خريف الربيع 🍂🌷

الفصل 4

حين تغير كل شيئ

513 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

إعلان

لم تمضِ أيام كثيرة على ذلك اليوم السعيد حتى بدأت ندى تلاحظ أن أباها ليس على ما يرام.

في البداية، ظنت الأسرة أنها مجرد وعكة صحية كعادته، فقد اعتادوا أن يمرض بين فترة وأخرى ثم يتحسن. لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا؛ اشتد عليه التعب فجأة، ولم تعد حالته تحتمل الانتظار.

أسرعوا به إلى المستشفى، ومرت الساعات ثقيلة على الأسرة، حتى جاءهم الخبر الذي لم يتوقعه أحد.

سرطان الكبد.

وقعت الكلمات على قلوبهم كالصاعقة.

وقفت ندى صامتة، تحاول استيعاب ما سمعته. نظرت إلى أبيها، الرجل الذي اعتادت أن تراه مبتسمًا، والذي كان يرافقها في الصباح إلى السوق، ويشجعها على أحلامها، ويناديها دائمًا: «دكتورتي الصغيرة».

كيف يمكن أن يصاب أبوها بهذا المرض؟

لم تجد جوابًا، ولم تعرف ماذا تقول. كل ما أرادته في تلك اللحظة أن يعود كل شيء كما كان.

لكن الحياة لم تعد كما كانت.

---

مرت خمس سنوات.

خمس سنوات لم تشبه ما تمنته ندى، ولم تمر على عائلتها بسهولة.

بلغت ندى الثامنة عشرة، وأصبحت في سنتها الأخيرة من الثانوية. طال شعرها الأسود حتى وصل إلى خصرها، ونضجت ملامح وجهها، وتغيرت هيئتها؛ لم تعد الطفلة التي تركض إلى أبيها كلما أرادت أن تحكي له شيئًا.

ومع ذلك، بقي في عينيها شيء من براءة تلك الطفلة، وبقيت أحلامها حاضرة، حتى عندما حاولت الحياة أن تثقل قلبها.

أما أبوها، فقد أخذ المرض منه الكثير. ابيض شعره ولحيته، وفقد أسنانه، وأصبح جسده أضعف يومًا بعد يوم. كانت تأتيه أحيانًا لحظات يهذي فيها أو ينسى من حوله، حتى إنه لم يكن يعرف أفراد أسرته في بعض الأحيان.

وكانت تلك اللحظات تؤلم ندى أكثر مما تستطيع التعبير عنه.

الرجل الذي كان يطمئنها بكلمة واحدة، أصبح يحتاج إلى من يطمئنه. والذي كان يشجعها على أحلامها، صار أحيانًا عاجزًا عن تذكّر أبسط الأشياء.

إعلان

ومع تدهور صحته، ازدادت أعباء الحياة على الأسرة. ساءت أحوالهم المادية، وبدأت أختاها غدير وغيداء، وأخواها غمدان وغسان، العمل، وأصبحت أصواتهم وكلماتهم أكثر حضورًا وقوة داخل المنزل.

أما أمها، التي كانت يومًا تستمع إلى أحلام ندى وتشجعها، فقد أصبحت أكثر عصبية مع تراكم الضغوط والمسؤوليات.

كانت ندى لا تزال قريبة من أختها هبة، التي تكبرها، وتجد عندها مساحة للحديث والراحة. أما بعض إخوتها، فقد أصبحت علاقتهم بها أكثر رسمية؛ يطلبون منها ما يريدون، وإذا رفضت شيئًا، قابلوا رفضها بالصراخ أو المقاطعة.

لم تعد أيامها تشبه أيام طفولتها، ولم يعد البيت يحمل الدفء نفسه الذي عرفته.

ومع ذلك، كانت ندى تحاول الاستمرار.

كانت تدرس، وتساعد في المنزل، وتتمسك بأملها في أن تصنع لنفسها مستقبلًا أفضل. لم تكن تعرف كيف ستصل إلى أحلامها، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عنها.

وفي عامها الخامس، بدأت تفعل شيئًا جديدًا.

فتحت حاسوبها ذات مساء، وأنشأت ملفًا جديدًا، ثم ظلت تحدق في الصفحة البيضاء أمامها.

كان لديها الكثير من الكلام الذي لم تستطع قوله لأحد، وأحلام كثيرة لا تعرف أين تضعها، وأسئلة ظلت ترافقها كلما فكرت في حياتها.

وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح، وبدأت تكتب.

اختارت لروايتها اسمًا:

«الربيع المنتظر»

لم تكن تعرف إلى أين ستأخذها هذه الحكاية، لكنها شعرت أنها أخيرًا وجدت مكانًا تستطيع فيه أن تقول ما بداخلها، دون أن يقاطعها أحد أو يطلب منها أن تصمت.

وبينما كانت الكلمات تظهر على الشاشة، ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة.

ربما لم تكن الحياة كما أرادت، لكن قصتها لم تنتهِ بعد.

يتبع...

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق