الفصل 3

الفصل الثالث: كسب المال

1,832 كلمة · 9 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الثالث: كسب المال

استيقظ ريجار ويده تحت الوسادة.

أخرج هاتفه وضغط الزر الجانبي. أضاءت الشاشة، وظهرت الرسالة التي حاول إرسالها ليلة أمس، وإلى جوارها علامة فشل الإرسال. ظل ينظر إليها حتى خفت الضوء، ثم أغلق الهاتف قبل أن يستنفد ما بقي من شحنه.

جلس على حافة الفراش. خفّ الألم في عنقه، ولم تعد الغرفة تدور حين يحرك رأسه. من الخارج تناهى صرير عجلة وصوت بائع ينادي على الخبز.

كان يريد أن يفهم أين وقع، وكيف يعود. أما التحديق في هاتفه كل بضع دقائق فلن يخبره بشيء جديد.

وجد أريس تضع إبريقًا على الطاولة.

«صباح الخير. هل توجد مكتبة قريبة؟»

نظرت إليه، ثم إلى المقعد الفارغ.

«صباح الخير لك أيضًا. اجلس أولًا.»

جلس، فأزاحت نحوه طبق الخبز.

«ماذا تريد من المكتبة؟»

«خريطة أفضل، وشيئًا عن تاريخ هذه البلاد... وعن السحر.»

«ستجدها قرب ساحة السوق. مبنى حجري بجانب دار النسّاخ.»

شرحت له الطريق، فكرر أسماء المنعطفات ليتذكرها. وعندما نهض، سألها عن الطريق مرة أخرى.

ابتسمت.

«انعطف عند البئر، لا تدخل الزقاق الذي خلفها. سيعيدك إلى هنا.»

«إذن أعرف طريق العودة على الأقل.»

دفع باب المكتبة، فاستقبله هواء بارد تفوح منه رائحة الورق والجلد. امتدت الرفوف حتى آخر القاعة، وبينها طاولات تآكلت حوافها من كثرة الاستعمال.

رفع رجل مسن رأسه من خلف مكتب.

«تبحث عن كتاب معين؟»

«اريد كتب أبدأ بها. تاريخ إيستوزا، وأصول السحر، والوحوش التي تعيش قرب المدن.»

تأمله الرجل قليلًا، ثم قاده إلى رف منخفض. وقبل أن يمد ريجار يده، سأله بخفوت:

«هل المطالعة هنا بأجر؟»

«القراءة مجانية. استعارة الكتب ليست كذلك.»

تنفس ريجار براحة وأخذ ثلاثة مجلدات.

عند الطاولة، توقف أمام عنوان الأول. كانت الحروف مختلفة عن الحروف التي يعرفها، ومع ذلك فهم الكلمات. مرر إصبعه تحت السطر وقرأه مرة أخرى. لم يعرف كيف يفعل ذلك، كما لم يعرف كيف فهم أريس منذ لقائهما. قلّب الصفحة ببطء، باحثًا عما قد يفسر الأمر.

امتدت خريطة القارات الثلاث على صفحتين. وجد إيستوزا في الجنوب الشرقي، وتتبع بإصبعه جبالها وغاباتها وسواحلها، وصولًا إلى الصحارى. وصفها المؤلف بأنها أجمل القارات وأغناها بالأراضي الزراعية والموارد، لكن حدودها المتزاحمة بدت لريجار أقل طمأنينة من ذلك الوصف.

ثماني ممالك كبيرة، وإلى جوارها اسم تكرر بين حدود متقطعة: كدنة.

«المملكة المفككة»، قرأ بصوت خافت.

بحث عن دورث حتى وجدها، ثم حاول تحديد موضع أمراج داخلها. هناك كان الآن؛ نقطة صغيرة في خريطة لم يرها في حياته.

بدأ فصل التاريخ بوصول شعب النورم إلى غرب القارة، ورسو سفنهم في منطقة تُسمى الرقبة. أسسوا هناك مملكة مونتن بيس، وحملوا معهم معرفة وأسلحة غيّرت حياة القارة التي سكنها البشر البدائيون والدروك ومخلوقات أخرى.

وعند حديث الكتاب عن توسعهم، ظهرت صورة محارب ضخم يواجه رجالًا يحملون رماحًا ودروعًا حديدية. قرأ التعليق أسفلها: أحد الدروك.

توقف عند الصورة. ما بدا على الصفحات السابقة حكاية تأسيس مملكة، بدأ هنا يأخذ شكل مطاردة شعب آخر. وضع علامة ورقية عند بداية ذلك الفصل، ثم انتقل إلى كتاب السحر؛ كان يبحث عن شيء أقرب إلى ما حدث له.

وجد في صفحاته الأولى كلمة تكرر شرحها: الوَهَج.

إنه الطاقة التي يستخدمها الساحر لإحداث السحر. أما القدرة على توجيهه، ومقدار ما يحتمله الجسد منه، فلا يستوي فيهما الناس.

«مثل المانا...» تمتم، ثم تابع القراءة.

النار والماء والأرض والرياح هي أصول السحر العنصري؛ يتحكم الساحر بعنصره ويؤثر فيه بقدر معرفته ومهارته. لكن فهم الوصف لم يكن كافيًا لاستعماله. كانت الصفحات التالية مليئة بتدريبات الإحساس بالوهج وضبطه، وتحذيرات من محاولة دفع الجسد إلى ما لم يتدرب عليه.

نظر إلى راحته ومد أصابعه تحت الطاولة.

انتظر.

لم يحدث شيء.

أعاد يده إلى الكتاب قبل أن يلاحظه أحد.

وفي الفهرس وجد أبوابًا عن فنون أقل شيوعًا، منها تشكيل المعادن والشفاء والحماية. استوقفه سحر التنبؤ؛ فلم يقتصر وصفه على شوف المستقبل، بل شمل إدراك ما يقع خارج حدود الحواس، وأشار إلى إمكان النظر إلى أبعاد أخرى.

قرب الكتاب منه.

أبعاد أخرى.

قرأ الفقرة مرتين، ثم حمل المجلد إلى أمين المكتبة.

«هل يوجد في أمراج من يعرف هذا السحر؟»

نظر الرجل إلى موضع إصبعه.

«لا أعرف أحدًا. أصحابه نادرون.»

«وهل توجد كتب أكثر عنه؟»

«توجد إشارات في كتب الرحالة. أستطيع البحث عنها، لكن لا تنتظر أن تحمل كل حكاية تفسيرًا صحيحًا.»

شكره ريجار وعاد إلى مقعده. لم يجد طريق العودة، لكنه وجد شيئًا يستطيع أن يسأل عنه.

قبل مغادرته، فتح دليل الوحوش. تجاوز الرسوم الكبيرة التي احتلت صفحات كاملة، وتوقف عند فصل الآفات القريبة من المزارع. كانت أخطارها أصغر، لكنها أقرب إليه من تنين يسكن جبلًا لا يعرف موضعه.

قرأ عن جرذان الحفر: قوارض بحجم القطط، تقرض الخشب بأنيابها وتفسد مخازن البذور. جماجمها صلبة، أما أسفل الرقبة فأقل حماية. تتجنب الأرض المكشوفة، وتفضل الجري بمحاذاة الجدران.

حين رفع رأسه، كان الضوء قد انتقل إلى الطرف الآخر من الطاولة.

وجد أريس في المنزل عند الظهيرة، تحمل سلة صغيرة. أخذها منها ووضعها على الطاولة.

«هل عرفت ما أردت؟» سألت.

«عرفت ما يكفي لأدرك كم أجهل هذا المكان.»

أخبرها عن الكتب، ثم تردد قبل أن يسأل:

«كيف أستطيع كسب المال هنا؟»

رفعت نظرها إليه.

«بهذه السرعة؟»

«سأحتاج إلى الطعام والكتب ومكان أقيم فيه. لا أستطيع أن أتركك تتحملين كل شيء.»

«لم أطلب منك الرحيل.»

«أعرف. ولكن....»

سكتت لحظة، ثم جلست.

«يمكنك أن تبيع في السوق. أو تسجل اسمك في ديوان الجوالة.»

شرحت له أن الديوان يشتري الوحوش المقتولة وما يُنتفع به من أجزائها، ويعرض كذلك أعمالًا يدفع الناس مقابل إنجازها؛ من مرافقة التجار إلى نقل المؤن والمساعدة في شؤون المدينة.

«ولا تبدأ بمرافقة قافلة إلى آخر المملكة»، أضافت.

«لماذا؟»

«لأنك احتجت هذا الصباح إلى شرح طريق المكتبة مرتين.»

فتح فمه ليعترض، ثم ضحك.

«هذه حجة مقبولة.»

كان ديوان الجوالة أشد ضجيجًا من المكتبة. وقف رجل يناقش ثمن جلد على منضدة جانبية، بينما ازدحم آخرون أمام أوراق معلقة قرب المدخل.

تصفح ريجار الأعمال. توقف عند أجرة مرافقة تاجر، ثم رأى مدة الرحلة فأعاد الورقة. حمل الصناديق متاح أيضًا، لكنه امتد إلى أيام. أراد عملًا قريبًا ينتهي في يوم، يختبر به قدرته دون أن يبتعد عن أمراج.

وجد طلبًا للتخلص من ثلاثة جرذان حفر في مخزن بذور عند الحقول الشرقية. تحته مكافأة مقدارها اثنتا عشرة قطعة نحاسية.

قرأه مرة ثانية، ثم أخذه إلى الموظفة.

«أريد التسجيل، وأخذ هذه المهمة.»

«اسمك؟»

«ريجار.»

دونته في سجلها.

«هل سبق أن قاتلت جرذان الحفر؟»

«لا. قرأت عنها اليوم.»

توقفت الريشة.

«هل تجيد استعمال سلاح؟»

قالت أريس من جواره.

إعلان

« سادربة قبل أن يخرج وسأرافقه لحمايته.»

نظرت الموظفة إليهما، ثم شرحت شروط المهمة: التسليم من بوابة الفحص الخلفية، وإحضار الجثث مع إقرار صاحب المخزن. أما رسوم التسجيل فيمكن خصمه من أول مكافأة، ومعه أجرة سيف بسيط من مستودع الديوان.

خرج ريجار يحمل السيف بعيدًا عن جسمه، كأنه يخشى أن يطعن نفسه.

قضى بقية العصر يتدرب في الساحة خلف المنزل. صححت موضع يديه ووقفة قدميه، وجعلته يطعن كيسًا محشوًا بالقش، ثم يسحب الرمح ويستعيد توازنه. لم تكن هذه الحركات القليلة لتجعله مقاتلًا، لكنه صار يعرف على الأقل كيف يمنع السلاح من جذبه إلى الأمام.

بعد محاولات قليلة، بدأ كتفاه يؤلمانه.

«في الكتب يبدو الأمر أقصر.»

أريس«الكتاب لا يتعب.»

وعندما اختلت طعنته التالية، تركته يعيدها.

وصلا إلى الحقول في صباح اليوم التالي. قادهما صاحب المخزن إلى بناء صغير قرب قناة ري قديمة، وأراهما أسفل الباب المقروض والبذور المتناثرة.

«رأيت ثلاثة تدخل تحت الخشب. حاولت طردها أمس، فمزقت ساق سروالي.»

تأمل ريجار أكوام الألواح الملاصقة للجدار. كانت آثار القرض تقود إليها، وعلى الجانب الآخر مساحة مكشوفة تنتهي بالطريق.

قال لأريس:

«تجري بمحاذاة الجدران إذا خافت. نستطيع أن نجعل لها مخرجًا واحدًا.»

استخدما الألواح السليمة لسد الفجوات، وتركا ممرًا ضيقًا بجانب قناة الري. وقفت أريس تسند اللوح الأخير، فيما اتخذ ريجار موضعه عند نهاية الممر. ثم طلب من صاحب المخزن أن يحرك الخشب بعصاه من الجهة المقابلة.

سمع خشخشة، فشد قبضته على الرمح.

خرج الجرذ الأول ورأسه قريب من التراب. كان أكبر مما تخيله من الرسم. ظهرت أنيابه الصفراء حين انحشر بين اللوحين، ثم اندفع نحوه.

طعن ريجار مبكرًا.

ضرب رأس الرمح الأرض، ووصل الجرذ إلى حذائه قبل أن يستطيع سحبه. تراجع مذعورًا واصطدم كعبه بحافة القناة.

«ثبّت قدميك!»

خفض الرمح بعرض الممر، دافعًا الوحش بعيدًا بساق الرمح الخشبية. احتك ناباه بالخشب. هذه المرة انتظر حتى رفع رأسه، ثم سحب الرمح وأدار سنه نحوه، وطعنه أسفل الرقبة.

ارتج جسد الحيوان. كاد ريجار يفلت السلاح، لكنه ضغط بكلتا يديه حتى خمدت الحركة.

ظل واقفًا، أنفاسه سريعة وعيناه معلقتان بما فعل.

«ريجار. انظر إليّ.»

رفع وجهه نحو أريس.

«هل تستطيع المتابعة؟»

ابتلع ريقه، ثم أومأ.

«انتظري قليلًا.»

لم تستعجله. بقيت تسند اللوح حتى استقرت يداه.

مع الجرذ الثاني، أبقى رأس الرمح منخفضًا وترك مسافة أكبر بينه وبين المخرج. أخطأ موضع الطعنة الأولى، لكنه حافظ على توازنه هذه المرة، وقتله بالثانية.

أما الثالث فلم يدخل الممر. اندفع إلى فجوة خلف اللوح الذي تمسكه أريس، فضربه بثقله. انزلقت قدمها في التراب، وظهر رأسه إلى جوار ساقها.

تحرك ريجار نحوه.

«ابقَ عند المخرج!» قالت، وهي تضغط اللوح بركبتها.

توقف. لو ترك مكانه، لخلا الطريق أمامه.

أعاد توجيه الرمح وانتظر. ارتد الجرذ عن اللوح، ثم اندفع عبر الممر المفتوح. تلقاه ريجار بطعنة مائلة، واضطر إلى دفعه عن السلاح قبل أن يسقط على جانبه.

ساد الهدوء، إلا من تنفسه الثقيل.

أنزلت أريس اللوح. اقترب منها فورًا.

«ساقك؟»

«خدش من الخشب.»

نظر إلى القطع الصغير في كمها، ثم إلى ركبتها المغبرة.

«كان عليّ تثبيت اللوح بحجر.»

«في المرة المقبلة نفعل ذلك.»

قالتها ببساطة، وانحنت تلتقط الحبل. أخذ ريجار اللوح من طريقها قبل أن يساعدها.

أعطاهما صاحب المخزن كيسًا للجثث، ووقّع ورقة المهمة بعد أن فحصا الموضع بحثًا عن جرذان أخرى. وحين بلغا ديوان الجوالة، سلّم ريجار الرمح، ثم أفرغا الكيس عند بوابة الفحص. تحقق العامل من الجثث وعددها، وأضاف ثمن الجلود الصالحة إلى إقرار المهمة.

وضعت الموظفة النقود أمام ريجار.

«اثنتا عشرة للمهمة، وثلاث للجلود. نخصم قطعتين للتسجيل، وواحدة لأجرة الرمح. يتبقى لك اثنتا عشرة.»

جمعها ببطء. كانت قطعًا صغيرة داكنة، في أطراف بعضها تآكل واضح. قلب إحداها بين أصابعه، وتذكر مقدار ما ارتجفت يداه قبل ساعات.

في الخارج، عد ست قطع ووضعها في يد أريس.

«نصيبك.»

نظرت إلى النقود.

«أردت مساعدتك على البدء.»

«ولولاك لاضطررت إلى ترك الرمح والإمساك بذلك اللوح.»

تفحصت الشظية العالقة في كمها، ثم أغلقت كفها على القطع.

«حسنًا. لكنك تحمل المشتريات إلى المنزل.»

«ما دامت لا تعض.»

اشتريا خبزًا وعدسًا وقليلًا من الخضراوات. وعند عربة صغيرة قرب السوق، أبطأت أريس أمام أقراص حلوة يكسوها العسل.

لاحظ ريجار نظرتها، فاشترى قرصًا واحدًا.

«كنت سأحتفظ ببقية مالي»، قال، وهو يقسمه بينهما، «لكن هذا يبدو استثمارًا معقولًا.»

أخذت نصفها.

«في ماذا؟»

«في أن تصبري على أسئلتي غدًا.»

ضحكت، ثم أشارت إلى القطعة الأكبر التي أعطاها إياها.

«بهذا المقدار؟ سؤالان فقط.»

وفي المنزل، أصرت أن يجلس حين رأت مشقة رفع ذراعه. تولت إعداد الطعام، وتركته ينظف الخضراوات عند الطاولة. سألها عن أول مال كسبته، فأخبرته عن ثياب أوصلتها إلى خياط في السوق، وعن الحزمة التي سقطت منها في بركة ماء قبل بلوغ بابه.

«هل دفع لك؟»

«بعد أن غسلتها.»

«إذن جرذاني أرحم من خياطك.»

«اسأل كتفيك غدًا.»

حين انشغلت بالقدر، أخرج هاتفه من جيبه. لم يشغله؛ اكتفى بمسح الغبار عن حافته بإبهامه.

وضعت أريس الوعاء أمامه، ثم جلست.

«تفكر في أهلك؟»

أومأ.

«أفكر في أنهم لا يعرفون أين أنا.»

ظل ينظر إلى الشاشة السوداء.

«حتى لو تأخرت عودتي... أريد أن يعرفوا أنني بخير.»

لم تجبه فورًا. قربت إليه الخبز، ثم قالت:

«غدًا نعود إلى المكتبة، ونسأل عن الكتب التي ذكرها الرجل.»

رفع عينيه.

«ستملّين الجلوس هناك.»

«ربما. تستطيع أن تقرأ لي شيئًا.»

نظر إلى الطعام بينهما، ثم وضع الهاتف إلى جوار طبقه، والشاشة إلى أسفل.

«عن ماذا؟»

فكرت قليلًا.

«عن وحش لا يحتاج قتله إلى حمل لوح ثقيل.»

ضحك ريجار، فأزاحت القدر نحوه ليملأ وعاءه. هذه المرة مد يده من غير أن ينتظر منها دعوة أخرى.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق