الفصل 4

الفصل الرابع: الرحيل

1,538 كلمة · 8 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الرابع: الرحيل

«أرخِ كتفيك. لن تستخرج الوهج من جسدك بعصر هذه المسكينة.»

نظر ريجار إلى الكرة الزجاجية بين يديه، ثم خفف قبضته عليها.

وقفت أريس أمامه في ساحة التدريب، وبينهما طاولة ضيقة رتبت فوقها أربع صفائح محفورة، وعلبة خشبية لم تفتحها بعد. خلفها، تناثرت آثار الضربات على دمى من القش، واستندت سيوف خشبية إلى السياج.

«أغمض عينيك، وحاول أن تشعر بالدفء الذي حدثتك عنه.»

أطاعها.

في البداية، لم يشعر إلا بحرارة الشمس على وجهه وخشونة الغبار تحت قدميه. أخذ نفسًا بطيئًا، ثم آخر، وحاول تجاهل صرير بوابة الساحة.

شيئًا فشيئًا، أحس بدفء خفيف تحت صدره.

عقد حاجبيه.

كلما ركز عليه، بدا أوضح؛ شيء يتحرك مع أنفاسه، وينساب إلى ذراعيه دون أن يعرف كيف.

«أظنني أشعر به.»

«جيد. وجّه قليلًا منه نحو يديك. قليلًا فقط.»

تخيل الدفء يمتد إلى أصابعه.

أضاءت الكرة.

فتح عينيه، فرأى لونًا أحمر ينتشر في قلب الزجاج. ابتسم والتفت إليها.

«النار؟»

لم تجبه.

تداخل مع الأحمر خيط أزرق، ثم اتسع حتى غطى نصف الكرة. أعقبه لون ترابي، ثم التف حول الألوان بريق أخضر شاحب. اهتز الزجاج بين راحتيه، وراحت الصفائح فوق الطاولة تصدر رنينًا متقطعًا.

تقدمت أريس فجأة.

«توقف عن دفعه.»

«أنا لا—»

أمسكت معصميه.

«ريجار، انظر إليّ. اترك الإحساس يهدأ. لا تحاول الإمساك به.»

زفر بارتباك. خفت الضوء قليلًا، لكنه لم ينطفئ حتى أخذت الكرة من يديه.

ساد الصمت.

نظر إلى الصفائح، ثم إليها.

«هل أفسدتها؟»

كانت تحدق في الكرة.

«كم دفعت من الوهج؟»

«لا أعرف. فعلت ما طلبتِه فقط.»

وضعتها بحذر وفتحت العلبة الخشبية. أخرجت منها حجرًا مسطحًا، حفرت على سطحه دوائر دقيقة تتصل بخطوط متشابكة.

«ضع يدك هنا.»

«هل سيحدث الشيء نفسه؟»

«لهذا سأمسك يدك هذه المرة.»

أعادت أريس الاختبار ثلاث مرات.

في كل مرة، كانت تمسح النقوش بقطعة قماش، وتغير موضع الحجر، ثم تطلب منه المحاولة مجددًا. وحين انتهت، جلست على طرف الطاولة، تنظر إليه بصمت جعل ابتسامته تتلاشى.

«أريس؟»

رفعت رأسها.

«عادةً يميل الجسد إلى نوع معين من السحر. بعض الناس يمتلكون استعدادًا لأكثر من نوع، لكن...»

نظرت إلى الحجر في يدها.

«كل مسار اختبرته استجاب لك. العناصر الأساسية، والأنواع المشتقة، وحتى المسارات النادرة.»

«تقصدين أنني أستطيع تعلمها جميعًا؟»

«جسدك مهيأ لذلك، نعم.»

حدق فيها، منتظرًا أن تستدرك أو تخبره أنه أساء الفهم.

أضافت:

«ولديك من الوهج ما يكفي لإرباك أدوات الفحص. لم أر هذا من قبل.»

أنزل عينيه إلى راحتيه. قبض أصابعه ثم بسطها، كأنه يتوقع أن يرى شيئًا مختلفًا.

جميع أنواع السحر.

عادت الابتسامة إلى وجهه ببطء.

«إذن يمكنني أن أصبح سيافًا سحريًا.»

رفعت أريس حاجبًا.

«هذا أول ما فكرت فيه؟»

«أقاتل بالسيف، وأستخدم السحر معه. أليس ذلك ممكنًا؟»

«ممكن. إذا تعلمت كيف تحمل السيف دون أن تقطع ساقك، وكيف تستخدم الوهج دون أن تسقط مغشيًا عليك.»

نظر إلى الكرة فوق الطاولة.

«ظننتك قلتِ إن لدي الكثير منه.»

«الكثير من الماء لا ينفعك إذا كنت لا تعرف كيف تشرب دون أن تختنق.»

سكت لحظة، ثم تراجع خطوة وانحنى أمامها.

تغير تعبيرها.

«ماذا تفعل؟»

«أشكرك.»

«لقد شكرتني من قبل.»

«أعرف. لكنك آويتني، وأطعمتني، وساعدتني وأنا لا أعرف شيئًا عن هذا المكان.»

رفع رأسه قليلًا.

«وأريد أن أطلب منك معروفًا آخر.»

عقدت ذراعيها، تنتظر.

«علميني ما تعرفينه عن السيف والسحر. سألتزم بما تقولينه، وسأواصل العمل. لن أطلب منك تحمل نفقاتي.»

تأملته أريس، ثم نظرت إلى السيوف المستندة إلى السياج.

«ارفع رأسك أولًا.»

استقام.

مشت إلى السياج، واختارت سيفًا خشبيًا، ثم عادت ومدته إليه.

أخذه بحماس، فأشارت إلى يده.

«أول درس: قبضتك خاطئة.»

في صباح اليوم التالي، اكتشف ريجار أن امتلاك موهبة نادرة لا يجعل الوقوف في وضعية واحدة أقل ألمًا.

كانت أريس تمر خلفه، فتدفع ركبته بطرف سيفها، أو ترفع مرفقه، أو تعيد قدمه إلى موضعها.

«لا تحمل وزنك كله على الساق الأمامية.»

عدل وقفته.

«هكذا؟»

ضربت سيفه ضربة قصيرة، فاختل توازنه واضطر إلى القفز خطوة حتى لا يسقط.

«لو كان كذلك، لما تحركت بهذه الطريقة.»

نظر إليها بضيق، فابتسمت.

«من جديد.»

خلال الأسابيع الأولى، اقتصر تدريبه على الوقفة والخطوات والقطع والصد. لم تسمح له بالحركات الواسعة التي حاول تقليدها، وكانت تلمس صدره بسيفها كلما رفع ذراعه أكثر مما ينبغي.

أما السحر، فبدأ بلهب لا يتجاوز طرف إصبعه.

وجد إشعاله أسهل مما توقع، لكن إبقاءه بالحجم نفسه كان أمرًا مختلفًا. مرة ينطفئ فورًا، ومرة يمتد حتى يلسع حاجبيه.

ضحكت أريس يومها طويلًا.

«قلت لك لهبًا صغيرًا.»

مسح وجهه بكمه.

«كان صغيرًا في البداية.»

تعلم أن يطلق مقدارًا محددًا من الوهج، ثم يوقفه حين يريد. جعل الماء يرتفع قليلًا من وعاء، وحرك التراب في خطوط ضيقة، ودفع أوراقًا يابسة بنفحات من الهواء. كانت النار أسرع استجابة له، فزاد نصيبها من التدريب، دون أن يهمل بقية العناصر.

وحين حاول استعجال تقوية جسده بالوهج، انتهى به الأمر مستلقيًا قرب السياج، وساقه ترتجف من التشنج.

جلست أريس إلى جواره وناولته الماء.

«هل ستسمع كلامي الآن؟»

تناول الكأس وهو يتجنب عينيها.

«على الأرجح.»

«ريجار.»

«نعم، سأسمعه.»

