وقفت ندى أمام أبيها، تنظر إلى يديه اللتين كان يُخفي خلفهما شيئًا، وقد غلبها الفضول.
قالت بحماس:
«بابا، إيش تخبّي؟ ورّيني!»
ابتسم أبوها وهو يخرج من خلف ظهره أرنبًا صغيرًا محشوًّا، ناعمًا ولطيفًا.
«هذه لك يا دكتورتي الصغيرة.»
اتسعت عينا ندى بدهشة بريئة، وظلت تنظر إلى الأرنب لحظات وكأنها لا تصدق أنه لها فعلًا، ثم أخذته منه بسرعة وضمّته إلى صدرها.
«لي أنا؟ صدق يا بابا؟!»
ضحك وهو يهز رأسه:
«لا، لجارتنا! أكيد لك يا بنتي.»
ضحكت ندى، وأخذت تتأمل أرنبها الجديد، تمرر أصابعها الصغيرة على أذنيه وتبتسم له، ثم رفعته أمام وجهها وقالت بجدية مضحكة:
«من اليوم اسمك أرنوب! اتفقنا؟»
ثم التفتت إلى أبيها وعانقته بقوة.
«شكرًا يا أحلى بابا في الدنيا!»
ربّت على رأسها بحنان، وقال:
«تستاهلي كل شيء حلو يا ندى.»
لم تكن الهدية كبيرة، لكنها بالنسبة إلى ندى كانت كنزًا صغيرًا؛ شيئًا يخصها وحدها، وذكرى جميلة من أبيها ستحتفظ بها طويلًا.
---
اجتمعت العائلة حول مائدة الغداء، وجلست ندى بينهم كعادتها، تستجيب لطلبات إخوتها دون تذمر.
«ندى، أعطيني الماء.»
«حاضر.»
«ناوليني الملعقة، لو سمحتِ.»
«تفضل.»
«ندى، فين الخبز؟»
«ثواني، أجيبه لك.»
لاحظ أبوها انشغالها بتلبية طلبات الجميع، فابتسم وقال مازحًا:
«يا بنتي، لو تفتحي عيادة أسنان، أخاف تشتغلي فيها مجانًا مثل ما تخدميهم الآن!»
ضحك بعض أفراد العائلة، وجلست ندى أخيرًا وهي تبتسم.
قال أبوها لأمها:
«تعرفي إيش؟ بنتك هذه ناوية تصير طبيبة أسنان.»
نظرت أمها إلى ندى بفخر، ثم قالت:
«وليش لا؟ ندى مجتهدة، والحمد لله ما قد رسبت في سنة، ودائمًا تتعب على دراستها. تستاهل كل خير في الدنيا.»
لمعت عينا ندى بالسعادة، فقد كانت كلمات أمها تعني لها الكثير.
قال أبوها:
«خلاص، إذا صارت دكتورة، أنا أول مريض عندها. بس أهم شيء تعطيني خصم العائلة!»
ردت ندى بسرعة:
«لا يا بابا، أنت العلاج عندك مجانًا، وفوقها أعطيك هدية!»
ضحك أبوها وقال:
«الله يحفظ لي دكتورتي الصغيرة.»
ابتسمت ندى بخجل، وعادت إلى طعامها، بينما كان حلمها يكبر داخلها كلما شعرت أن من تحبهم يؤمنون بها.
---
في أحد الأيام، طلبت غدير من ندى أن تذهب إلى البقالة القريبة وتحضر لها غرضًا.
ذهبت ندى وعادت بعد قليل، وقد أحضرت ما ظنت أنه المطلوب.
لكن غدير ما إن رأت الغرض حتى تغيّر وجهها.
«إيش هذا يا ندى؟! أنا قلت لك تجيبي النوع الثاني!»
نظرت ندى إلى ما في يدها، ثم إلى أختها، وقد ارتبكت.
«آسفة، يا غدير. حسبت إنك تقصدي هذا.»
رفعت غدير صوتها:
«كل شيء عندك بالغلط! ما تعرفي تسوي شيء صح؟ حتى طلب بسيط ما تقدري تجيبيه؟»
حاولت ندى أن تشرح:
«والله ما انتبهت، لو قلتي لي—»
قاطعتها غدير بحدة:
«خلاص، لا تبرري! أنتِ ما تفهمي من أول مرة أبدًا!»
سكتت ندى.
كان بإمكانها أن ترد، وأن تخبر أختها أن الخطأ لم يكن مقصودًا، وأنها لم تكن تستحق كل هذا الكلام. لكنها اعتادت أن تبتلع كلماتها عندما يرتفع صوت أحد عليها، وكأن الصمت أسهل من الدخول في جدال لا تعرف كيف تنهيه.
تجمعت الدموع في عينيها، وحاولت أن تمنعها من السقوط.
في تلك اللحظة، خرج أبوها بعدما سمع الصراخ. كانت ندى واقفة في الصالة، بينما كانت غدير أمامها تواصل توبيخها.
عقد حاجبيه، ونظر إليهما باستغراب.
«إيش الحاصل هنا؟»
لم تجب غدير فورًا، أما ندى فبقيت في مكانها، تحاول أن تبدو بخير، رغم أن صوت أختها ما زال يتردد في أذنيها.
اقترب أبوها قليلًا، ثم سألها بصوت هادئ:
«ندى، وش فيك؟»
رفعت ندى رأسها، وما إن وقعت عيناها على أبيها.....
يتبع...
💬 التعليقات