الفصل الثالث
خلف الزجاج
«أخيرًا وجدتكِ يا ابنتي.»
ظلّ صوت المرأة يتردّد داخل رأسي حتى بعدما توقّفت عن الكلام.
لم أكن أعرف لماذا نادتني ابنتها، ولا لماذا شعرتُ للحظة أنني أعرفها منذ زمن بعيد. كان في صوتها دفء غريب، دفء افتقدته منذ بدأت هذه الكوابيس، لكنه امتزج بشيء جعلني أرغب في الهرب.
صرخت أمي:
— ابتعدي عن المرآة يا غرام!
لكنني لم أتحرّك.
كانت المرأة تضع كفّها على الزجاج، تحدّق إليّ بعينين تشبهان عيني أمي، ثم تبتسم كأنها تنتظر مني أن أقترب.
قالت إيلين وهي تمسك بذراعي:
— لا تنظري إليها طويلًا! إنها تعرف كيف تجعل الناس يصدّقون ما يريدون تصديقه.
التفتُّ إليها.
— أنتِ قلتِ إنكِ تريدين استعادة مكانكِ. والآن تقولين إن هذه المرأة خطيرة. أريد أن أفهم! من أنتما؟ وماذا حدث في الماضي؟
لم تجب إيلين.
أما أمي، فكانت تحاول فتح الباب، لكن المقبض لم يتحرّك. كان الباب مفتوحًا قبل لحظات، والآن بدا كأنه التصق بالإطار.
ثم سمعنا صوتًا مكتومًا من داخل الجدار.
ثلاث طرقات.
توقفت أمي عن الحركة.
ثلاث طرقات أخرى.
همست إيلين:
— لقد بدأ العدّ.
— أيّ عدّ؟ سألتها.
نظرت إلى الساعة القديمة في زاوية الغرفة.
كانت عقاربها تشير إلى الثانية عشرة وخمس وخمسين دقيقة.
لكن الرقم الثالث عشر بدأ يظهر على وجهها تدريجيًا، كأن أحدًا يرسمه بإصبع غير مرئي.
قالت أمي بصوت مرتجف:
— علينا أن نخرج قبل أن تدقّ الساعة.
— لماذا؟
لم تجبني.
ومن خلف الزجاج، ضحكت المرأة ضحكة خافتة.
— ما زلتِ تخافين من الساعة يا ابنتي؟ قالت. حتى بعد كل هذه السنوات؟
استدارت أمي نحوها.
— اصمتي!
اختفت الابتسامة عن وجه المرأة.
— أنتِ التي يجب أن تصمتي. لقد أخفيتِ الحقيقة طويلًا، وحان الوقت لتعرف غرام ما فعلتِه.
شعرتُ بأن قلبي يضرب صدري بعنف.
— ماذا فعلت أمي؟
اقتربت المرأة من الزجاج، حتى لم يعد يفصل وجهها عن وجهي سوى سطح المرآة.
— اسأليها لماذا لا توجد صورة لكِ في عامكِ الأول.
نظرتُ إلى أمي.
لم تتكلّم.
— اسأليها لماذا كانت تناديكِ باسم آخر عندما تظن أنكِ نائمة.
ازداد صمت أمي ثقلاً.
— واسأليها، تابعت المرأة، لماذا احتفظت بحذاء طفلة صغيرة، مع أنها تقول لكِ إنكِ كنتِ طفلتها الوحيدة.
شعرتُ بالدم ينسحب من وجهي.
حذاء طفلة؟
تذكّرتُ صندوقًا صغيرًا رأيته في بيتنا القديم. كان مغلقًا بشريط أحمر، وحين سألت أمي عنه، طلبت مني ألّا ألمسه أبدًا.
لم أكن قد فكرت فيه منذ سنوات.
لكن الآن عادت إليّ صورته بوضوح مخيف.
نظرتُ إلى أمي.
— هل يوجد شيء آخر لم تخبريني به؟
أجابت بصوت خافت:
— نعم.
كانت كلمة واحدة، لكنها هدمت كل ما بقي من ثقتي بها.
اقتربت مني، ومدّت يدها، ثم توقفت قبل أن تلمس وجهي.
— لكنني لم أفعل ذلك لأنني لم أحبكِ يا غرام.
تراجعتُ.
— إذًا لماذا؟
أغمضت عينيها.
— لأنني كنت أظن أنني أحميكِ من شيء أسوأ من الموت.
في تلك اللحظة، دوّى صوت تحطّم.
لم تنكسر المرآة، كما توقعت.
بل انكسر الزجاج في النافذة، رغم أنها كانت مغلقة بإحكام.
اندفعت الريح إلى الغرفة، وانطفأت الساعة للحظة، ثم عادت عقاربها تتحرك بسرعة.
اقتربت إيلين من المرآة.
— لا تستمعي إليها يا غرام. إنها تريدكِ أن تتذكّري قبل أن تكوني مستعدة.
— ولماذا تخافين من أن أتذكّر؟
نظرت إليّ إيلين بعينين دامعتين.
— لأنكِ إذا تذكّرتِ كل شيء، فقد تكتشفين أنني لستُ الوحيدة التي سُرق منها شيء.
قبل أن أسألها عما تقصده، ظهر شيء جديد على سطح المرآة.
لم يكن انعكاسًا.
كانت صورة لغرفة قديمة، مضاءة بمصباح صغير. وفي وسطها سرير أبيض، وبجانبه امرأة شابة تجلس وهي تحتضن طفلتين ملفوفتين بغطاء واحد.
كانت المرأة هي أمي.
لكنها بدت أصغر بكثير.
اقتربتُ من الزجاج دون أن أشعر.
إحدى الطفلتين فتحت عينيها.
والأخرى كانت نائمة.
ثم دخل رجل إلى الغرفة، يحمل ساعة خشبية صغيرة. لم أستطع رؤية وجهه، لكنني سمعت صوته بوضوح:
— اختاري الآن. لا يمكن أن تعودا كلتاهما.
وضعت أمي يدها على فمها، وأطلقت شهقة مكتومة.
— أوقفي هذا! صرخت.
لكن الصورة استمرت.
رأيت أمي تنظر إلى الطفلتين، ثم إلى الساعة التي يحملها الرجل.
رأيت دموعها.
ورأيت يدها ترتفع ببطء نحو إحدى الطفلتين.
ثم اختفت الصورة.
بقيت المرآة سوداء تمامًا.
همستُ:
— كنتما طفلتين…
لم تجب أمي.
نظرتُ إلى إيلين، التي كانت واقفة بلا حراك.
— هل نحن أختان؟
أخفضت إيلين رأسها.
ثم قالت:
— أكثر من ذلك.
وقبل أن أطلب منها التفسير، انطلقت دقّة الساعة.
دقّة واحدة، عميقة، جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.
ثم دقّة ثانية.
وثالثة.
بدأت الساعة تعدّ بصوت لا يشبه صوت الساعات العادية، ومع كل دقّة كانت المرآة تصبح أكثر شفافية.
وعندما وصلت إلى الدقّة الثالثة عشرة، لم أعد أرى المرأة خلف الزجاج.
كانت الغرفة التي ظهرت في الصورة قد عادت، لكن السرير أصبح فارغًا، والمرأة الشابة اختفت.
بقي الرجل وحده.
هذه المرة رفع رأسه ببطء، ونظر مباشرة إليّ.
ثم ابتسم.
عرفتُ تلك الابتسامة.
رأيتها في الصورة القديمة التي وصلتني على هاتفي.
الرجل نفسه.
الرجل الذي لم أعرف اسمه قط.
اقترب من المرآة، ورفع يده، ثم كتب على الزجاج من الداخل:
«اسألي أمكِ من هو والدكِ الحقيقي.»
سمعتُ صوت شيء يسقط خلفي.
التفتُّ.
كانت أمي جالسة على الأرض، ويداها تغطيان وجهها.
أما إيلين، فكانت تحدّق بي وكأنها تنتظر أن أنهار.
لكنني لم أبكِ.
لم أصرخ.
لم أطرح أي سؤال.
فقد كنت أعرف، في أعماقي، أن حياتي كلها كانت مبنية على قصة لم يخبرني أحد بنهايتها.
وفجأة، انفتح باب الغرفة من تلقاء نفسه.
ظهر خلفه ممر طويل، لم يكن موجودًا في البيت من قبل.
وفي نهايته، كان هناك باب أبيض صغير.
على الباب لوحة نحاسية كُتب عليها اسمي.
غرام.
لكن أسفل اسمي، ظهرت كلمة أخرى ببطء.
كلمة جعلت إيلين تتراجع، وجعلت أمي تصرخ:
«المتوفاة».
💬 التعليقات