إعلان

كان يعمل، ثم يأتي إلى الساحة، ويعود مساءً بثياب مغبرة ويدين تؤلمانه عند الإمساك بالملعقة. وفي بعض الليالي، نام فوق الكتاب المفتوح قبل أن يكمل الصفحة.

مرت الأسابيع، ثم الأشهر.

صار يستطيع صد ضربات كان يعجز عن رؤيتها في البداية. تعلم أن يتراجع دون أن يعقد ساقيه، وأن يحافظ على توازنه بعد الهجوم، وأن يتوقف عن مراقبة سيف خصمه وحده.

وفي السحر، أصبح أكثر دقة. استطاع إشعال الحطب دون إحراق ما حوله، وجمع الماء في كأس، ورفع حاجز ترابي منخفض. تعلم أيضًا أن يقوي ذراعيه للحظات قصيرة، ثم يخفف الوهج قبل أن يرهق عضلاته.

ظل الجمع بين السيف والسحر أصعب ما يواجهه.

كلما ركز على تعويذة، انكشفت جهة من جسده، فتصل إليها ضربة أريس.

«خصمك لن ينتظر حتى تنتهي.»

«لاحظت ذلك.»

«إذن توقف عن منحه الفرصة.»

بعد خمسة أشهر، وقف ريجار أمامها في الساحة نفسها.

تحركت أريس أولًا.

صد ضربتها وتراجع نصف خطوة. جاءت الثانية نحو كتفه، فمال عنها، ثم أطلق نفحة قصيرة من الهواء أثارت الغبار بينهما.

تحرك إلى الجانب، ومد سيفه.

اصطدم الخشب بالخشب.

وقبل أن يستعيد سلاحه، شعر بطرف سيفها يستقر أسفل أضلاعه.

تجمد.

نظرت إليه من خلال الغبار.

«فكرة جيدة.»

خفض عينيه إلى السيف الملامس لجسده.

«ونهاية سيئة.»

«لأنك توقفت لتتأكد أن خطتك نجحت.»

أبعدت سلاحها، فتراجع وهو يلتقط أنفاسه.

«هل أنا مستعد؟»

عرفت ما يقصده. نظرت إلى يديه، حيث تصلب الجلد عند قواعد أصابعه، ثم أعادت السيف إلى السياج.

«تعلمت الأساسيات. وأصبحت قادرًا على حماية نفسك في بعض المواقف.»

«بعضها؟»

«إذا كنت تبحث عن شخص يضمن لك الطريق كله، فلن تجده.»

أومأ، وقد خفتت ابتسامته.

أضافت:

«لكنني لم أعد أخشى أن تؤذي نفسك كلما أمسكت سيفًا.»

ضحك.

«سأعد ذلك مديحًا.»

في اليوم التالي، أفرغ ريجار مدخراته فوق فراشه.

رتب القطع النقدية في صفوف، ثم قسمها إلى ثلاثة أقسام؛ للمعدات، وللطعام والمبيت، ولما قد يطرأ في الطريق. ظل يتأمل القسم الأول قليلًا، ثم نقل منه بعض القطع إلى الأخير.

حين دخل السوق، لم يتوقف هذه المرة ليتفرج على كل شيء.

بدأ بدكان السلاح.

عرض عليه صاحبه سيفًا مزخرف المقبض، لكنه أعاده بعد سماع السعر. اختار بدلًا منه سيفًا طويلًا بسيطًا، جرب قبضته ووزنه أكثر من مرة، وفحص نصله كما علمته أريس.

اشترى معه درعًا جلديًا خفيفًا تدعمه قطع معدنية عند الصدر والكتفين، ثم حذاءً مناسبًا للسفر وعباءة تتحمل المطر.

وفي متجر صغير للأدوات السحرية، توقف أمام خاتم فضي باهت.

قال البائع:

«للإضاءة. تدفع فيه قليلًا من الوهج، فينير لك الطريق.»

«وكم يستمر؟»

«ما دمت تمده بالطاقة.»

جربه ريجار، فظهر فوق الحجر ضوء أبيض ثابت. غطاه بكفه، ثم أبعدها، وابتسم.

كان ضمن ما يستطيع شراءه.

أكمل حاجاته بقربة ماء، وحبل، وحجر لشحذ السيف، وضمادات، وطعام جاف، وخريطة للطرق القريبة.

وعندما عاد، جعلته أريس يفرغ الحقيبة ويعيد ترتيبها.

رفعت الضمادات من قاعها.

«هل ستطلب ممن يهاجمك الانتظار حتى تخرج ملابسك؟»

أخذها منها ووضعها في جيب جانبي.

«كنت سأحاول التفاهم معه.»

«خذ طعامًا أكثر. قد يكون أقل لطفًا مني.»

في صباح رحيله، استيقظ ريجار قبل أن تناديه.

طوى الغطاء، وتأكد من إغلاق حقيبته، ثم أخرج هاتفه من تحت الوسادة. ضغط زره، فأضاءت الشاشة التي صار يفتحها نادرًا.

تأملها لحظة، ثم أطفأ الجهاز ولفه بقطعة قماش ووضعه بين ملابسه.

كانت أريس تنتظره قرب الباب، تحمل صرة صغيرة.

«خبز وبعض الجبن. كُل منهما اليوم.»

أخذها ووضعها في حقيبته.

«أظن أن معي طعامًا يكفي.»

«وأظن أنك ستنسى الأكل حين تنشغل بالطريق.»

لم يجادلها.

رافقته حتى بوابة المدينة. مرت بجوارهما عربات وتجار ومسافرون، بينما امتد الطريق وراء الحراس بين الحقول.

توقف ريجار قرب البوابة، وعدل حزام سيفه.

«سأتبع الطريق الرئيسي إلى المدينة التالية. وسأسأل عن حال الطريق قبل أن أتابع.»

«ولا تدخل الغابة بحثًا عن اختصار.»

ابتسم.

«ولا أدخل الغابة.»

نظرت إلى مشبك حقيبته، وشدته مرة أخيرة رغم أنه كان محكمًا.

تابع أصابعها لحظة، ثم قال:

«أريس.»

رفعت عينيها.

«لن أنسى ما فعلته من أجلي.»

فتحت فمها، لكنه أكمل:

«أعرف أنك ستقولين إنني شكرتك بما يكفي، لذلك اسمعيني هذه المرة. حين وصلت، لم يكن لي أحد هنا. لولاك...»

توقف، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

«سأرد لك الجميل يومًا ما. أعدك.»

لان وجهها.

«عُد سالمًا أولًا.»

أومأ، ثم أخذ نفسًا كأنه يستعد لمبارزة أخرى.

«وعندما نلتقي مرة أخرى، سأتزوجك.»

بقيت تنظر إليه.

ثم احمر وجهها.

«أهذا ما تقوله وأنت على وشك الرحيل؟»

شعر بحرارة تصعد إلى وجهه أيضًا، لكنه لم يخفض عينيه.

«لو انتظرت أكثر، ربما لم أجرؤ على قوله.»

ضمت أريس يديها أمامها، ثم نظرت إلى الطريق خلفه قبل أن تعود إليه.

«أيها الأحمق... انتبه لنفسك.»

تردد صوتها لحظة.

«ولا تنسَ وعدك.»

اتسعت ابتسامته، وخرجت منه ضحكة قصيرة، مرتاحة.

«لن أنساه أبدًا.»

خطا إلى الخلف، ثم رفع يده ملوحًا لها.

ظلت قرب البوابة تراقبه، فلوح مرة أخرى قبل أن يستدير ويلحق بالطريق.

كان ينوي أن يجوب قارة إيستوزا، أن يرى المدن التي عرف أسماءها من الخرائط، ويتعلم ما لم تستطع الكتب ولا ساحة التدريب أن تعلمه.

لكن حين التفت للمرة الأخيرة ورأى أريس ما تزال واقفة مكانها، تباطأت خطواته قليلًا وشعرب الحزن.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق