الفصل الثاني
لا تفتحي الباب
لم أكن أرى شيئًا.
كان الظلام يحيط بي من كل جهة، بينما استمر الصوتان في مناداتي.
— غرام، افتحي الباب!
كان صوت أمي يرتجف خلف الخشب.
أما الصوت الآخر، فكان أقرب إليّ مما ينبغي.
— لا تصدّقيها… إنها تكذب عليكِ!
كان صوتي أنا.
وضعتُ يدي على فمي حتى لا أصرخ. حاولتُ أن أتحسس الجدار، لكن أصابعي اصطدمت بشيء بارد وناعم، كأنني لمست سطح مرآة.
ثم أضاء هاتفي فجأة.
لم أكن قد لمسته، ومع ذلك ظهرت على شاشته رسالة جديدة من الرقم المجهول:
«لا تنظري إلى وجهها عندما يسقط الضوء.»
رفعتُ رأسي ببطء.
كانت الفتاة التي خرجت من الخزانة تقف على بُعد خطوات مني. لم أستطع رؤية ملامحها بوضوح، لكنني كنت أسمع أنفاسها الهادئة.
— ماذا تريدين مني؟ سألتها.
لم تجب فورًا.
اقتربت خطوة، ثم قالت:
— أريد أن تتذكّري.
— أتذكّر ماذا؟
— اليوم الذي اختارت فيه أمكِ أيّتنا ستعيش.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
— أيّتنا؟
مدّت يدها، ورفعت الصورة التي كانت تحملها. كانت صورة لطفلتين صغيرتين أمام المرآة، لكنني لاحظت شيئًا لم أره من قبل.
إحدى الطفلتين كانت ترتدي سوارًا فضيًا على معصمها.
نظرتُ إلى معصمي دون وعي.
كان هناك سوار فضي قديم أرتديه منذ سنوات. لم أعرف يومًا من أين جاء، وكانت أمي تقول إنه هدية من أبي.
لكن في الصورة، كانت الطفلتان ترتديان السوار نفسه.
— هذا مستحيل، همستُ.
ابتسمت الفتاة ابتسامة حزينة.
— هذا ما قالته أمكِ أيضًا.
ضربت أمي الباب من الخارج.
— غرام! ابتعدي عنها فورًا!
التفتُّ نحو الباب.
— أمي؟ هل أنتِ فعلًا بالخارج؟
ساد الصمت.
ثم سمعتُ شهقة مكتومة، تلتها كلمات لم أتوقعها:
— حبيبتي… مهما قالت لكِ، لا تسمحي لها بأخذ مكانكِ.
نظرتُ إلى الفتاة.
للمرة الأولى، تغيّر وجهها. اختفت ابتسامتها، وظهرت في عينيها نظرة لم أفهمها؛ لم تكن غضبًا، بل ألمًا عميقًا.
— هل سمعتِ؟ قالت بهدوء. حتى الآن، لا تزال تختاركِ أنتِ.
— لماذا؟ سألتها. لماذا تريد أمي أن تأخذ مكاني؟
هزّت رأسها.
— أنتِ لا تفهمين. أنا لا أريد مكانكِ يا غرام.
اقتربت مني حتى أصبح وجهها واضحًا تحت ضوء الهاتف.
كانت تشبهني في كل شيء، حتى الندبة الصغيرة قرب حاجبي الأيسر، التي حصلتُ عليها عندما كنت طفلة.
لكن ندبتها كانت في الجهة الأخرى.
رفعت يدها ولمست مكان الندبة عندها.
— أريد مكاني أنا.
لم أجد ما أقوله.
ثم أضافت:
— لقد عشتِ حياتي كلها، بينما عشتُ أنا داخل ذاكرة لا تخصّني. كل عيد ميلاد احتفلتِ به، كنتُ أسمع أغانيه من خلف الزجاج. وكل مرة ناداكِ فيها أحد باسمكِ، كنتُ أتساءل لماذا لا يناديني أحد.
شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدمي.
— من أنتِ؟
أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتهما.
— اسمي إيلين.
تردّد الاسم داخل رأسي كصدى بعيد.
إيلين.
الاسم المكتوب على رسالة أمي.
الاسم الذي ظهر في الصورة القديمة.
والاسم الذي جعل المرآة تستيقظ.
فجأة، انفتح الباب خلفي وحده.
اندفع ضوء الممر إلى الغرفة، وظهرت أمي واقفة عند المدخل، شاحبة الوجه، وشعرها مبعثر، وفي يدها مفتاح قديم.
نظرت إليّ أولًا، ثم إلى الفتاة.
تراجعت خطوة.
— لا… تمتمت. ليس الآن.
تقدّمتُ نحوها.
— أمي، من إيلين؟
لم تجب.
— لماذا تقول إنكِ اخترتِ أيّتنا ستعيش؟
أغمضت أمي عينيها، وكأن السؤال أعاد إليها ذكرى كانت تحاول دفنها منذ سنوات.
ثم قالت بصوت مكسور:
— لأنني كنت أعتقد أنني أستطيع إنقاذ واحدة منكما.
— إنقاذنا من ماذا؟
رفعت أمي رأسها، ونظرت إلى المرآة الواقفة في آخر الغرفة.
كانت المرآة قد ظهرت من جديد، رغم أنني لم أرها تدخل الغرفة.
وفي سطحها، لم تكن هناك انعكاساتنا الثلاثة.
كانت هناك امرأة رابعة.
امرأة تشبه أمي تمامًا، لكنها بدت أكبر سنًا، وعيناها غارقتان في سواد غريب.
وضعت المرأة كفّها على الزجاج من الداخل.
ثم حرّكت شفتيها ببطء.
لم أسمع صوتها، لكنني قرأت الكلمات بوضوح:
«لقد اختارت الخطأ مرة أخرى.»
تجمّدت أمي في مكانها.
سقط المفتاح من يدها وارتطم بالأرض.
أما إيلين، فالتفتت نحو المرآة، واتسعت عيناها رعبًا.
— لا… قالت بصوت خافت. لا يمكن أن تكون قد استيقظت.
سألتها:
— من هذه المرأة؟
لم تنظر إليّ.
كانت تحدّق في المرآة وكأنها ترى كابوسًا تعرف نهايته.
ثم أمسكت بيدي بقوة وهمست:
— غرام، اسمعيني جيدًا. إذا خرجت تلك المرأة من المرآة، فلا تسمحي لها بأن تلمسكِ.
— لماذا؟
استدارت نحوي.
وللمرة الأولى، رأيت دمعة تنحدر على خدّها.
— لأنها ليست أمّكِ… وليست أمّي أيضًا.
وقبل أن أتمكن من سؤالها، ضربت المرأة الزجاج من الداخل.
مرة واحدة.
فاهتزّت المرآة كلها.
ثم ظهرت شقوق رفيعة على سطحها، وبدأت تتسع ببطء.
صرخت أمي:
— اركضوا!
لكنني لم أستطع الحركة.
كانت المرأة داخل المرآة تبتسم الآن.
وبينما كانت الشقوق تنتشر حول وجهها، رفعت يدها وأشارت إليّ.
ثم سمعت صوتها للمرة الأولى.
لم يأتِ من المرآة وحدها.
بل من داخل رأسي أيضًا.
— أخيرًا وجدتكِ يا ابنتي.
💬 التعليقات