خريف الربيع 🍂🌷

الفصل 1

دكتورتي الصغيرة 🤍

1,306 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

إعلان

كانت ندى في سنتها الأولى من المرحلة الإعدادية، في ذلك العمر الذي تبدأ فيه الأحلام الصغيرة تكبر، وتبدو فيه أبسط الأمنيات وكأنها خطط لمستقبل كامل.

كان صوت الضحكات يتعالى في ساحة المدرسة، بينما كانت الطالبات يتجمعن في مجموعات صغيرة، تتبادل كل مجموعة الأحاديث والقصص التي لا تنتهي.

جلست ندى بجوار صديقتها رزان، تحرك قلمها بين أصابعها بحماس، وكأنها على وشك الإعلان عن اكتشاف عظيم.

قالت ندى وهي ترفع رأسها بفخر:

— رزان، عندي خبر مهم جدًا!

نظرت إليها رزان بطرف عينها، ثم عادت إلى ترتيب كتبها.

— آخر مرة قلتي عندك خبر مهم، طلع إنك اكتشفتي إن المقصف يبيع العصير بنصف السعر وقت الفسحة.

ضحكت ندى وهي تضرب كتفها بخفة.

— يا بنت! هذه كانت معلومة مهمة فعلًا، ولا تستهيني بالاكتشافات العظيمة!

ابتسمت رزان، ثم التفتت إليها.

— طيب، هاتي اكتشافك العظيم هذه المرة.

اعتدلت ندى في جلستها، ورفعت ذقنها قليلًا، ثم قالت بثقة:

— قررت! لما أكبر، بصير طبيبة أسنان.

توقفت رزان عن ترتيب كتبها، ونظرت إليها.

— طبيبة أسنان؟

— أيوه! دكتورة ندى، تخيلي الاسم بس!

وضعت ندى يدها على صدرها، وأغمضت عينيها للحظة، كأنها تتخيل نفسها ترتدي معطفًا أبيض وتقف في عيادتها الخاصة، بينما ينتظر المرضى دورهم عند الباب.

ضحكت رزان من حماسها.

— يعني من الآن أبدأ أخاف منك؟

فتحت ندى عينيها بسرعة.

— تخافي مني ليش؟ أنا دكتورة رحيمة جدًا!

— رحيمة؟ وأنتِ أمس كنتِ تهدديني إنك ما تعطيني من حلاوتك إذا ما أعطيتك قلمي!

رفعت ندى إصبعها وكأنها تشرح قاعدة طبية مهمة.

— هذا شيء مختلف. الحلاوة لها قوانين، والطب له قوانين ثانية.

انفجرت الاثنتان بالضحك.

ثم اقتربت ندى من رزان، وقالت بنبرة جادة مصطنعة:

— اسمعي، أول ما أفتح عيادتي، أنتِ أول مريضة عندي.

تراجعت رزان قليلًا.

— وليش أنا بالذات؟

— لأنك صديقتي العزيزة، وبعطيك خصمًا خاصًا!

ضيقت رزان عينيها.

— كم الخصم؟

فكرت ندى لثانيتين، ثم قالت بكل جدية:

— عشرة بالمئة.

شهقت رزان، ووضعت يدها على صدرها.

— عشرة بالمئة بس؟! بعد كل هذه الصداقة؟!

ضحكت ندى حتى دمعت عيناها.

— خلاص، خلاص! لك خصم خمسين بالمئة، بس بشرط.

— إيش هو؟

مالت ندى نحوها وهمست:

— تجيبي لي مرضى غيرك.

عادت الضحكات تتعالى بينهما، حتى رن الجرس معلنًا انتهاء الفسحة.

جمعت رزان كتبها وهي تهز رأسها مبتسمة.

— الله يعين مرضاك عليكِ يا دكتورة.

حملت ندى حقيبتها، ومشت بجانبها بخطوات خفيفة.

— لا تخافي، بيحبوني كلهم. أنا أصلًا ما أقدر أزعل أحدًا.

نظرت إليها رزان بابتسامة تعرفها جيدًا، ثم قالت:

— أجل، يا دكتورة المستقبل، خلينا نشوف أولًا كيف بتنجحي في اختبار الرياضيات القادم.

اختفت ابتسامة ندى لثانية واحدة.

— رزان!

ضحكت رزان وانطلقت نحو الفصل، بينما لحقت بها ندى وهي تلوّح بقلمها مهددة:

— استني بس! إذا صرت دكتورة، أول شيء بعالجه عندك هو لسانك!

---

عادت ندى إلى المنزل بعد انتهاء يومها الدراسي، وكانت خطواتها أسرع من المعتاد. فتحت الباب، ثم دخلت وهي تنادي بصوت مرتفع:

— رجعت!

جاءها صوت والدها من الداخل:

— أهلًا بدنيتنا الحلوة! تعالي يا ندى.

اتجهت إليه، وما إن اقتربت حتى استقبلها بابتسامة دافئة وقبلة على رأسها.

كان والدها من الأشخاص الذين يشعرونها بأن وجودها وحده سبب كافٍ للفرح. لم تكن تحتاج إلى إنجاز كبير كي تسمع منه كلمة جميلة، ولم تكن مضطرة إلى اختراع حكاية مميزة حتى يمنحها اهتمامه؛ كان يجد دائمًا وقتًا ليسمعها، حتى عندما تبدأ حديثها من منتصف القصة وتنتهي بموضوع لا علاقة له بالبداية.

جلست بجانبه، ولم تنتظر طويلًا قبل أن تبدأ بالكلام.

— بابا، تعرف إيش قررت اليوم؟

نظر إليها باهتمام.

— خير يا صغيرتي ؟ إيش القرار الخطير؟

اتسعت عيناها فرحًا.

— قررت أني لما أكبر بصير دكتورة أسنان!

سكت والدها لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة.

— دكتورة أسنان؟ ما شاء الله! أجل عندي دكتورة في البيت من الآن؟

هزت ندى رأسها بحماس.

— أيوه! بس لسه ما بدأت الدراسة، يعني ممنوع تجيب لي مرضى حاليًا.

ضحك والدها.

— خسارة! كنت ناوي أحجز موعدًا من اليوم.

ثم أشار إلى فمه مازحًا:

— بس يا دكتورتي الصغيرة ، أسناني راحت من زمان، يعني ما عاد عندك شغل معي. شكلك بتتخرجي وأنا أول مريض عندك!

ضحكت ندى وهي تنظر إليه.

— لا يا بابا، أنت أول مريض وآخر مريض، وبعالجك اكيد

إعلان

رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة.

ثم اقترب منها قليلًا، وأضاف بنبرة مازحة:

— بس إذا عالجتيني، أبغى خصم العائلة، مفهوم؟

أجابت ندى بسرعة:

— لك خصم مئة بالمئة، بس لا تقول لأحد!

— مجانآ يعني ؟ والله انك دكتورة بنت اصول

ضحك والدها، وضحكت معه

ثم رفعت رأسها ونظرت إليه، وكأنها تريد أن تخبره بشيء أهم من كل المزاح الذي دار بينهما.

— بابا، تتوقع أقدر أصير دكتورة فعلًا؟

تغيرت ملامحه قليلًا، لا حزنًا ولا قلقًا، بل اهتمامًا بسؤال ابنته.

أمسك يدها وقال:

— وليش ما تقدري؟

خفضت ندى عينيها إلى يديهما.

— ما أدري... بس أحس إنه حلم كبير.

ابتسم والدها.

— يا ندى، كل شيء كبير يبدأ صغيرًا. أنتِ الآن تدرسي، وتتعلمي، وكل يوم تتقدمي خطوة. أهم شيء تجتهدي، وتثقي بنفسك، وما تستسلمي لمجرد أن الطريق طويل.

رفعت عينيها إليه.

أكمل قائلًا:

— وأنا أبغى أشوفك يومًا وأنتِ لابسة معطفك الأبيض، واقفة في عيادتك، وتستقبلي مرضاك بنفس الابتسامة هذه.

ابتسمت ندى ابتسامة واسعة.

— يعني بتجي تزورني في العيادة؟

— أزورها؟! أنا باجي كل يوم، وبجلس في غرفة الانتظار من الصباح إلى المساء!

ضحكت.

— ليش كل يوم؟!

— عشان أتأكد إن دكتورتنا الصغيرة ما نسيت أباها بعد ما صارت دكتورة كبيرة!

هزت ندى رأسها وهي تضحك.

— مستحيل أنساك يا بابا.

ربت على يدها بحنان.

— وأنا أنتظر هذا اليوم يا دكتورتي الصغيرة.

---

في المساء، دخلت ندى غرفتها بعد أن أنهت واجباتها المدرسية. وضعت كتبها فوق المكتب، ثم جلست على طرف السرير، وأخذت تنظر إلى النافذة المفتوحة قليلًا.

كان الهواء لطيفًا، وصوت الحياة في الخارج يصل إليها هادئًا ومألوفًا.

مدت يدها إلى دفترها، وفتحت صفحة جديدة. كتبت في أعلاها بخط كبير:

«مستقبلي: دكتورة ندى»

تأملت الكلمات، ثم ابتسمت وحدها.

أحضرت قلمًا آخر، وبدأت ترسم مستطيلًا كبيرًا، كتبت داخله: «عيادة الدكتورة ندى».

أضافت إلى الرسم مكتبًا صغيرًا، وكرسيًا، ونافذة تطل على الشارع، ثم رسمت بجانب الباب لوحة تحمل اسمها.

توقفت لحظة، وحدقت في الرسم بإعجاب.

— والله الاسم حلو!

ضحكت على نفسها، ثم عادت إلى الرسم.

تخيلت كيف ستستقبل مرضاها، وكيف ستتحدث معهم حتى لا يخافوا من العلاج، وكيف ستبتسم للأطفال وتطمئنهم قبل أن يبدأوا.

ثم أمسكت قلمًا أبيض كانت قد وجدته بين أدواتها، ووضعته فوق دفترها كما لو كان معطفًا طبيًا صغيرًا.

رفعت رأسها، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة.

— الدكتورة ندى... أهلًا وسهلًا! تفضّلوا، العيادة مفتوحة!

قالتها بنبرة رسمية، ثم لم تستطع منع نفسها من الضحك.

نهضت من مكانها، ووقفت أمام المرآة، ورفعت كتفيها قليلًا، متخيلة معطفها الأبيض وهو يستقر عليهما.

— بس لازم أكون دكتورة شاطرة، وما أخلي أحد يخاف مني.

ثم أشارت إلى انعكاسها بإصبعها.

— اتفقنا يا دكتورة؟

هزت رأسها بجدية، وكأنها تنتظر جوابًا من نفسها.

وبعد لحظات، عادت إلى سريرها، واحتضنت دفترها إلى صدرها.

كانت أحلامها كثيرة، وأفكارها لا تهدأ، وكلما تخيلت مستقبلها وجدت شيئًا جديدًا ترغب في تحقيقه.

لكن وسط كل تلك الصور الجميلة التي رسمتها في خيالها، كانت هناك أمنية واحدة تتمنى أن تبقى معها دائمًا: أن يأتي يوم تنظر فيه إلى معطفها الأبيض الحقيقي، وتبتسم وهي تتذكر هذه الليلة، حين بدأت تحلم بعيادتها الصغيرة.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما وهي تبتسم.

— اصبري عليّ يا عيادتي... الدكتورة ندى جايتك!

وضعت دفترها بجانب وسادتها، ثم استلقت على سريرها، وعيناها معلقتان بالسقف. كانت لا تزال تتخيل عيادتها، ومعطفها الأبيض، واللحظة التي ستسمع فيها أحدهم يناديها بلقبها الذي أحبته منذ اليوم.

ابتسمت وهي تهمس لنفسها:

— دكتورة ندى... والله الاسم حلو!

ثم ضحكت، وسحبت الغطاء حتى كتفيها، قبل أن تغمض عينيها.

لكن ما إن بدأت تستسلم للنوم، حتى سمعت صوت والدها يناديها من خلف الباب:

— ندى؟ لسه صاحية؟

اعتدلت في سريرها بسرعة.

— أيوه يا بابا، ادخل!

انفتح الباب، وظهر والدها وهو يحمل شيئًا أخفاه خلف ظهره.

نظرت إليه ندى بفضول، ثم سألت بابتسامة واسعة:

— إيش مخبّي وراك؟

ابتسم والدها وقال:

— تعالي، عندي لك شيء... بس لا تضحكي عليّ!

قفزت ندى من سريرها واقتربت منه بحماس.

— ورّيني! ورّيني بسرعة!

أخرج والدها ما كان يخفيه، ومدّه إليها...

اتسعت عينا ندى، وبقيت تنظر إليه للحظات دون أن تنطق بكلمة.

يتبع...

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق