الفصل الخامس: وكر الوحوش
كان ريجار يسير بمحاذاة الحقول حين ظهرت أمامه لافتة مائلة، نُقش على خشبها سهم يشير شمالًا، وتحته اسم: بوتسدار.
توقف ليربط حزام سيفه الطويل. هناك، في عاصمة مملكة دورث، سيبحث عن عمل يختبر به ما تعلّمه، وعن معلّم يستطيع أن يأخذ سحره إلى أبعد من الأساسيات.
مضت ثمانية أيام منذ ترك أمراج. نام خلالها تحت الأشجار وفي حظائر سمح أصحابها له بالمبيت، وأصبح احتكاك الدرع الجلدي بكتفيه مألوفًا، وإن ظل يؤلمه عند المساء.
قرب الغروب، أبصر بيوتًا منخفضة وراء سياج خشبي.
قرأ على اللوحة عند المدخل.
«عش الطيور»
سابيت ليلة واحدة ثم ساكمل طريقي .
لكن أول ما رآه كان بوابة مكسورة، يسندها رجل بحبل. خلفها، امتدت بيوت سُدّت نوافذها بالألواح، وحظائر فارغة، وبئر تنتظر عندها نساء بأوعية صغيرة. مرّ طفل بجانبه يحمل كيسًا؛ حين سقطت منه حفنة شعير، جثا يجمع حباتها من التراب.
أبطأ ريجار خطواته.
في بيت يستقبل المسافرين، وضعت امرأة أمامه حساءً خفيفًا. كان الباب المقابل مغلقًا بألواح جديدة، بينما بقيت فوق عتبته آثار دم جاف.
سألها:
«ماذا حدث هنا؟»
توقفت يدها عند الوعاء.
«الغوبلن. يأتون من الغابة كل بضعة أيام.»
«ألا توجد حامية قريبة؟»
«أرسلنا نطلب النجدة. لم يصل أحد.»
جلست على طرف المقعد.
«أخذوا الحبوب والماشية. وفي الهجمات الأخيرة أخذوا سبع نساء. خرج رجالنا خلفهم، فعاد بعضهم بجروح خطيرة.»
نظر إلى الحساء الذي لم تمسّه ملعقته.
«أين أجد زعيم القرية؟»
وجد الشيخ يصلح مقبض فأس أمام منزله. استمع إليه حتى انتهى، ثم وضع الفأس جانبًا.
قال ريجار:
«أستطيع مساعدتكم على القضاء على الوكر. أحتاج إلى خمسة أشخاص، ويكون أحدهم يعرف الغابة.»
تفحّص الشيخ سيفه ووجهه الشاب.
«كم معركة خضت؟»
تردد لحظة.
«لا تكفي لأعدك بأن الأمر سيكون سهلًا. لكنني أجيد السيف والسحر. سنستطلع المكان أولًا؛ لن أقود رجالكم إلى موت أعمى.»
مدّ كفه، فاشتعل فوقها لهب صغير، ثم انكمش حتى صار بحجم طرف إصبعه وانطفأ.
ظل الشيخ ينظر إلى يده.
«لا نملك مالًا يكافئ ساحرًا.»
«فقط أعطوني طعامًا للطريق حين أعود.»
قبل حلول الليل، وقف أمامه خمسة من أهل القرية: مايك، صياد يحمل قوسًا؛ وثورن، رجل عريض بترس وفأس؛ وباستو وميناك، يحمل كل منهما رمحًا؛ ولييا، شابة قبضت على عصا خشبية قصيرة.
قال الشيخ:
«هؤلاء من نستطيع إرسالهم. سيبقى الباقون لحراسة البيوت.»
سأل ريجار لييا:
«أي سحر تستخدمين؟»
«الماء. أستطيع دفع خصم أو اعتراض ضربة، لكنني لا أستطيع الاستمرار طويلًا.»
«ابقي خلف ثورن. لا تستخدمي وهجك إلا حين تحتاجين إليه.»
أمضوا الليل يفحصون الأسلحة ويلفون الأجزاء المعدنية التي قد تصطك أثناء السير. رسم مايك طريق الغابة على التراب، وحدد الوادي الذي شاهد الغوبلن يتجهون إليه.
وعند الفجر، غادروا دون مشاعل.
بعد بضع ساعات، رفع مايك قبضته، فانخفض الجميع خلف جذور شجرة ضخمة.
تحتهم، انفتحت فسحة أمام كهف في جانب تل. تناثرت فيها صناديق وأكياس، ووقفت عربة مائلة قرب الصخور. كان غوبلنان يحرسان المدخل، بينما تحرك آخرون حول جمر موقد.
راقب ريجار المكان طويلًا. أحصى اثني عشر غوبلن صغيرًا، ثم ظهر خلفهم مخلوق اضطر إلى حني عنقه ليعبر فتحة الكهف. غطت صدره صفائح حديد مربوطة بسيور، وحمل هراوة غليظة مرصعة بالمسامير.
همس ميناك:
«ذلك هو الذي كسر البوابة.»
عاد الزعيم إلى الداخل.
شعر ريجار بجفاف حلقه. لم يواجه في التدريب شيئًا بهذا الحجم.
جذب الآخرين إليه.
«مايك، خذ الصخرة على اليمين. ثورن وباستو، أغلقا الممر بين العربة والجدار. ميناك، احمِ لييا.»
أشار إلى الكهف.
«قد تكون النساء في الداخل، لذلك لن نهاجم المدخل بالنار. نستدرجهم إلى الخارج، ولا يطارد أحد عدوًا وحده.»
سأله ثورن:
«والكبير؟»
شدّ ريجار قبضته على السيف.
«اتركوه لي.»
انتظروا حتى تفرق الصغار وانحنى أحد الحارسين فوق إناء. أومأ ريجار لمايك.
انطلق السهم، وسقط الحارس بجانب الجدار.
اندفع ريجار نحو الثاني قبل أن يستوعب ما حدث. ارتفعت يد الغوبلن إلى بوق معلّق بعنقه، لكن نصل السيف سبقه، فسقط البوق من أصابعه.
انطلقت صرخة من قرب الموقد.
اندفعت الغوبلن نحوهم، وارتفعت السكاكين والرماح القصيرة.
أقبل ثلاثة على ريجار دفعة واحدة.
كان جسده يريد التراجع مباشرة، كما فعل في أيامه الأولى مع أريس. أجبر قدمه على الانحراف بدلًا من ذلك، فصار أقرب المهاجمين حاجزًا بينه وبين الآخرين.
صدّ السكين بانزلاق قصير على نصله، ثم دفع السيف إلى صدر صاحبه وانتزعه.
اندفع الثاني من اليسار.
بسط ريجار كفه. ضربت دفعة نار وجه الوحش، فتعثر متراجعًا، ولحقته ضربة أسقطته قبل أن يستعيد توازنه.
أما الثالث فقفز من فوق الجثة.
وصل سكينه إلى ساعد ريجار الأيسر، وشق الجلد. انسحب ريجار نصف خطوة، ثم أدار وركه ومرر السيف تحت ذراع الغوبلن المرفوعة.
سقط الأخير عند قدميه.
نظر إلى الدم الجاري نحو خاتمه. أخطأ حين راقب عدوه الساقط.
«ريجار! فوق الصخرة!»
انحنى مع صيحة لييا. مرّ حجر حيث كان رأسه، ثم أصاب سهم مايك الغوبلن الذي قذفه.
عند الممر، تلقى ثورن هجومًا بترسه، ودفع خصمه نحو رمح باستو. ولما حاول آخر الالتفاف، هوى عليه بفأسه.
صرخ ميناك فجأة.
شق نصل فخذه، فانهارت ساقه. وقبل أن تلحقه الطعنة الثانية، اندفعت كتلة ماء من عصا لييا، وضربت الغوبلن جانبًا. ارتطم بالعربة، وأنهى ثورن حركته بضربة.
بقيت ثلاثة من الصغار تتراجع بين الصناديق.
ثم اهتزت الأرض تحت خطوة ثقيلة.
خرج الزعيم، وزأر حتى تردد صوته بين الصخور. ضرب أحد الصناديق بهراوته، فتطاير الخشب، ثم اندفع نحو ثورن.
«ابتعد!»
دفع ريجار ثورن من كتفه. لامست الهراوة طرف الترس، فشطرته ورمت الرجل أرضًا.
وقف ريجار بينه وبين الوحش.
من قرب، كان رأس الهراوة أكبر من صدره.
ارتفعت مرة أخرى.
قفز جانبًا. ارتطمت المسامير بالتراب، وقذفته شظية حجر في الخاصرة. اختنق نَفَسه، لكنه أكمل الحركة وضرب ساق الوحش اليمنى.
شق السيف الجلد، دون أن يسقطه.
استدار الزعيم بسرعة لم يتوقعها، ولوّح بمرفقه. أصابت الضربة كتفه، فتدحرج على الأرض.
«ريجار!» صاح مايك.
«ابقَ مع الآخرين!»
نهض على ركبة واحدة. كانت الغوبلن الثلاثة تضغط على رفاقه؛ لو تركوا مواقعهم، انكشف ميناك ولييا.
أقبل الزعيم يجر هراوته.
حاول ريجار جمع النار في كفه، فاضطرب اللهب مع اضطراب أنفاسه.
سمع صوت أريس في ذاكرته: «أخرج الهواء. كتفاك متصلبتان.»
زفر.
ضاقت الشعلة واستقرت.
قذفها نحو وجه الوحش. رفع الزعيم ذراعه يحتمي، فتقدم ريجار تحتها، وضرب السيور على جانب صدره. انقطع أحدها، وتدلت صفيحة الحديد.
لكنه تأخر في الانسحاب.
هبطت الهراوة مائلة. ألقى بنفسه خلف صخرة، فانفجرت حافتها وتناثرت الحجارة فوق ظهره.
كان يستطيع إطلاق نار أشد، لكنه لا يستطيع ضمان إصابة الزعيم وحده. كما أن كل اندفاعة واسعة بالسيف كانت تتركه عاجزًا عن تغيير اتجاهه بسرعة.
مسح التراب عن فمه، وراقب قدمي الوحش.
كلما رفع الهراوة، نقل وزنه إلى ساقه اليمنى.
خرج من خلف الصخرة.
«هنا!»
اندفع الزعيم. تسلل وهج ريجار إلى التراب أمامه، فارتفعت حافة حجرية تحت قدمه.
تحطمت تحت ثقله.
اتسعت عينا ريجار.
غير أن القدم تعثرت للحظة.
كانت كافية ليفلت من الضربة، ويقترب من الجانب المكشوف. شق سيفه الساق المجروحة مرة ثانية، ثم انسحب قبل ارتداد الهراوة.
هدر الزعيم، وتبعته خطوات غير متساوية.
لم يتوقف ريجار. اندفع مجددًا، وضرب السيور الباقية، فانزلقت الصفائح عن صدر الوحش. تراجع أمام ضربة، واستدار حول أخرى، وكلما اتسعت المسافة بينهما أرسل لهبًا قصيرًا يجبر الزعيم على رفع ذراعه.
عند العربة، حدق باستو فيه.
«إنه يدفعه إلى الخلف...»
صاحت لييا:
«انتبه إلى جانبك!»
انتزع باستو عينيه عنه، ورفع رمحه أمام أحد الصغار.
تراجع الزعيم حتى اصطدمت ساقه بصخرة. رفع هراوته بكلتا يديه، وأطلق زئيرًا خشنًا.
ثبت ريجار قدميه.
هذه المرة، انتظر انتقال الوزن.
وحين حملت الساق اليمنى معظم ثقل الوحش، دفع الوهج إلى التراب تحت طرف قدمه. ارتفعت كتلة صغيرة مائلة، فالتوى الكاحل وانثنت الركبة.
أطلقت يد ريجار اليسرى دفعة نار أمام عينيه.
أغمض الزعيم جفنيه، وهوت هراوته بعيدًا عن الهدف.
دخل ريجار من الجانب، قابضًا على السيف بكلتا يديه، وغرسه في الصدر الذي انكشفت حمايته.
تصلبت ذراعا الوحش.
دفع ريجار النصل أعمق، ثم انتزعه وانسحب مترنحًا.
سقط الزعيم على ركبتيه. حاول رفع الهراوة، فارتخت أصابعه عنها، وانهار إلى الأمام.
بقي ريجار واقفًا والسيف مرفوعًا، ينتظر حركة أخرى.
لم يتحرك.
خلفه، صاح ثورن:
«سقط الأخير!»
خفض ريجار سيفه ببطء. بدأ ساعده يرتجف الآن، حتى اضطر إلى إسناد النصل إلى الأرض.
اقترب مايك، ويده تضغط على كتفه النازف.
«قلت إنك تجيد السحر... لم تقل إنك تستطيع فعل هذا.»
حاول ريجار الابتسام.
«لم أكن متأكدًا أنا أيضًا.»
تفقدوا الفسحة قبل دخول الكهف. كانت الغوبلن الاثنا عشر ميتة، ومعها زعيمها، ولم يفقد فريقهم أحدًا.
أصيب مايك بجرح في الكتف من رمح، وتورم كتف ثورن، وظهرت كدمة مؤلمة على أضلاع باستو. احتاج جرح فخذ ميناك إلى رباط محكم، أما لييا فجلست قليلًا تستعيد أنفاسها، بعد أن استهلكت معظم وهجها.
غسلت جرح ريجار بماء نظيف، ثم لفّه بقطعة قماش. كان كتفه يؤلمه كلما حرّكه، لكنه استطاع إعادة السيف إلى غمده.
«النساء»، قال وهو ينهض.
أضاء خاتمه، ودخلوا.
وجدوا أكياس الحبوب والأدوات المسروقة أولًا، ثم سمعوا حركة خلف حاجز خشبي.
حين أزاحه باستو، انكمشت امرأة في الظلام ورفعت ذراعيها أمام وجهها.
توقف ريجار عند الحاجز.
«نحن من القرية. جئنا لنأخذكن إلى بيوتكن.»
لم تجبه.
تقدمت لييا، ونادتها باسمها، فعرفت صوتها وانفجرت بالبكاء.
كانت خمس نساء على قيد الحياة، منهكات من الجوع والعطش. وفي آخر التجويف، تحت غطاء مهترئ، عثروا على جثماني المرأتين الأخريين.
انحنى مايك أمام إحداهما. بقي صامتًا، ثم نزع عباءته وغطى وجهها.
ساعدوا الناجيات على الشرب، وقطعوا القيود عن أيديهن. أصلح باستو محور العربة بما وجده بين الأدوات، وحملوا عليها الجثمانين وأضعف الناجيات، بينما سارت الباقيات مستندات إلى مرافقيهن. تركوا معظم المؤن ليعود أهل القرية لأخذها.
أمسك ريجار بمقدمة العربة إلى جانب باستو، وبدؤوا طريق العودة.
لمّا ظهرت البوابة، رآهم الطفل الذي كان يجمع الشعير. أسقط ما بيده وركض يصيح.
خرج الناس من البيوت.
اندفعت امرأة نحو ابنتها، وسقطتا متعانقتين قرب الطريق. حمل رجل زوجته عن العربة وهو يكرر اسمها، كأنه يخشى أن تختفي إن صمت.
ثم رأى الواقفون عند البوابة الجثمانين.
خفتت الهتافات. اقترب رجل مسن، ورفع طرف إحدى العباءتين، ثم جلس على الأرض بجوار العجلة.
أفلت ريجار مقبض العربة، ولم يجد ما يقوله.
تقدم زعيم القرية وانحنى أمامه انحناءة عميقة.
«جئت غريبًا، وفعلت لنا ما عجزنا عنه. أعدت إلينا أهلنا... وأعدت إلينا القدرة على دفن من فقدناهم.»
أمسك ريجار بذراعه وساعده على الاعتدال.
«رجالك ولييا كانوا معي. ما كنت سأعيدهن وحدي.»
قضوا بقية اليوم في مداواة الجرحى ومواساة العائلات. وبعد أن أكل ريجار، غلبه النوم قبل أن يخلع حذاءه.
في الصباح التالي، كان يشد أمتعته حين جاءه الشيخ، وخلفه لييا.
ناوله كيسًا من الخبز والمؤن.
«للطريق. ولكي يطلب طلب آخر.»
رفع ريجار رأسه.
«خذ لييا معك. إنها ساحرة جيدة، وستفيدك في رحلتك.»
توقف عن ربط الحقيبة.
«معي؟ لا أستطيع ذلك. أنا متجه إلى بوتسدار الآن، لكنني سأواصل الترحال بعدها. لا أعرف أين سأستقر.»
تقدمت لييا خطوة.
«أنا من طلبت منه أن يكلمك. لن تشعر بوجودي، ولن أكون عبئًا عليك. سأكون مفيدة، أرجوك.»
قال الشيخ:
«ليس لها عائلة هنا، ولا من يعلّمها أكثر مما تعرف. ستبقى تحرس هذه البيوت وتعمل في الحقول، مهما بلغت موهبتها. مع شخص قوي مثلك، قد تجد مستقبلًا يليق بها.»
نظر ريجار إليها.
«الطريق لن يكون آمنًا.»
«أعرف. وقد كنت معكم أمس.»
تذكر كتلة الماء التي أبعدت السكين عن ميناك. ثم تذكر باب أريس حين فتحته له، يوم لم يكن يملك شيئًا في هذا العالم.
ظل صامتًا لحظات، قبل أن يتنهد.
«حسنًا. لكن لا تعديني بألا أشعر بوجودك. سأحتاج إلى من ينتبه لظهري.»
اتسعت ابتسامتها.
«إذًا وافقت؟»
«نغادر بعد قليل.»
ركضت لتحزم أمتعتها، وبقي الشيخ ينظر خلفها قبل أن يلتفت إليه.
«لن ننسى فضلك، يا ريجار. ستبقى منقذ عش الطيور.»
بعد قليل، خرج ريجار ولييا من البوابة. خلفهما، بدأ الرجال يرفعون الألواح لإصلاح السياج، وارتفعت أصوات الوداع حتى ابتلعتها المسافة.
عند مفترق الطريق، أشار ريجار إلى اللافتة.
«بوتسدار من هنا.»
عدّلت لييا حقيبتها، وسارت إلى جانبه نحو العاصمة.
💬 التعليقات