الفصل 2

الفصل الثاني: مكان غريب

1,407 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الثاني: مكان غريب

فتح ريجار عينيه قليلًا.

كانت الأرض تتحرك تحته، تقترب ثم تبتعد مع اهتزاز جسده. رأى عشبًا يمر قربه، وطرف ثوب يتأرجح أمام وجهه. ضغط شيء صلب على بطنه، وكانت ذراعاه متدليتين، لا تكادان تستجيبان له.

كان أحدهم يحمله.

حاول رفع رأسه، لكن ألمًا خافتًا امتد من مؤخرة عنقه إلى كتفيه. خرج من حلقه صوت ضعيف، ابتلعته وقع الخطوات.

«لقد تحرك…»

وصلته الكلمات بعيدة ومشوشة. أراد أن يسأل عمن يتحدث، وعن المكان الذي يأخذونه إليه، إلا أن عينيه انغلقتا قبل أن يميز الوجه المنحني نحوه.

وغاب عن الوعي مرة أخرى.

---

حين استيقظ، كان جسده ساكنًا.

ظل ينظر إلى السقف فوقه. امتدت عوارض خشبية داكنة بين ألواح أفتح لونًا، وتدلت من إحداها حزمة صغيرة من الأعشاب المجففة.

رمش ببطء.

لم يكن ذلك سقف غرفته.

أدار رأسه إلى اليمين، فرأى طاولة عليها إبريق فخاري وكأس، وكرسيًا أُلقي فوق ظهره ثوب مطوي. إلى اليسار، قامت خزانة قصيرة بمحاذاة جدار مطلي بلون باهت. كانت الغرفة هادئة، تتسلل إليها أصوات متداخلة من نافذة مفتوحة.

دفع الغطاء عن صدره وجلس. باغتته دوخة أجبرته على التمسك بحافة الفراش، فانتظر حتى هدأت، ثم تحسس جيوبه.

هاتفه.

أخرجه بسرعة وضغط الزر الجانبي. أضاءت الشاشة، فزفر بشيء من الارتياح، لكن نظره استقر على رمز الشبكة.

لا توجد خدمة.

حاول الاتصال على أي حال. فشل الاتصال، فأعاده، ثم حدق في الشاشة لحظة قبل أن ينهض.

اقترب من النافذة مستندًا إلى الجدار.

في الخارج، امتد شارع ضيق بين منازل ذات أسقف مائلة. برزت عوارض خشبية من واجهاتها، وتدلت فوق بعض الأبواب لافتات مرسومة. مرت عربة يجرها حصان، فتنحى رجل يحمل سلة ليفسح لها الطريق، ثم عاد يجادل امرأة أمام بسطة خضار.

راح ريجار ينظر أبعد، باحثًا عن سيارة، أو عمود إنارة، أو حتى سلك كهرباء.

لم ير شيئًا من ذلك.

كانت المباني والملابس والعربة تشبه صور المدن الأوروبية في العصور الوسطى، لكن الشارع لم يبدُ كديكور أُعد للتصوير. رأى ماءً متسخًا ينساب قرب الحجارة، وصبيًا يركض حافيًا خلف العربة، وامرأة تنفض قطعة قماش من نافذة مقابلة.

قبض على حافة النافذة.

«أين أنا بحق السماء؟»

انفتح الباب خلفه.

استدار بسرعة، فاضطر إلى الإمساك بالجدار حين عادت الدوخة. دخلت امرأة تحمل صينية صغيرة، وتوقفت عند رؤيته واقفًا.

«لقد استيقظت، الحمد لله.»

وضعت الصينية على الطاولة واقتربت منه.

«تمهل. لا تبدو قادرًا على الوقوف بعد.»

نظر إليها، ثم إلى الباب المفتوح خلفها.

«هل هذا منزلك؟»

«نعم. اجلس أولًا.»

قادته إلى حافة الفراش، ثم صبت له بعض الماء. أخذ الكأس بكلتا يديه وشرب، ولم ينتبه إلى شدة عطشه إلا حين فرغ منها.

جلست المرأة على الكرسي المقابل.

«ما الذي كنت تفعله وحدك في الغابة؟»

أنزل الكأس عن فمه.

عادت إليه صور متقطعة؛ الطريق خارج المطعم، والرائحة الغريبة، والأشجار التي ظنها سرابًا. ثم الغابة، وما حدث فيها.

«أنا… لا أعلم حقًا.»

عقدت حاجبيها.

«كيف لا تعلم؟»

«كنت عائدًا إلى منزلي. كنت أسير في الشارع، ثم… وجدت نفسي هناك.»

انتظرت أن يكمل. وحين لم يفعل، مالت نحوه قليلًا.

«هل ضللت الطريق؟ هل كان معك أحد؟»

«لا. كنت وحدي.»

مرر يده على وجهه، ثم رفع رأسه إليها.

«من أنتِ؟ وأين أنا؟ يجب أن أعود إلى مدينتي. هل يوجد هاتف أستطيع استخدامه؟ أو مكان يمكنني—»

«اهدأ. سؤال واحد في كل مرة.»

«كيف أهدأ وأنا لا أعرف حتى أين أنا؟»

خرج صوته أعلى مما قصد. سكت، ونظر إلى الكأس بين يديه.

«آسف… لكنني لا أفهم ما يحدث.»

بقيت المرأة صامتة لحظة، ثم قالت بنبرة أبطأ:

«أنت في مدينة أمراج، التابعة لمملكة دورث.»

رفع عينيه.

«مملكة ماذا؟»

«دورث.»

«وفي أي دولة تقع؟»

بدت الحيرة على وجهها.

«دورث هي المملكة. نحن في قارة إيستوزا.»

حدق فيها ريجار.

«إيستوزا… دورث… أمراج…»

ردد الأسماء كأنه يحاول تذكر موضع سمعها فيه، ثم هز رأسه.

«لم أسمع بأي من هذه الأماكن من قبل.»

نظرت إلى ملابسه الغريبة عنها، ثم عادت تنظر إلى وجهه.

«من أي بلاد جئت؟»

لم يجب.

كان يفكر في الأشجار التي ظهرت وسط الطريق. يومها حاول تفسير ما رآه بالتعب، ثم ظن أنه ضل طريقه، لكن النافذة أمامه كانت تطل على مدينة لا يستطيع تفسير وجودها.

تسللت إلى ذهنه فكرة جعلته يشد أصابعه حول الكأس.

هل انتقلت إلى عالم آخر؟

كاد يضحك من سخافة الفكرة، إلا أن الضحكة لم تخرج.

قال فجأة:

«هل لديك خريطة؟»

«خريطة؟»

«نعم. أريني إياها، من فضلك.»

إعلان

تأملته قليلًا، ثم نهضت.

«انتظر هنا.»

خرجت من الغرفة، ففتح هاتفه مجددًا. بحث في تطبيق الخرائط، لكن الشاشة لم تعرض موقعه. ظل يحركها بإصبعه، ويعيد المحاولة، إلى أن سمع خطواتها تعود.

أخفى الهاتف في جيبه دون تفكير.

حملت المرأة لفافة قديمة، وأزاحت الإبريق لتفردها فوق الطاولة. وضعت الكأس على إحدى حافتيها حتى لا تلتف.

اقترب ريجار وانحنى فوقها.

كانت الخريطة مرسومة بالحبر، تتوزع عليها أسماء مدن وممالك، وتمتد في وسطها سلسلة طويلة من الجبال. تتبع بعينيه السواحل، ثم انتقل إلى اليابسة المقابلة.

لم يجد شكلًا مألوفًا.

لا شبه الجزيرة العربية، ولا البحر الأحمر، ولا القارات التي يعرفها.

أشارت المرأة إلى موضع صغير.

«هذه أمراج. والغابة التي وجدناك فيها هنا، إلى الغرب.»

تبع إصبعها بصمت.

«هل هذه خريطة العالم كله؟»

«الأراضي المعروفة، على الأقل. ليست حديثة، لكنها تفي بالغرض.»

عاد ينظر إلى أطرافها، باحثًا عن أي شيء يمنحه سببًا للاعتراض. ربما كانت خريطة مختلقة. ربما كان الأمر خدعة غريبة، وكان هناك تفسير سيجعله يشعر بالحماقة لاحقًا.

لكن من سيبني مدينة كاملة من أجل خدعة؟ وكيف وصل إليها؟

ابتعد عن الطاولة وجلس على الفراش.

«أنا في عالم آخر فعلًا…»

«ماذا قلت؟»

رفع رأسه نحوها، ثم هزه.

«لا شيء.»

لم يكن مستعدًا لشرح فكرة لا يزال عاجزًا عن تصديقها.

طوت المرأة الخريطة ببطء، ثم قالت:

«لم نتعارف بعد. اسمي أريس.»

نظر إليها، كأنه تذكر وجودها للتو.

«ريجار. اسمي ريجار.»

«حسنًا يا ريجار، من أين أنت؟ ربما نستطيع العثور على تاجر يعرف بلادك.»

فتح فمه، ثم تردد.

كان اسم بلاده جوابًا بسيطًا قبل ساعات. الآن لم يعرف إن كان سيعني لها شيئًا أصلًا.

«من المملكة العربية السعودية.»

كررت أريس الاسم بتأنٍّ، ثم عقدت حاجبيها.

«أين تقع تلك المملكة؟»

خفض نظره إلى يديه.

«أظنها… في مكان بعيد جدًا عن هنا.»

انتظر سؤالًا آخر، لكنها اكتفت بهزة خفيفة من رأسها، ثم قربت الصينية منه. كان عليها خبز ووعاء حساء.

«كُل الآن. يمكننا التحدث حين تستريح.»

أمسك الملعقة، لكنه ظل ينظر إلى الطعام دون أن يبدأ.

قال بصوت منخفض:

«شكرًا لأنك ساعدتني.»

«لم يكن من المعقول أن نتركك في الغابة.»

ثم نهضت، وعند الباب التفتت إليه.

«ولا تحاول الخروج وحدك. إذا تحسنت بعد الطعام، فسأريك الحي بنفسي.»

---

بحلول العصر، خفت الدوخة بما يكفي ليخرج معها.

توقف ريجار عند عتبة المنزل، يراقب الشارع الذي رآه من النافذة. كانت الأصوات أعلى في الخارج، والرائحة خليطًا من الخبز والدخان والتراب الرطب. مر رجل قريب منهما يحمل قفص دجاج، فاضطر ريجار إلى التراجع ليفسح له الطريق.

التفتت أريس إليه.

«ابقَ قربي. الأزقة هنا متشابهة لمن يراها أول مرة.»

سار معها ببطء.

أرته البئر التي يستخدمها أهل الحي، ثم الطريق المؤدي إلى السوق. عند زاوية الشارع، أشارت إلى مخبز صغير، وقالت إن صاحبه يغلق باكرًا، قبل أن تشير إلى برج حجري يرتفع فوق الأسقف.

«إذا تهت، فابحث عن برج الحراسة ذاك. منزلنا في الشارع خلفه.»

حاول حفظ الطريق، لكنه كان يتوقف بعينيه عند كل شيء؛ العملات في يد مشترٍ، والسيوف عند خصور الحراس، وطريقة نداء الباعة على بضائعهم.

كان يفهم كلامهم.

لم ينتبه إلى غرابة ذلك حين تحدث مع أريس، لكنه الآن يسمع عشرات الغرباء ويفهمهم جميعًا. كاد يسألها عن اللغة، ثم سكت. لم يعرف كيف يصوغ السؤال دون أن يزيد حيرتها تجاهه.

في السوق، مدت له أريس ثمرة صغيرة اشترتها من إحدى البسطات.

«تبدو كأنك لم تر سوقًا في حياتك.»

أخذها منها، ونظر حوله.

«لم أر سوقًا كهذا.»

ابتسمت، ثم واصلت السير.

---

في تلك الليلة، استلقى ريجار على الفراش، ووضع هاتفه فوق صدره.

فتح صورة قديمة، وظل يتأمل الوجوه فيها. قبل وقت قصير، كان يستطيع الوصول إلى أصحابها بمكالمة. الآن لم يعرف حتى إن كانت السماء فوقهم هي السماء نفسها التي رآها من نافذة أريس.

كتب رسالة قصيرة:

«أنا بخير.»

ضغط إرسال.

بقيت علامة الفشل بجانبها.

أطفأ الشاشة قبل أن تنفد البطارية، ووضع الهاتف تحت الوسادة. ثم أدار وجهه نحو النافذة، حيث لم يبقَ خارجها إلا جزء من سقف مجاور وشريط ضيق من السماء.

تذكر غرفته، واللعبة التي تركها، والوحش الذي كان ينوي هزيمته حين يعود من المطعم. بدت تلك الأفكار قريبة على نحو مؤلم؛ أشياء تخص يومه نفسه، ومع ذلك لا يستطيع الوصول إليها.

هل يبحث عنه أحد الآن؟ وهل بقي في الطريق أثر يدل على المكان الذي اختفى فيه؟

شد الغطاء إلى صدره.

كان قد أحب فكرة الذهاب إلى عالم آخر حين كانت قصة يقرؤها أو لعبة يستطيع إغلاقها. أما الآن، فكان يتمنى أن يسمع صوت سيارة تحت النافذة، أو رنين هاتفه، أو أي صوت يعرفه.

أغمض عينيه، ثم فتحهما مرة أخيرة على العوارض الخشبية.

ما زال هنا.

ظل يصغي إلى أصوات المنزل حتى هدأت، ومع ثقل التعب بدأت أفكاره تتقطع. وقبل أن يغلبه النوم، مد يده تحت الوسادة، وأطبق أصابعه على هاتفه.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق