خريف الربيع 🍂🌷

الفصل 5

حكاية لم تكن خيالآ

806 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

إعلان

نشأ ليون طوال حياته في بريطانيا، وبينما كان الآخرون يرون فيه موسيقيًا موهوبًا، كان يحمل في داخله حلمًا مختلفًا؛ أن يصبح كاتبًا يومًا ما، وأن يكتب قصصًا تجعل الآخرين يشعرون بما تعجز الكلمات العادية عن وصفه.

كان يحب الكتب والحكايات، ويجد في الكتابة عالمًا يستطيع الهروب إليه كلما ضاقت به الحياة. لكن موهبته في العزف على البيانو كانت هي التي فتحت له أبواب النجاح والشهرة، فأصبح اسمه معروفًا في عالم الموسيقى، بينما بقي حلم الكتابة في زاوية هادئة من قلبه، ينتظر الوقت الذي يعود فيه إليه.

وفي إحدى الليالي، وبينما كان يتصفح الإنترنت، وقعت عيناه على رواية إلكترونية بعنوان «الربيع المنتظر».

لم يكن يعرف صاحبة الرواية، ولم يكن قد سمع باسمها من قبل، لكنه قرر أن يمنحها فرصة، وبدأ يقرأ صفحاتها الأولى.

كانت الرواية مختلفة عما اعتاد قراءته. لم تكن كلماتها متكلفة، ولم تكن أحداثها مليئة بالمبالغات، بل كان فيها شيء يجعله يشعر بأن خلف كل سطر حكاية لم تُروَ كاملة بعد.

واصل القراءة، صفحة بعد أخرى، حتى وجد نفسه ينتظر كل فصل جديد بشيء من الفضول.

أما ندى، فلم تكن تكتب عن نفسها مباشرة، بل اختارت لشخصية روايتها اسمًا يحمل شيئًا من قلبها؛ أملي.

لم يكن الاسم مجرد اختيار عابر، فقد أرادته أن يجمع الأمل والأمنية والرجاء، تلك الأشياء التي كانت تتمسك بها مهما ضاقت بها الحياة.

كانت أملي فتاة تحلم بحياة مختلفة، تتعثر أحيانًا، وتحزن أحيانًا أخرى، لكنها تحاول النهوض من جديد. فتاة تحب عائلتها، لكنها تتمنى أن تجد لنفسها مكانًا تستطيع فيه أن تحقق أحلامها دون أن تشعر بأنها ترتكب خطأ.

لم تكن ندى تكتب حكاية فتاة غريبة عنها، بل كانت تضع أجزاءً من حياتها داخل أملي، وتعيد صياغة أحداثها كما لو أنها مجرد خيال. كانت تغيّر بعض التفاصيل، وتخفي بعض الحقائق، لكنها لم تكشف أبدًا أن أملي ليست سوى صورة أخرى منها.

حتى ليون، الذي بدأ يتعلق بالرواية يومًا بعد يوم، لم يكن يعلم أن الفتاة التي يتابع حكايتها لم تكن بعيدة عن صاحبة الكلمات كما ظن.

مرّت الأيام، واستمر ليون في قراءة الفصول كلما نُشر فصل جديد. كان يتوقف أحيانًا عند بعض الجمل، ويعيد قراءتها، متسائلًا كيف استطاعت كاتبة لا يعرف عنها شيئًا أن تجعل شخصية خيالية تبدو حقيقية إلى هذا الحد.

ثم وصلت أملي في الرواية إلى مرحلة جديدة من حياتها؛ مرحلة الدراسة والاجتهاد والاستعداد للاختبارات النهائية، حيث كانت تحاول التمسك بأحلامها رغم كل ما يحيط بها.

قرأ ليون الفصل الأخير الذي نشرته ندى، ثم عاد في اليوم التالي إلى صفحتها منتظرًا فصلًا جديدًا.

لكن شيئًا لم يحدث.

مرّ أسبوع، ثم أسبوعان، ولم يظهر أي تحديث.

كان يزور الصفحة بين الحين والآخر، يتفقدها، ثم يغادر دون أن يجد شيئًا جديدًا. تساءل إن كانت الكاتبة مشغولة بدراستها، أم أنها قررت التوقف عن الكتابة.

مرّ شهر كامل.

وبعد هذا الغياب، عادت ندى أخيرًا.

ظهر فصل جديد من «الربيع المنتظر»، ففتحه ليون بحماس، متوقعًا أن يجد أملي تواصل رحلتها كعادتها.

لكنه وجد حكاية مختلفة تمامًا.

إعلان

كانت أملي قد فقدت والدها.

كتبت ندى أن ذلك حدث عند الفجر، وأنها لم تستطع البكاء أو الصراخ. لم تفهم ما الذي يحدث حولها، ولم تستوعب كيف يمكن لشخص كان جزءًا من كل تفاصيل حياتها أن يصبح فجأة جسدًا ساكنًا لا يجيبها.

رأت والدها ملفوفًا في كفنه، شاحب الوجه، مغمض العينين، فاقتربت منه وقبّلت جبينه البارد.

لم تستطع أن تقول شيئًا.

لم تستطع حتى أن تبكي كما توقع الجميع منها.

كان الحزن أكبر من قدرتها على التعبير، والصدمة أثقل من أن تتحول إلى دموع. ومع ذلك، لم يفهم من حولها صمتها، بل ظن بعضهم أنها سعيدة بوفاته، وكأن عدم بكائها دليل على أنها لم تحبه.

لكنها كانت تعرف الحقيقة، حتى لو عجزت عن شرحها لهم.

لقد فقدت الشخص الذي كان يؤمن بأحلامها حين لم يكن أحد يراها ممكنة، والذي كان يناديها «دكتورتي الصغيرة» ويعامل أمنياتها الصغيرة كما لو أنها أشياء تستحق أن تتحقق.

رحل والدها، وبقيت كلماته معها، وبقي حلمها، لكن شيئًا في داخلها لم يعد كما كان.

قرأ ليون الفصل حتى نهايته دون أن يتوقف.

لم تكن الكلمات تشبه الفصول السابقة؛ كان فيها ألم هادئ، ألم لم يحاول أن يستجدي التعاطف، لكنه وصل إليه رغم ذلك.

ظل ينظر إلى الشاشة للحظات بعد أن انتهى من القراءة.

لم يعرف لماذا شعر أن ما قرأه يتجاوز حدود الخيال. ربما لأن الحزن بدا حقيقيًا أكثر مما ينبغي، أو لأن بعض التفاصيل كُتبت بطريقة جعلته يشعر أن صاحبة الرواية تعرف هذا الوجع عن قرب.

لم يكن يعلم أن ندى لم تكن تكتب عن أملي وحدها، بل كانت تحاول أن تجد طريقة لتحكي ما عجزت عن قوله في حياتها الحقيقية.

ولم يكن يعلم أيضًا أن وراء الاسم الذي اختارته بحب، فتاةً ما زالت تتمسك بالأمل والأمنيات والرجاء، رغم أن الحياة أخذت منها شخصًا لم تتخيل يومًا أن تعيش من دونه.

أغلق ليون الصفحة بعد وقت طويل، لكنه لم يستطع إخراج الحكاية من ذهنه.

لأول مرة، لم يعد فضوله متعلقًا بما سيحدث لأملي في الفصل التالي فحسب، بل بصاحبة الكلمات نفسها.

من تكون هذه الفتاة التي استطاعت أن تترك في داخله كل هذا الشعور، وهي لا تعرف حتى أنه يقرأ حكايتها؟

وهكذا، بدأ اهتمامه بالرواية يتحول تدريجيًا إلى رغبة في معرفة ندى..

يتبع...

إعلان

كيف وجدت الرواية؟

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق