خريف الربيع 🍂🌷

الفصل 3

دفء الايام ☀️

1,096 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

إعلان

رفعت ندى رأسها، وما إن وقعت عيناها على أبيها حتى حاولت أن تحبس دموعها، لكنها لم تستطع.

اقترب منها أبوها، ونظر إلى وجهها الحزين، ثم سألها بحنان:

«مالك يا دكتورتي الصغيرة؟ ليش تبكي؟»

خفضت ندى رأسها، ومسحت عينيها بيديها، ولم تعرف كيف تشرح ما حدث.

تدخلت غدير قائلة بضيق:

«راحت البقالة وجابت لي شيء غلط، ولما كلمتها جلست تبكي!»

نظر الأب إلى غدير، ثم عاد بنظره إلى ندى.

«يا غدير، حتى لو غلطت، تقدري توضحي لها بهدوء. الصراخ ما يصلح كل شيء، وكلنا نغلط.»

لم تجب غدير، بينما ظلت ندى واقفة بصمت.

ربت أبوها على كتفها وقال:

«تعالي يا بنتي، ارفعي رأسك. ما يستاهل الموضوع كل هذا الحزن.»

نظرت إليه ندى بعينين دامعتين، فقال مبتسمًا محاولًا تخفيف الجو:

«وبعدين، الدكتورة ندى كيف بتعالج المرضى إذا كل ما أحد رفع صوته عليها بكت؟»

خرجت منها ابتسامة صغيرة رغمًا عنها.

ضحك أبوها وقال:

«أها! رجعت الابتسامة. هذه أهم حاجة.»

ثم تركها بعدما اطمأن قليلًا عليها، وعادت ندى إلى غرفتها.

أغلقت الباب خلفها، وجلست على سريرها، ثم التقطت أرنوب وضمته إلى صدرها.

نظرت إليه وكأنها تنتظر منه أن يسمعها، ثم بدأت تتحدث بصوت خافت:

«أرنوب، اليوم جبت شيء غلط لغدير، بس كان فيها تكلمني بهدوء. أنا ما أحب أحد يصارخ عليّ أو يهينني بالكلام، ما أتحمل.»

سكتت لحظة، ومسحت ما بقي من دموعها.

«كان فيني أرد، بس قلت معليش، لا تردي. بس بابا، الله يحفظه، وقف معي. يعرف إني ما غلطت عشان أستحق هذا كله.»

ابتسمت وهي تمرر يدها على أذني أرنوب.

«الحمد لله إن بابا موجود.»

احتضنته، ثم استلقت على سريرها وهي تشعر بشيء من الراحة.

«لا بأس يا أرنوب، بكرة يوم جديد.»

أغمضت عينيها، ونامت.

---

كان يوم الجمعة مختلفًا قليلًا.

استيقظت ندى في الصباح على أصوات الحركة في المنزل، فغسلت وجهها وذهبت إلى المطبخ، حيث كانت أمها تعد الفطور.

اقتربت منها وسألتها:

«صباح الخير يا أمي، أساعدك؟»

التفتت أمها إليها بابتسامة.

«صباح النور يا بنتي. تعالي، ساعديني في ترتيب الفطور.»

وقفت ندى بجانبها، وبدأت تساعدها في تجهيز المائدة. كانت تحب هذه اللحظات البسيطة؛ حين تقف مع أمها في المطبخ وتتحدثان عن أشياء عادية لا تحمل أي هموم.

وبعد أن انتهتا، نادت ندى بقية أفراد العائلة لتناول الفطور.

جلس أبوها، وأخذ ينظر إلى المائدة، ثم قال مازحًا:

«ما شاء الله! واضح أن عندنا اليوم طباخة جديدة.»

ابتسمت ندى بفخر.

«أنا ساعدت ماما بس!»

قالت أمها:

«لكنها تساعدني دائمًا، وتتعلم بسرعة.»

فرحت ندى بكلام أمها، وجلست تأكل معهم وهي تشعر بدفء عائلتها من حولها.

بعد الفطور، انشغل كل فرد من أفراد الأسرة بأموره. أما ندى فبقيت لبعض الوقت مع أمها في المطبخ، تساعدها في ترتيب الأشياء.

وفي وقت لاحق، بدأت أمها تستعد لتحضير الغداء، ثم التفتت إلى ندى وقالت:

«ندى، تذكرت الكيكة اللي عملتيها قبل فترة؟ صديقاتي لما ذاقوها أعجبتهم كثير. إيش رأيك تعملي لنا واحدة اليوم؟»

اتسعت ابتسامة ندى.

«صدق يا أمي؟ عجبتهم؟»

ضحكت أمها.

«أيوه يا بنتي، وإلا ليش أطلب منك تعمليها؟»

شعرت ندى بسعادة كبيرة. لم يكن الأمر مجرد إعداد كيكة، بل كان شعورًا جميلًا بأن أمها تذكرت شيئًا صنعته وأعجبها.

بدأت تحضر المكونات بحماس، وراحت تعمل خطوة بعد أخرى، حريصة على أن تكون الكيكة كما تحبها أمها.

وحين انتهت، وقفت تتأملها بفخر، ثم نادت أمها لتراها.

ابتسمت أمها وقالت:

«تسلم يدك يا ندى، شكلها يفتح النفس.»

ضحكت ندى، وشعرت أن يومها أصبح أجمل.

كانت تلك التفاصيل الصغيرة كافية لتجعلها سعيدة؛ كلمة طيبة، وابتسامة من أمها، ومزحة من أبيها، ووقت تقضيه مع من تحب.

ولم تكن تعرف أن الحياة ستتغير يومًا، وأنها ستشتاق كثيرًا إلى أيام لم تكن تتوقع أن تصبح ذكرياتها بهذه القيمة.

---

مرّت الأيام، وعادت ندى إلى مدرستها وواجباتها، حتى اقترب موعد الامتحانات النهائية.

كانت تعرف أن هذه الامتحانات مهمة، لذلك قررت أن تجتهد قدر استطاعتها. رتبت كتبها ودفاترها، وخصصت وقتًا للمراجعة كل يوم، وكانت إذا شعرت بالتعب تأخذ استراحة قصيرة ثم تعود إلى الدراسة.

إعلان

وفي إحدى الأمسيات، جلست إلى مكتبها، وأمامها الكتب المفتوحة وأوراق المراجعة.

كان أرنوب بجانبها كعادته.

نظرت إليه وقالت مبتسمة:

«أرنوب، ادعِ لي أجيب درجات حلوة. أبغى بابا يفرح بي.»

ثم عادت إلى كتابها، تراجع وتكتب الملاحظات، وكلما تذكرت حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان، شعرت برغبة أكبر في الاجتهاد.

كانت تتخيل نفسها في المستقبل ترتدي معطفها الأبيض، وتسمع أباها يناديها: «دكتورتي الصغيرة».

وكان هذا وحده كافيًا ليجعلها تبتسم وتواصل الدراسة.

---

جاء يوم الامتحان الأخير أخيرًا.

منذ الصباح، كانت ندى تشعر بمزيج من التوتر والحماس. راجعت بعض النقاط قبل دخول المدرسة، ثم دخلت قاعة الامتحان وهي تدعو الله أن يوفقها.

مر الوقت ببطء، لكنها أجابت عن الأسئلة بهدوء، وحاولت أن تتذكر كل ما درسته خلال الأيام الماضية.

وحين انتهت، راجعت إجاباتها مرة أخيرة، ثم سلّمت ورقتها وخرجت.

ما إن تجاوزت بوابة المدرسة حتى بدأت تبحث بعينيها بين المنتظرين.

وفجأة، رأتهما.

كان أبوها واقفًا عند البوابة، وبجانبه أختها هبة، وكأنهما ينتظران هذه اللحظة منذ وقت طويل.

اتسعت ابتسامة ندى، وركضت نحوهما.

«بابا! هبة!»

ابتسم أبوها حين رآها، وسألها:

«ها يا دكتورتي الصغيرة، كيف كان الامتحان؟»

أجابت بحماس:

«الحمد لله، حلو! أتوقع إني حليت كويس.»

قال أبوها بفخر:

«كنت عارف إنك بتجتهدي.»

ثم نظرت ندى إلى هبة باستغراب وسألت:

«بس إيش جابكم هنا؟»

تبادلت هبة وأبوها نظرة سريعة، ثم قالت هبة مبتسمة:

«اليوم يومك، خلصتِ الامتحانات، وقررنا نغيّر جو.»

قفزت ندى من الفرحة.

«صدق؟ وين بنروح؟»

أجاب أبوها:

«أولًا نتغدى في المطعم، وبعدها نروح الملاهي. إيش رأيك؟»

لم تستطع ندى إخفاء سعادتها.

«أحلى شيء! يلا، يلا!»

ضحك أبوها من حماسها، وانطلقوا معًا.

في المطعم، جلست ندى بجانب هبة، وظلت تحكي لهما عن الامتحان، وعن الأسئلة التي جاءت فيه، وكيف شعرت بالراحة عندما خرجت من القاعة.

كان أبوها يستمع إليها باهتمام، يسألها أحيانًا عن دراستها، ويمازحها أحيانًا أخرى، بينما كانت هبة تشاركها الحديث والضحك.

وبعد الغداء، ذهبوا إلى الملاهي.

عادت ندى إلى طفولتها للحظات؛ ضحكت بصوت عالٍ، وجربت الألعاب بحماس، وكانت كلما التفتت فرأت أباها وهبة قريبين منها، شعرت أن اليوم أجمل مما تخيلت.

قالت لأبيها وهي تضحك:

«بابا، لازم نجي هنا مرة ثانية!»

أجابها مبتسمًا:

«إذا استمريتِ في الاجتهاد، أبشري.»

رفعت حاجبيها بمكر وقالت:

«يعني صارت المكافأة على الدرجات؟»

ضحك أبوها.

«لا يا بنتي، هذه مكافأة على تعبك، أما الدرجات فلها مكافأة ثانية!»

ضحكت هبة، وضحكت ندى معها، ثم عادت لتستمتع ببقية اليوم.

---

في المساء، عادت ندى إلى غرفتها وهي تحمل في قلبها فرحة كبيرة.

وضعت حقيبتها جانبًا، ثم التقطت أرنوب واحتضنته.

«أرنوب، اليوم كان يجنن! خلصت الامتحانات، وبابا وهبة أخذوني المطعم والملاهي. يا رب كل أيامنا تكون كذا.»

ابتسمت وهي تتذكر ضحكات أبيها، ثم وضعت أرنوب بجانب وسادتها واستعدت للنوم.

قبل أن تغمض عينيها، تذكرت كيف كان أبوها ينتظرها عند بوابة المدرسة، وكيف ابتسم لها حين رآها.

همست بسعادة:

«الحمد لله على كل شيء.»

ثم أغمضت عينيها، وهي لا تزال تبتسم.

لم تكن ندى تعرف أن هذا اليوم السعيد سيبقى في ذاكرتها طويلًا، وأنها ستتمنى يومًا لو استطاعت أن تعيشه مرة أخرى، بكل ضحكاته وتفاصيله الصغيرة.

فبعض الأيام لا نعرف قيمتها الحقيقية إلا بعد أن تصبح ذكرى.

يتبع...

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق