منك؟ يعني خلاص رجعت لعقلك؟"

تحرك رأس عمر بحركة خفيفة دون أن ينظر إليها، وأطلق زفيراً حاراً ينم عن تعب روحي طويل مستسلماً:

• "أيوه خلاص.. شكلها كانت كده زي ما بتقولي.. أنا تعبت خلاص وأخدت القرار".

نظرت إليه سارة لثوانٍ، وتحولت نظرتها فجأة إلى حدة صارمة. أشارت بسبابتها ببطء شديد نحو الفراغ الذي يقع خلف كتفه، وقالت بنبرة حاسمة:

• "حتى لو البنت اللي قاعدة وراك دي؟"

تصلبت نظرة عمر فورًا، وانتفض جسده المسترخي بينما اتسعت عيناه بصدمة مباغتة. وببطء شديد بدأ يلف رأسه وجسده نحو المنضدة الخلفية. تلاشت الأصوات الأخرى من حوله، وتحركت رأسه ببطء وهو يلتفت فجأة ليعيد بهدوء والتفاتة واحدة شريط تلك الحدوتة القديمة التي ظن أنها انتهت، والآن يكتشف أنها لم تبدأ بعد.

تستغرق الالتفاتة ثوانٍ طويلة وهو ينظر إلى المنضدة الخلفية. يتأمل ملامح البنت الجالسة هناك، وكأنه يرى طيفًا عائدًا من الموت. تتسع عيناه، وتتحرك ملامح وجهه الوسيم بحالة من الذهول المطلق الذي يتحول تدريجيًا إلى ومضة فرح عارمة لم تظهر على وجهه منذ سنوات.

إعلان

عاد عمر بوجهه سريعاً نحو سارة، وانحنى فوق المنضدة ليصبح قريباً من وجهها، وعيناه تلمعان ببريق لا يصدق. لم يعد قادراً على كتمان جيش المشاعر الذي انفجر داخله، فوجه انفعالاته الصاخبة إليها بصوت مكتوم، هامس وحاد:

• "دي هي يا سارة! هي والله العظيم! أنا لقيتها.. يعني مكنش هلوسة! يعني أنا مش مجنون! يعني كانت حوايا طول الفترة دي وأنا مش واخد بالي! أنتِ كنتِ عارفة.. عشان كده جبتيني هنا! أنا مش مجنون يا سارة.. الحدوتة مخلصتش.. هي موجودة فعلاً وكانت قريبة مني!"

تلعثمت الكلمات بين شفتيه وتاهت حروفها ولم يجد ما يقول ولم يعلم ماذا يفعل، ثم استدرك قائلاً:

• "وبعدين؟ المفروض دلوقتي أعمل إيه؟"

نظرت إليه سارة ببرودها الأنيق، ورفعت حاجبها قائلة بابتسامة هادئة ساخرة:

• "أنا برضه اللي هقول لعمر يعمل إيه؟"

• "مش عارف.. مش عارف أعمل إيه دلوقتي! طول عمري بحلم باللحظة دي، طول عمري مستنيها، كنت محضر كلام كتير أقولهولها، كنت عاوز أحكيلها حاجات كتير.. نسيت كل حاجة مش فاكر ولا حاجة!" ثم سكت برهة وهو ينظر إليها واستدرك قائلاً: "أنا لازم أروح أكلمها!" قالها عمر بيأس واضطراب.

ردت سارة بنبرة حاسمة وجادة:

• "أكيد طبعاً.. بس افتكر ميعاد الطيارة، قدامك 5 دقائق بس.. الجماعة الألمان مبيهزروش في المواعيد!"

تنفس عمر بعمق، وابتلع ريقه وهو ينظر نحو المنضدة الخلفية، ثم عاد بنظره إلى سارة بنظرة قاطعة تعلن استسلامه الكامل لهذا القدَر:

• "تمام يا سارة.. أنا هروح أكلمها".

وقف عمر من على كرسيه ببطء، وفي تلك اللحظة بدا كأن الأرض تهتز من تحته، وكأن كل خطوة يخطوها تزن أطنانًا من الذكريات. كان يتحرك بخطوات ثقيلة يمتزج بها فرح عارم وشغف جارف، وتمر أمامه ستة عشر عاماً كاملة من البحث والانتظار والشك في قواه العقلية، مسافة تختزلها المسافة القصيرة بين المنضدتين، حيث يلتفت لتكشف تفاصيل ذلك الوجه الذي طال البحث عنه.

كانت فتاة تبلغ من العمر حوالي أربع وعشرين عاماً، غادة بارعة الجمال، بشرتها خمرية ساحرة مائلة إلى البياض، تتشرب ضوء النادي الخافت ببريق أخاذ. ينسدل شعرها البني، الذي تتخلله خيوط واهية من اصفرار شمس قديمة، في موجات متناغمة وناعمة كشلال حريري يغطي أغلب كتفيها. يبرز وجهها بجبين صغير متناسق، ينتهي بحاجبين عريضين كثيفين يتلامس طرفاهما السفليان مع جفون صلبة، كأنهما يغلقان بصعوبة من فرط قوتهما، ليوجهان الأنظار مباشرة نحو عينيها.. عينين تجمعت فيهما جميع الألوان وأكثر، تسبحان في عمق لون سماوي فاتح كأن من ينظر إليهما يغوص في أعماق بحار لا قرار لها. وكان أنفها الصغير الدقيق يلتقي مع شفتيها المرسومتين بعناية ليكتملا معاً في لوحة فنية أبدعها الخالق، يصعب على من يراها ولو لمرة واحدة أن ينساها طوال حياته.

كانت الفتاة مستغرقة تماماً في قراءة كتاب بين يديها، واضعة سماعة صغيرة في أذنها تعزلها عن العالم. وقف عمر أمام منضدتها مباشرة، تأمل تفاصيل وجهها لثانية، ثم انحنى قليلًا وقال بصوت واضح وحاسم:

• "مساء الخير.. تسمحيلي أقعد؟"

رفعت الفتاة رأسها ببطء، ونزعت السماعة بحركة تلقائية تنظر إليه في حيرة وتسال، محاولة استيعاب هذا الغريب الوسيم. ولم ينتظر عمر سماع الرد؛ سحب الكرسي المقابل لها بجرأة مباغتة وجلس، لتسقط الفتاة في حالة من الذهول المطلق والصدمة من تصرفه المندفع. نظر عمر في عينيها السماويتين وقال بسرعة وجدية شديدة والوقت يداهمه:

• "أنا مش هاخد منك وقت كتير.. أنا لازم أمشي عشان مسافر حالاً.. أنا حبيت أقولك حاجة واحدة بس.. أنا راجع كمان أسبوع، وأول ما هارجع.. هنتجوز!"

توقف عمر عن الكلام فور نطق جملته الصادمة، وقام من على كرسيه وانطلق مسرعاً في طريقه دون أن يلتفت وراءه، تاركاً خلفه عاصفة من الذهول. تطلعت الفتاة في أثره بغاية الاستغراب والصدمة، وحركت رأسها يميناً ويساراً دهشةً من هذا الموقف غير المنطقي، ثم بملامح مستغربة أعادت وضع السماعة في أذنها وخفضت رأسها لتعود إلى كتابها، هرباً من تلك الهلوسة المفاجئة.

في هذه الآونة، كان عمر يغادر النادي مسرعاً، والتفت أثناء ركضه لينظر إلى سارة الجالسة في ركنها. التقى حطام نظراتهما، فرفع يده مشيراً إليها بإصبعين بجانب أذنه، معلناً أنه سيحدثها تليفونياً فور وصوله، ثم اختفى في عتمة الطريق نحو المطار.

وفي الجانب المقابل كانت سارة بملامحها الأنيقة والباردة تحمل تعبيراً يفهم دورها القادم بدقة، فهي الآن المسؤولة عن تتبع هذه الفتاة وإعداد الخارطة عند عودة عمر. نقلت نظرتها الذكية نحو منضدة الفتاة المستغرقة في كتابها، وبدا في عينيها إيقاع التفكير والتخطيط الفوري. فتحت حقيبة يدها الفاخرة بحركة هادئة، وأخرجت منها صورة قديمة باهتة ومطوية الأطراف لتبدأ في دراسة خطتها. نظرت إلى الصورة برهة، ثم رفعت عينيها لتصوب نظرها الحاد مجدداً نحو الفتاة، وتوجز نظرتها بابتسامة غامضة ومكتومة، باحثة في رأسها عن بداية تنفيذ ما يريده عمر وما يطمح إليه، بينما كان الظلام يخيم تدريجياً، مركزاً على عيني سارة الغامضتين والصورة المطوية بين أصابعها.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق