الفصل 1

الفصل الأول: رحلة إلى المجهول

1,484 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الأول: رحلة إلى المجهول

ما إن ظهرت أسوار القلعة على الشاشة حتى قرّب ريجار كرسيه من المكتب، ووضع أصابعه فوق لوحة المفاتيح. كان جنوده ينتظرون أمام البوابة الشرقية، التي عجز عن اختراقها في محاولتيه السابقتين.

«لن أهاجم البوابة مجددًا.»

حرّك شخصيته إلى التلة المقابلة للسور، ثم فتح قائمة الأوامر. ترك عددًا قليلًا من الجنود أمام البوابة، وأخفى البقية في الممر المحاذي للتلال. حين بدأ رجاله بالتراجع، خرج المدافعون لملاحقتهم. أبقى إصبعه فوق الزر حتى تجاوز آخر فرسان العدو المنعطف.

«الآن.»

اندفع رجاله من الجانبين. أغلق قائمة القيادة، واندفع بشخصيته من التلة إلى ساحة القتال. تعالت ضربات السيوف في سماعتيه، وامتلأت الشاشة بالغبار. أفلت من ضربة القائد المعادي، التف حوله، ثم ضغط الزر مرّتين متتاليتين.

سقط القائد. ظهرت كلمة «النصر» فوق الأسوار، وأخذت الرايات الحمراء تختفي من الخريطة.

«أخيرًا!»

رفع قبضته، ثم استند إلى ظهر الكرسي ضاحكًا. استغرقه الاستيلاء على تلك المنطقة يومين، وها هي الآن جزء من مملكته. مرّر المؤشر فوق الأراضي الجديدة، يتفحص مواقع المناجم والقرى، وبدأ يوزع أوامر البناء قبل أن تهدأ موسيقى الفوز.

سيصلح الجسر أولًا. أما البرج الحجري عند الحدود، فسيتولى أمر الوحش الذي يحرسه بنفسه.

صدر صوت طويل من بطنه. توقف المؤشر فوق البرج. نظر إلى الكوب الفارغ بجوار الشاشة، ثم إلى الساعة، وحاول تذكّر آخر شيء أكله.

«حسنًا... سيبقى البرج مكانه.»

حفظ تقدّمه، ونزع السماعتين. حين نهض، شعر بثقل في ساقيه، فتمدد قليلًا قبل أن يلتقط هاتفه ومحفظته ويغادر.

كان المطعم قريبًا بما يكفي ليصل إليه سيرًا. دفع بابه الزجاجي، فاستقبلته رائحة اللحم المشوي، وازداد جوعه وهو يمر بين الطاولات. اختار مقعدًا بجوار النافذة، وسحب قائمة الطعام من طرف الطاولة.

جاءه النادل قبل أن يقلب الصفحة الأولى. «ماذا تحب أن تطلب؟»

«طبق اللحم مع الأرز، وزجاجة ماء، من فضلك.»

«هل تريد شيئًا آخر؟»

رفع ريجار عينيه عن صورة الطبق. «إذا كانت الكمية مثل الصورة، فهذا يكفي.»

ابتسم النادل وهو يأخذ القائمة. «لن تخرج جائعًا.»

انتظر ريجار وهو يقلب هاتفه بين يديه. فتح صورة محفوظة لخريطة اللعبة، وكبّر موضع البرج. كان قد خسر أمام حارسه مرة؛ مخلوق حجري ضخم، يضرب الأرض بكلتا يديه ويترك ظهره مكشوفًا للحظات بعد كل ضربة.

وصل الطعام، فأبعد الهاتف فورًا. كانت اللقمة الأولى أسخن مما توقع. ابتلعها بصعوبة، وشرب قليلًا من الماء، ثم عاد إلى الأكل ببطء أكبر. لم ينتبه إلى مقدار جوعه إلا حين وجد نفسه يجمع آخر حبات الأرز من الطبق.

دفع الحساب، وشكر النادل، وخرج إلى الشارع.

أعاد ترتيب القتال في رأسه وهو يمشي: سيبتعد حين يرفع الوحش ذراعيه، وينتظر ارتطامهما بالأرض، ثم يندفع خلفه. ربما كان يحتاج إلى سلاح أسرع، أو إلى التوقف عن مهاجمته كلما سنحت له فرصة صغيرة.

تنفّس بعمق، ثم أبطأ خطواته. كانت هناك رائحة غريبة. استنشق الهواء مرة أخرى. رائحة تراب مبتل، وأوراق خضراء، وخشب رطب. التفت إلى أحواض الزينة أمام المحال، ثم إلى الطريق الجاف تحت قدميه. لم يكن قد أمطر، ولم يرَ أحدًا يسقي النباتات.

رفع رأسه، فرأى الأشجار.

كانت بعيدة، عند نهاية الشارع، حيث يفترض أن يظهر التقاطع. جذوع طويلة متقاربة، تتخللها مساحات داكنة، وأغصان تتمايل فوق السيارات. مرّت سيارة عبر أحد الجذوع دون أن تحجبه، ثم اختفت الأشجار لحظة وعادت.

توقف ريجار، وفرك عينيه. «هل أتوهم، أم أتعبني اللعب حتى صرت أرى غابة؟»

نظر إلى واجهة متجر بجواره، ثم أعاد النظر إلى التقاطع. ما زال المشهد هناك، خافتًا كصورة منعكسة على زجاج.

أخرج نفسًا قصيرًا وهزّ رأسه. سيعود إلى البيت ويغسل وجهه، وربما يؤجل البرج إلى الغد.

تابع السير في طريقه المعتاد. كان يحاول تمييز ما يراه، يتوقع أن يتبدد إذا اقترب منه. وصلت رائحة الأوراق إلى حلقه، وشعر ببرودة تمر على ذراعيه. مدّ يده إلى جيبه، وفكّر في إخراج هاتفه ليلتقط صورة.

وفي الخطوة التالية، غاص حذاؤه في التراب.

توقف. كانت تحت قدمه طبقة من الأوراق المتحللة. رفع حذاءه ببطء، فتعلق بطرفه خيط من الطين.

نظر أمامه. جذع شجرة، قريب إلى حد يستطيع معه لمس اللحاء. وراءه جذع آخر، ثم صفوف متشابكة من الأشجار تمتد في ضوء شاحب يتسلل عبر الأغصان.

استدار بعنف. اختفى الشارع. لم تكن هناك واجهات زجاجية، ولا مصابيح، ولا المطعم الذي خرج منه قبل قليل. امتدت الغابة خلفه أيضًا.

«أين أنا؟» خرج صوته أعلى مما أراد. انتظر، كأن أحدًا سيجيبه من وراء الأشجار.

«هل ما أراه حقيقي؟»

تراجع خطوتين، ثم سار بسرعة في الاتجاه الذي جاء منه. تجاوز شجيرة، وأزاح غصنًا عن وجهه. كان يجب أن يصل إلى الرصيف هنا. تقدّم أكثر، ثم بدأ يركض.

لم يجد سوى أشجار أخرى. توقف وهو يلهث، ونظر خلفه. لم يعد واثقًا حتى من موضع دخوله.

أخرج هاتفه. أضاءت الشاشة في يده، لكن علامة الشبكة كانت غائبة. حاول الاتصال، وانتظر ثواني طويلة قبل أن تظهر رسالة تعذّر المكالمة.

ضغط مجددًا. النتيجة نفسها. أعاد الهاتف إلى جيبه، ومسح كفّيه في بنطاله. كانت أصابعه ترتجف.

رفع يده وصفع خده. لسعته الضربة، فشهق وأغمض عينيه لحظة.

«تمالك نفسك، يا ريجار.» قالها بصوت مسموع، ثم ابتلع ريقه.

«حاول أن تستوعب ما يحدث أولًا. تفقد المكان... لا بد أن تجد طريقًا.»

وضع يده على أقرب جذع. شعر بخشونة اللحاء وببرودته تحت كفّه. انحنى قليلًا، يتفحص المسافات بين الأشجار، ويبحث عن أثر أقدام أو أغصان مقطوعة.

إعلان

سمع طقطقة خلف الشجيرات. رفع رأسه فورًا. تبع الصوت حفيف قصير، ثم آخر من جهة مختلفة. تحركت أوراق شجيرة عن يمينه، وظهر بينها وجه أخضر صغير.

بقي ريجار ساكنًا. كان المخلوق أقصر منه بكثير، منحني الظهر، وله أذنان مدببتان وفم واسع تبرز منه أسنان غير متساوية. تدلت قطعة جلد متسخة حول خصره، وفي يده عصا غليظة.

خرج ثانٍ من وراء شجرة. كان يحمل سكينًا قصيرة.

«غوبلن...؟»

كاد الاسم يبدو سخيفًا حين نطقه. عرف هذه الوجوه من الألعاب، لكن رائحتها النفّاذة وصلت إليه الآن، وسمع احتكاك السكين باللحاء حين تحرك صاحبها بمحاذاة جذع قريب.

ظهر اثنان آخران. تراجع ريجار خطوة.

أصدر حامل العصا صرخة حادة، واندفع نحوه. استدار ريجار وركض.

شق طريقه بين الأشجار، يدفع الأغصان بساعديه ويقفز فوق الجذور. سمع وقع أقدامهم خلفه، خفيفًا ومتلاحقًا، تتخلله أصوات قصيرة لم يفهمها.

لم يجرؤ على الالتفات.

تعلّق طرف قميصه بشوكة، فجذبه حتى تمزق، وتابع. أخذ الهواء يحرق صدره. حاول أن يركض أسرع، لكن الأشجار أجبرته على الانعطاف مرة بعد أخرى، وكانت الأصوات تقترب.

لمح فراغًا بين جذعين، فاندفع نحوه. علقت قدمه بجذر بارز. فقد توازنه، وضرب الأرض بكفّيه قبل أن ترتطم ركبته بحجر. انزلقت ذراعه فوق التراب، وامتلأ فمه بطعم الغبار.

حاول النهوض، فخذلته ساقه. كانوا قد وصلوا.

توزع الغوبلن حوله، يراقبونه وهو يزحف مبتعدًا. اقترب حامل العصا، وضرب بها الأرض قرب قدمه. انتفض ريجار وسحب ساقه إلى صدره.

«ابتعد!» خرجت الكلمة مبحوحة.

تحسست يده التراب خلفه، فاصطدمت بحجر بحجم قبضته. أمسكه، بينما رفع المخلوق عصاه مرة أخرى.

رماه بكل قوته. أصاب الحجر عين الغوبلن. ارتد رأسه إلى الخلف، وأفلت العصا وهو يعوي ويضغط وجهه بكلتا يديه.

استغل ريجار الفرصة ونهض مترنحًا. سمع حركة عن جانبه، ثم شعر بشيء يشق قميصه عند الظهر.

جاء الألم بعده مباشرة؛ حادًا، ممتدًا، دفعه إلى الأمام. سقط على ركبتيه ومد يده خلفه. حين أعادها، كانت أصابعه مغطاة بالدم.

ظل يحدق فيها. انسابت قطرة بين إصبعيه وسقطت على التراب. شعر بالدفء ينتشر تحت قميصه، وازداد الألم كلما حاول تحريك كتفيه.

اقتربت الأقدام منه. فتح فمه ليأخذ نفسًا، لكن صدره انقبض. حاول مرة أخرى، فجاء الهواء قصيرًا، سريعًا، ولم يكفه. انحنى، قابضًا على مقدمة قميصه، وأخذ يلهث.

لم يستطع التوقف.

تسارعت ضربات قلبه حتى صار يسمعها في أذنيه. ضاقت رؤيته، وبدأت أطراف الأشجار تتداخل. حاول أن يتذكر ما ينبغي فعله، كيف يتنفس، كيف ينهض، لكن فكرة واحدة كانت تعود كلما لمح السكين:

سيموت هنا. لن يصل أحد.

شد أصابعه في التراب، واهتز جسده كله. ثم شعر بالحرارة.

بدأت عميقة في بطنه، وانتشرت نحو صدره، ثم اندفعت إلى كتفيه وذراعيه. اتسعت عيناه. كان هناك شيء يتحرك في داخله، يجري تحت جلده ويضغط على أطرافه من الداخل.

رفع يده عن الأرض. كانت ترتجف بعنف.

اقترب أحد الغوبلن، رافعًا نصلًا صدئًا. خلفه، كان المصاب في عينه لا يزال يعوي.

اشتدت الحرارة حتى شعر ريجار أن صدره سيتشقق.

«ابتعدوا...»

حاول الرجوع، لكن ساقيه دفعتاه إلى الأمام. نهض فجأة، واندفع نحو أقربهم، صارخًا. لم يكن يعرف ما يفعله. مدّ يديه أمام وجهه حين هبط النصل، وانقبض جسده في انتظار الضربة.

انفجرت النار.

اندفع اللهب من حوله في موجة عاتية، وضرب الغوبلن قبل أن يصل النصل إليه. ارتفعت الأجساد عن الأرض، وتناثرت الأسلحة بين الأشجار. غمر الضوء الأحمر الجذوع، وغطّى دويّ الانفجار الصرخات.

ارتد إلى الخلف، وسقط على كفّيه. كانت أذناه تطنان. رفع رأسه بصعوبة. اشتعلت النار في المخلوق الأقرب، وتخبط آخر قرب شجرة قبل أن يسكن. وراءهما، تمدد الاثنان الباقيان على الأرض وسط أوراق سوداء تتطاير ببطء.

شهق ريجار، ثم سعل. حمل الهواء رائحة اللحم المحترق.

نظر إلى يديه. غطاهما السخام، لكن الجلد لم يكن محترقًا. حرّك أصابعه، وعاد ينظر إلى الأجساد.

«أنا...؟» خرج صوته ضعيفًا، بالكاد سمعه.

خمدت الحرارة في جسده بسرعة، وحل محلها برد ثقيل. حاول رفع نفسه، فارتجفت ذراعاه. شعر بالأرض تميل، وبشيء دافئ ينزلق من ظهره نحو خصره.

ارتطم كتفه بالتراب. رأى بين الأغصان بقعة صغيرة من السماء. حاول إبقاء عينيه عليها، لكنها أخذت تتلاشى.

ثم غاب عن الوعي.

بعد قليل، تحركت الأغصان عند طرف البقعة المحترقة. خرجت من بينها هيئة يلفها رداء داكن، وتوقفت قرب الجثث. استقر طرف حذاء إلى جوار سكين ملقاة، ثم تجاوزها نحو ريجار.

جثا القادم عنده، ووضع إصبعين إلى جانب عنقه. انتظر لحظة. ثم مرّر ذراعًا خلف كتفيه، والأخرى تحت ركبتيه، ورفعه عن الأرض.

تدلت يد ريجار، متأرجحة مع الخطوات، حتى اختفيا بين الأشجار.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق