الفصل الأول
الصورة التي لم تكن موجودة
لم أنم تلك الليلة.
جلستُ على أرض غرفتي، والهاتف بين يدي، أحدّق في الصورة التي وصلتني من الرقم المجهول. كنت أُكبّرها مرة بعد أخرى، أبحث عن تفصيل صغير قد يساعدني على فهم ما رأيت.
أمي كانت أصغر سنًا، لكنها كانت أمي بلا شك. عيناها، ابتسامتها الخافتة، وحتى تلك الخصلة التي اعتادت أن تُبعدها عن جبينها… كل شيء كان مألوفًا.
أما الطفلة التي تحملها، فلم أعرفها.
والرجل الواقف خلفهما لم يكن يشبه أحدًا من أفراد عائلتي.
لكن شيئًا واحدًا جعل قلبي ينقبض.
كان الرجل ينظر إلى الكاميرا، بينما كانت عيناه في الحقيقة تتجهان نحو المرآة خلفه. وعلى سطحها، وسط انعكاس الغرفة، ظهرت هيئة فتاة تقف في مكان لا وجود له في الصورة.
فتاة تشبهني.
قلبتُ الهاتف بين يدي، ثم فتحتُ تفاصيل الصورة. لم يكن هناك اسم للمصوّر، ولا تاريخ واضح، ولا أي معلومة تدل على مصدرها.
وفجأة وصلت رسالة ثانية.
«لا تسألي أمكِ عن الصورة.»
كتبتُ بسرعة:
«من أنت؟»
ظهرت علامة الكتابة، واختفت، ثم عادت من جديد.
انتظرتُ.
وأخيرًا وصلت الإجابة:
«شخص حاول أن يحذّركِ قبل أن تتذكّري.»
شعرتُ بالغضب يتغلّب على خوفي.
«أتذكّر ماذا؟ ومن هي إيلين؟»
هذه المرة جاء الرد سريعًا:
«اسألي المرآة.»
أغلقتُ الهاتف وألقيتُه على السرير.
لم أكن مستعدة للعودة إلى تلك الغرفة. لم أكن مستعدة لرؤية الفتاة التي تحمل وجهي، أو سماع صوت أمي يخرج من شيء جامد.
لكنني كنت أعرف أنني لن أستطيع تجاهل ما حدث.
نهضتُ، وأشعلتُ مصباح الغرفة، ثم فتحتُ الخزانة وأخرجتُ صندوقًا خشبيًا صغيرًا احتفظتُ فيه بأشيائي القديمة. كان الصندوق يعود إلى أمي، وقد وجدته قبل سنوات بين أغراضها، لكنها رفضت أن تسمح لي بفتحه.
قالت يومها إن داخله أوراقًا لا تخصّني.
والآن، بعد كل ما حدث، لم أعد أثق بهذه الإجابة.
أخرجتُ مفتاحًا صغيرًا كنت قد احتفظتُ به دون أن أعرف لأي شيء يعود. جرّبتُه في قفل الصندوق.
استدار المفتاح.
وانفتح الغطاء.
في الداخل كانت هناك رسائل قديمة، وصورة ممزقة، وقطعة قماش بيضاء مطرّزة بحرفين: إ. غ.
وتحتها ظرف كُتب عليه بخط أمي:
«إلى غرام، إذا بدأت المرآة تتذكّر.»
تراجعتُ قليلًا.
كيف عرفت أمي أن هذا سيحدث؟
فتحتُ الظرف بحذر، وأخرجتُ ورقة مطوية. كان الخط مهتزًا، وكأن أمي كتبت الرسالة وهي خائفة.
قرأتُ:
«غرام، إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن المرآة قد عادت، وأنها بدأت تُظهر لكِ ما حاولتُ إخفاءه.
أعرف أنكِ ستكرهينني حين تعرفين الحقيقة، لكنني لم أكن أملك خيارًا آخر.
هناك أشياء لا ينبغي أن تتذكّرها، لأن تذكّرها سيعيدها إلى الحياة.
لا تبحثي عن إيلين.
ولا تسمحي للفتاة التي تشبهكِ أن تخرج من المرآة.
وإذا سمعتِ صوتي أناديكِ من خلف الزجاج…
فلا تجيبي.»
توقفتُ عن القراءة.
لم أستطع التنفس للحظات.
في أسفل الرسالة، أضافت أمي جملة بخط مختلف، كأنها كتبتها بعد وقت طويل:
«سامحيني لأنني اخترتُ واحدة منكما.»
واحدة منكما؟
أعدتُ قراءة العبارة مرارًا.
ثم قلبتُ الورقة.
على ظهرها كان هناك رسم بسيط لمرآة، وتحتها تاريخ يعود إلى اليوم الذي وُلدتُ فيه.
وبجانب التاريخ، كُتب اسمان:
إيلين — غرام.
لم أعد أعرف من أنا.
أخذتُ الصورة القديمة، ووضعتها بجانب الرسالة. كانت هناك مساحة فارغة على طرف الصورة، كأن شخصًا قد قُصَّ منها عمدًا.
لكن عندما قرّبتها من المصباح، لاحظتُ كتابة باهتة على ظهرها.
«النسخة التي بقيت في العالم ليست دائمًا النسخة التي وُلدت فيه.»
في تلك اللحظة، انطفأ المصباح.
وسمعتُ صوتًا خافتًا يأتي من الممر.
— غرام؟
كان صوت أمي.
تجمّدتُ.
تذكّرتُ تحذيرها المكتوب في الرسالة.
إذا سمعتِ صوتي أناديكِ من خلف الزجاج… فلا تجيبي.
لكن الصوت هذه المرة لم يأتِ من المرآة.
بل من باب غرفتي.
— غرام، افتحي الباب يا حبيبتي. أريد أن أخبركِ بشيء.
اقتربتُ من الباب ببطء، ثم وضعتُ يدي على المقبض.
وقبل أن أفتحه، سمعتُ صوتًا آخر.
صوتًا يخرج من داخل الخزانة.
كان صوتي أنا.
— لا تفتحي لها.
ابتعدتُ عن الباب مذعورة.
ثم جاء صوتي مرة ثانية، أكثر وضوحًا:
— المرأة التي تقف خلف الباب ليست أمكِ.
نظرتُ إلى الخزانة.
كان بابها مفتوحًا قليلًا، ومن الشقّ الضيق رأيتُ عينًا تحدّق بي.
عينًا أعرفها جيدًا.
عينِي أنا.
ثم انفتح باب الخزانة ببطء.
وخرجت منه فتاة تشبهني تمامًا.
لم تكن انعكاسًا، ولم تكن صورة.
كانت تقف أمامي، تتنفس، وترتدي الثياب نفسها التي ارتديتها في الصورة القديمة.
نظرت إليّ بحزن، ثم قالت:
— تأخرتِ كثيرًا يا غرام.
تراجعتُ حتى اصطدم ظهري بالجدار.
— مَن أنتِ؟
مدّت يدها نحوي، وفي كفّها صورة صغيرة.
كانت صورة لطفلتين متطابقتين، تقفان أمام المرآة ذاتها.
ثم همست:
— أنا الفتاة التي اختارت أمكِ ألّا تتذكّرها.
وقبل أن أتمكن من الرد، دوّى طرق عنيف على باب الغرفة.
وصاح صوت أمي من الخارج:
— غرام! لا تتركيها تدخل!
نظرتُ إلى الفتاة أمامي.
ثم إلى الباب.
ثم إلى الصورة بين يديها.
كانت الطفلتان في الصورة تبتسمان.
لكن إحداهما كانت تفتقد ظلّها.
رفعت الفتاة رأسها نحوي وقالت:
— عندكِ دقيقة واحدة لتقرّري مَن تصدّقين.
ثم انطفأ كل شيء.
وفي الظلام، سمعتُ صوتين يناديان اسمي في اللحظة نفسها.
أحدهما كان صوت أمي.
والآخر كان صوتي.
💬 التعليقات