مشروع اليقظة

الفصل 2

الاستيقاظ الثاني - ٢

2,766 كلمة · 14 دقيقة للقراءة

إعلان

كان المبنى أشبه بكتلة هائلة من الحجر ارتفعت فوق المدينة، متجاوزة معظم الأبنية المحيطة به بارتفاع شاسع. امتدت جدرانه من الأرض إلى أعلى، مغطاة بحجارة داكنة تآكلت أطراف بعضها بفعل الزمن، بينما غطت أجزاء منها نقوش غريبة لم يستطع كلايف تحديد أصلها.

لكن الجزء العلوي هو الذي شد انتباهه.

لم يكن المبنى يرتفع بطريقة تقليدية.

فعند اقترابه من أعلى نقطة، اتسعت بنيته إلى شكل دائري هائل، ثم انفتح مركزها على فراغ عميق.

كانت هناك دائرة ضخمة مجوفة في قلب المبنى، كأن مهندساً ما اقتطع جزءاً كاملاً من البناء وترك السماء تظهر من خلاله.

وعلى جانبي ذلك الفراغ ارتفعت جدران حجرية شاهقة، وبينهما امتد جسر طويل وضيق يعبر المساحة الدائرية من طرف إلى آخر.

كان الجسر يبدو قديماً، لكنه لم يكن متهالكاً.

بل على العكس.

كان قائماً بثبات غريب، وكأن الزمن لم يستطع أن يمسه.

وفي منتصف الجسر تقريباً، ارتفع بناء صغير مقارنة بحجم المنشأة كلها.

ضريح.

هكذا بدا لكلايف.

كان أشبه بضريح حجري معزول، قائم وحده فوق الجسر، تحيط به أعمدة قصيرة ونقوش لا يستطيع رؤيتها بوضوح من هذا البعد.

لكن شيئاً في موضعه كان يثير القلق.

لم يكن الضريح يبدو كأنه أُضيف إلى المبنى.

بل بدا وكأن المبنى كله قد شُيد حوله.

ظل كلايف يحدق فيه طويلاً.

"ما هذا المكان؟"

واصل لوسيان السير خطوتين قبل أن يلاحظ أن كلايف لم يعد بجانبه.

توقف.

التفت إليه.

ثم نظر إلى المبنى.

سكت لوسيان للحظات.

"إنه مكان مهم."

لم يقتنع كلايف.

"مهم إلى أي درجة؟"

لم يجب لوسيان.

ظل ينظر إلى البناء العلوي، وإلى الدائرة الحجرية المجوفة، ثم إلى الضريح القائم في منتصف الجسر.

للحظة قصيرة، تغير شيء في عينيه.

شيء لم يستطع كلايف تفسيره.

ثم اختفى.

قال لوسيان:

"ستعرف قريباً."

اقترب كلايف منه.

"ماذا تقصد؟"

"ستعرف."

"ما الذي يوجد في الداخل؟"

ابتسم لوسيان ابتسامة صغيرة.

"عندما يحين الوقت."

نظر كلايف إلى المبنى مرة أخرى.

كان هناك شيء فيه يثير شعوراً غريباً داخله.

لم يكن خوفاً بالمعنى المعتاد.

بل إحساس بأنه رأى هذا المكان من قبل.

لكن ذلك مستحيل.

لم يسبق له أن كان هنا.

أليس كذلك؟

وضع كلايف يده على رأسه للحظة، وشعر بصداع خفيف بدأ يتشكل خلف عينه اليسرى.

"هل أنت متأكد أنك لا تريد أن تخبرني بشيء؟"

ضحك لوسيان بهدوء.

"أنت تسأل كثيراً."

"وأنت تخفي كثيراً."

"ربما."

ثم استدار لوسيان وأكمل سيره.

"هيا. دعنا نجد مكاناً ننام فيه."

ظل كلايف واقفاً للحظات أخرى.

نظر إلى الجسر.

إلى الدائرة الحجرية.

إلى الضريح القائم في منتصفها.

ثم شعر بشيء لا يستطيع تفسيره.

كأن المبنى كان ينظر إليه.

أدار ظهره له أخيراً ولحق بلوسيان.

لكنه، طوال الطريق، لم يستطع إخراج صورته من ذهنه.

بعد فترة طويلة من الترحال، بدأت ملامح المدينة تتغير من حولهما.

ازدادت المباني ارتفاعاً، واتسعت الشوارع، وظهرت الساحات والأسواق والممرات الحجرية التي تتفرع في اتجاهات مختلفة. كانت المدينة أكبر بكثير مما توقعه كلايف.

كان قد سمع عن المدن الأربع منذ حديث لوسيان، وعن مكانة هذه المدينة بين بقية مدن العالم، ولذلك كان يتوقع أن يجد عند وصوله إليها شيئاً مختلفاً تماماً.

ومع ذلك، لم يكن ما أثار انتباهه هو ضخامة المدينة وحدها.

بل عدد الناس.

كان عددهم قليلاً.

أو هكذا بدا له.

مرّ الاثنان في شارع واسع تحيط به مبانٍ حجرية شاهقة، بينما لم يكن في الطريق سوى عشرات الأشخاص المتفرقين. وعلى الرغم من أن الشوارع كانت ممتدة لمسافات طويلة، والأسواق مبنية على مساحات تكفي لاستيعاب أعداد هائلة من الناس، فإنها لم تكن مزدحمة كما توقع كلايف.

توقف للحظة، وأخذ يتأمل المكان من حوله.

"لوسيان."

"ماذا؟"

"كم عدد سكان هذه المدينة؟"

نظر إليه لوسيان باستغراب بسيط.

"لماذا تسأل؟"

"لأنها تبدو..."

توقف كلايف للحظة يبحث عن الكلمة.

"فارغة."

رفع لوسيان حاجبه.

"فارغة؟"

أشار كلايف إلى الشوارع.

"انظر إليها."

نظر لوسيان حوله، ثم أعاد بصره إلى كلايف.

"لا أرى شيئاً غريباً."

"كم عدد السكان؟"

تنهد لوسيان وكأنه يحاول تذكر الرقم.

"نحو ثلاثة ملايين."

توقف كلايف عن السير.

"ثلاثة ملايين؟"

نظر إليه لوسيان باستغراب أكبر.

"نعم."

"هذا كل شيء؟"

ساد الصمت للحظة.

نظر لوسيان إلى كلايف وكأنه لم يفهم السؤال.

"كل شيء؟"

"أقصد..."

نظر كلايف إلى المدينة مرة أخرى.

إلى المباني الشاسعة.

إلى الطرق الممتدة.

إلى الأسوار التي لم يستطع رؤية نهايتها.

"كنت أتوقع عدداً أكبر بكثير."

ازدادت حيرة لوسيان.

"ثلاثة ملايين ليس عدداً قليلاً."

"بالنسبة إلى هذه المدينة؟"

"بالطبع."

ثم أضاف:

"هذا تقريباً متوسط عدد السكان في المدن الكبرى. عادةً ما يتراوح العدد بين ثلاثة ملايين وثلاثة ملايين ونصف."

ظل كلايف صامتاً.

"ثلاثة إلى ثلاثة ونصف مليون..."

كرر الرقم ببطء، وكأنه يحاول أن يجعله منطقياً في رأسه.

نظر إليه لوسيان.

"ما المشكلة؟"

"لا أعرف."

"لكن يبدو أنك مصدوم."

"أنا كذلك."

"لماذا؟"

لم يجد كلايف جواباً.

كانت المعلومة جديدة عليه، وهذا وحده كان كافياً ليجعله عاجزاً عن معرفة ما إذا كان الرقم كبيراً أم صغيراً.

ومع ذلك، كان هناك شيء في داخله يرفضه.

شيء أعمق من المنطق.

قال أخيراً:

"لا أعرف."

ثم نظر إلى لوسيان.

"لكنني أشعر أن هذا العالم... غريب."

تغيرت ملامح لوسيان قليلاً.

"غريب؟"

أومأ كلايف.

"نعم."

نظر إلى الشوارع من حوله.

"كأنني لا أنتمي إليه."

ساد الصمت بينهما.

"كأن هذه ليست الطريقة التي يفترض أن يكون عليها العالم."

ظل لوسيان ينظر إليه للحظات.

"لكن هذا هو العالم الذي نعرفه."

قالها بنبرة هادئة، وكأنه يحاول فهم ما يقوله كلايف أكثر من محاولة مجادلته.

"هذه هي طبيعة المدن. هذه هي أعداد السكان التي عرفناها طوال حياتنا. فما الذي يثير استغرابك؟"

فتح كلايف فمه، لكنه لم يجد جواباً.

فكر للحظات.

ثم قال:

"لا أعرف."

ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة، لكنها كانت ممزوجة بالحيرة.

"هذا أغرب جواب يمكن أن تعطيني إياه."

خفض كلايف عينيه.

"ربما."

صمت الاثنان قليلاً.

ثم قال لوسيان:

"إذن ما هو الطبيعي بالنسبة إليك؟"

رفع كلايف رأسه.

نظر إلى لوسيان.

ثم إلى المدينة.

لم يجب.

لأنه لم يعرف.

لم يكن يعرف عدد سكان المدينة التي كان يفترض أن تكون موطنه.

ولا حجم المدن.

ولا شكل العالم الذي كان يفترض أنه ينتمي إليه.

لم يكن يعرف ما هو الطبيعي.

كل ما كان يعرفه أن شيئاً ما في داخله أخبره أن هذا المكان ليس مكانه.

وأن العالم الممتد أمام عينيه، رغم أنه لم يعرف غيره، بدا له كأنه عالم غريب.

وهذا وحده كان مخيفاً.

واصلا السير.

لكن لوسيان لم يتوقف عن التفكير في إجابة كلايف.

أما كلايف، فقد حاول تجاهل ذلك الشعور.

لكنه لم يستطع.

---

بعد عدة دقائق، ظهر أمامهما مبنى جعل كلايف يتوقف دون أن يشعر.

كان ضخماً.

لا، لم يكن هذا الوصف كافياً.

كان المبنى أشبه بكتلة هائلة من الحجر ارتفعت فوق المدينة، متجاوزة معظم الأبنية المحيطة به بارتفاع شاسع.

امتدت جدرانه من الأرض إلى أعلى، مغطاة بحجارة داكنة تآكلت أطراف بعضها بفعل الزمن، بينما غطت أجزاء منها نقوش ورموز لم يستطع كلايف فهمها.

كان يبدو قديماً إلى درجة أن كلايف لم يستطع تخيل عدد الأجيال التي مرت عليه.

لكن الجزء العلوي هو الذي شد انتباهه.

لم يكن الضريح في قمة البرج.

بل كان أسفل القمة بعدة طوابق.

هناك، حيث تضيق جدران البرج ثم تتسع من جديد، ظهرت منطقة دائرية هائلة مجوفة في مركزها، كأن قلب البرج قد نُحت من داخله وترك فراغاً دائماً يفتح الطريق إلى السماء.

وامتد فوق ذلك الفراغ جسر حجري طويل، يصل بين جانبي البرج.

وفي منتصف الجسر تقريباً، ارتفع بناء حجري صغير مقارنة بضخامة البرج.

كان أشبه بضريح.

أعمدة قصيرة تحيط به، وجدرانه مغطاة بنقوش غامضة، بينما ارتفع سقفه المدبب قليلاً تحت الفراغ الهائل للبرج.

لم يكن يبدو كأنه جزء عادي من البناء.

بل بدا وكأنه شيء وُضع هناك لسبب محدد.

ظل كلايف يحدق فيه طويلاً.

"ما هذا المكان؟"

واصل لوسيان السير خطوتين قبل أن يلاحظ أن كلايف لم يعد بجانبه.

توقف.

التفت إليه.

ثم نظر إلى المبنى.

سكت لوسيان للحظات.

"إنه مكان مهم."

لم يقتنع كلايف.

"مهم إلى أي درجة؟"

لم يجب لوسيان.

ظل ينظر إلى البناء العلوي، وإلى الدائرة الحجرية المجوفة، ثم إلى الضريح القائم في منتصف الجسر.

للحظة قصيرة، تغير شيء في عينيه.

شيء لم يستطع كلايف تفسيره.

ثم اختفى.

قال لوسيان:

"ستعرف قريباً."

اقترب منه كلايف.

"ماذا تقصد؟"

"ستعرف."

"ما الذي يوجد في الداخل؟"

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه لوسيان.

"عندما يحين الوقت."

نظر كلايف إلى المبنى مرة أخرى.

كان هناك شيء فيه يثير شعوراً غريباً داخله.

لم يكن خوفاً بالمعنى المعتاد.

بل إحساس بأنه رأى هذا المكان من قبل.

لكن ذلك مستحيل.

لم يسبق له أن كان هنا.

أليس كذلك؟

وضع كلايف يده على رأسه للحظة، وشعر بصداع خفيف بدأ يتشكل خلف عينه اليسرى.

"هل أنت متأكد أنك لا تريد أن تخبرني بشيء؟"

ضحك لوسيان بخفة.

"أنت تسأل كثيراً."

"وأنت تخفي كثيراً."

"ربما."

ثم استدار لوسيان وأكمل سيره.

"هيا. دعنا نجد مكاناً ننام فيه."

ظل كلايف واقفاً للحظات أخرى.

نظر إلى الجسر.

إلى الدائرة الحجرية.

إلى الضريح القائم في منتصفها.

ثم شعر بشيء لا يستطيع تفسيره.

كأن المبنى كان ينظر إليه.

أدار ظهره له أخيراً ولحق بلوسيان.

لكنه، طوال الطريق، لم يستطع إخراج صورته من ذهنه.

---

بعد وقت من البحث، وجدا نزلاً صغيراً في أحد الأزقة البعيدة عن الشوارع الرئيسية.

لم يكن المكان فاخراً، لكنه كان نظيفاً بما يكفي، وأكثر أمناً من النوم في الشوارع.

استأجر لوسيان غرفة لهما، ووضعا أمتعتهما فيها.

وبعد أن استقرا، جلس الاثنان إلى طاولة خشبية في زاوية بعيدة من النزل، ووُضعت أمامهما وجبة بسيطة من اللحم والخبز وبعض الخضروات المطهوة.

أكل كلايف بهدوء.

كان التعب لا يزال يثقل جسده، لكن الطعام والدفء جعلا عضلاته تسترخي.

كان كل شيء حوله هادئاً.

أصوات الناس في الغرفة المجاورة، خشخشة الأطباق، ضوء المصابيح الضعيف، ورائحة الحطب المحترق القادمة من الموقد.

للمرة الأولى منذ فترة، لم يكن عليه أن يفكر في المكان الذي سينام فيه أو في الشيء الذي قد يخرج له من الظلام.

لكن الشعور لم يدم طويلاً.

وضع لوسيان كأسه على الطاولة.

"غداً سنذهب إلى ذلك المبنى."

توقفت يد كلايف.

رفع عينيه إليه.

"المبنى الذي رأيناه اليوم؟"

أومأ لوسيان.

"نعم."

نظر كلايف نحو النافذة، رغم أنه لم يستطع رؤية المبنى من مكانهما.

ولسبب لم يفهمه، شعر بشيء يتحرك في داخله.

رغبة.

فضول.

ذلك الشعور نفسه الذي دفعه منذ لحظة استيقاظه إلى الخروج من التابوت، والسير في عالم لا يعرف عنه شيئاً، والبحث عن لوسيا رغم أنه لا يعرف من تكون.

قال:

"أريد أن أذهب معك."

رفع لوسيان عينيه إليه.

"لا."

كانت الإجابة سريعة وحاسمة.

توقف كلايف.

"لماذا؟"

إعلان

"لأنك لا تعرف إلى أين أنت ذاهب."

"وأنت تعرف."

"وهذا سبب إضافي لعدم ذهابك."

"لكنني لا أستطيع البقاء هنا."

"بل تستطيع."

"لا أريد."

نظر لوسيان إليه طويلاً.

"كلايف، أنت بالكاد تستطيع الوقوف. ما زلت تتعافى من شيء لا نعرف سببه، ولا تعرف شيئاً عن هذه المدينة، ولا عن المبنى، ولا عن الأشخاص الذين يعيشون فيه."

"ولهذا أريد أن أذهب."

"هذا ليس سبباً."

"بالنسبة لي هو كذلك."

صمت لوسيان.

تابع كلايف:

"أنا لا أعرف من أنا. لا أعرف أين ولدت، ولا من كانت عائلتي، ولا لماذا استيقظت داخل تابوت، ولا ما معنى العلامة الموجودة على يدي."

خفض نظره إلى القفاز.

"كل شيء في هذا العالم غريب بالنسبة إليّ."

ثم رفع عينيه.

"لكن عندما رأيت ذلك المبنى... شعرت أن هناك شيئاً يجب أن أعرفه."

"لا أعرف لماذا."

أضاف:

"لكني أريد أن أذهب."

تنهد لوسيان.

"أنت عنيد."

"ربما."

"وما زلت ضعيفاً."

"أعرف."

"وقد تموت."

"أعرف."

رفع لوسيان حاجبه.

"بهذه السهولة؟"

"ليس لدي الكثير لأخسره."

ساد الصمت.

كانت الجملة أثقل مما توقع كلايف نفسه.

ظل لوسيان ينظر إليه، ثم أبعد عينيه.

"حسناً."

رفع كلايف رأسه.

"ماذا؟"

"يمكنك المجيء."

ظهرت على وجه كلايف ملامح ارتياح، لكن لوسيان رفع يده فوراً.

"لكن بشروط."

اختفت ملامح الارتياح.

"ما هي؟"

"أولاً، تطيعني."

"في ماذا؟"

"في كل شيء."

عقد كلايف حاجبيه.

"كل شيء؟"

"إذا قلت لك توقف، تتوقف. إذا قلت لك اهرب، تهرب. إذا قلت لك لا تنظر إلى شيء، فلا تنظر إليه."

ثم مال قليلاً إلى الأمام.

"وإذا قلت لك لا تسأل، فلا تسأل."

بقي كلايف صامتاً.

تابع لوسيان:

"لن آخذك معي لأعرض لك أسرار العالم. هناك أشياء ستعرفها عندما يحين وقتها، وأشياء لن تعرفها إلا إذا نجونا بما يكفي."

"وماذا لو لم تعجبني أوامرك؟"

"عندها يمكنك العودة."

"إلى أين؟"

لم يجب لوسيان.

كانت الإجابة واضحة.

ابتسم كلايف ابتسامة باهتة.

"حسناً."

نظر إليه لوسيان.

"حسناً ماذا؟"

"سأذهب معك."

ثم أضاف:

"وسأثق بك."

تأمله لوسيان للحظات.

"أتمنى ألا تندم على ذلك."

"وأنا أيضاً."

ساد الصمت بينهما.

لكن فضول كلايف لم يهدأ.

نظر نحو النافذة.

"أريد أن أسألك عن شيء."

ابتسم لوسيان.

"كنت أعلم أن هذا سيحدث."

"ذلك المبنى."

اختفت الابتسامة من وجه لوسيان.

"ماذا عنه؟"

"من يعيش فيه؟"

سكت لوسيان قليلاً.

ثم قال:

"حاكم المدينة."

حدق كلايف فيه.

"حاكم روكفيل؟"

"نعم."

رفع كلايف عينيه.

"لكنني ظننت أنك قلت إن هذا المبنى مهم."

"هو أكثر من ذلك."

صمت قليلاً.

"إنه مقر الحاكم... ومكان عبادته."

تغيرت ملامح كلايف.

"عبادته؟"

أومأ لوسيان.

"الحاكم ليس مجرد ملك هنا."

"ماذا تقصد؟"

"يعتبره بعض الناس معبوداً."

ظل كلايف ينظر إليه وكأنه ينتظر أن يضحك لوسيان ويخبره أنه كان يمزح.

لكنه لم يفعل.

"كيف يمكن لحاكم أن يكون معبوداً؟"

أجاب لوسيان بهدوء:

"الأمر لم يبدأ هكذا."

ثم أسند ظهره إلى الكرسي.

"هذا العالم تحكمه الممالك في الغالب. وفي النظام المعتاد، ينتقل الحكم من الأب إلى الابن، ثم إلى أبنائه من بعده."

"وهل هذا ما حدث هنا؟"

"من المفترض."

قالها لوسيان بنبرة جعلت كلايف ينتبه.

"لكن الحكام الحاليين مختلفون."

"كيف؟"

"لقد عاشوا طويلاً."

"كم طويلاً؟"

نظر لوسيان إلى عينيه.

"طويلاً لدرجة أن الناس نسوا كم أعمارهم."

صمت كلايف.

"بل إن بعض الناس نسوا متى بدأ حكمهم أصلاً."

"هذا غير ممكن."

"ربما."

تابع لوسيان:

"هناك سجلات قديمة تشير إلى حكام سبقوهم. وهناك سجلات أخرى لا تذكرهم إطلاقاً. ومع مرور القرون، أصبحت المسألة أكثر غموضاً."

"هل تقصد أن الناس يشكون حتى في وجود حكام قبلهم؟"

"نعم."

ثم أضاف:

"هناك من يعتقد أن الحاكم الحالي حكم المدينة منذ البداية."

ظل كلايف صامتاً.

قال لوسيان:

"وطول أعمارهم لم يكن الشيء الوحيد الذي جعل الناس ينظرون إليهم بصورة مختلفة."

"ماذا فعلوا؟"

"جلبوا الازدهار."

نظر لوسيان إلى المدينة من خلال النافذة.

"في عهدهم، ازدهرت المدن. توسعت التجارة، تحسنت الزراعة، تطورت الصناعة، وازدادت ثروة الممالك واستقرارها."

ثم قال:

"ومع مرور الوقت، بدأ بعض الناس ينظرون إليهم باعتبارهم أكثر من مجرد حكام."

"ومن هنا بدأت عبادتهم؟"

"ربما."

قالها لوسيان دون يقين.

"ظهرت جماعات دينية تمجد الحكام وتقدسهم. بعضها يراهم رجالاً اختارتهم قوى أعلى لحماية البشر، وبعضها يعتقد أن أعمارهم الطويلة دليل على أنهم تجاوزوا حدود الإنسان."

"وهل الحكام هم من صنعوا هذه الجماعات؟"

"لا أحد يعرف."

"ألم يحاول أحد معرفة ذلك؟"

"حاول الكثيرون."

ابتسم لوسيان ابتسامة خافتة.

"لكن عندما يعيش الحاكم أطول من المؤرخ الذي يكتب عنه، يصبح من الصعب جداً معرفة الحقيقة."

بقي كلايف صامتاً.

تابع لوسيان:

"هناك من يعتقد أن الأمر نشأ من المواطنين أنفسهم. أنهم رأوا ما حققه الحكام، ورأوا أعمارهم التي لا تنتهي، فصنعوا حولهم عقيدة من تلقاء أنفسهم."

"والرأي الآخر؟"

"أن الحكام لم يمانعوا ذلك."

"بل ربما شجعوه."

أومأ لوسيان.

"وربما كانوا هم من بدأوه."

"هل هناك دليل؟"

"لا دليل حاسماً."

"إذن لا أحد يعرف."

"بالضبط."

ثم أضاف:

"وهذا ما يجعل المسألة أكثر إثارة للقلق."

"لماذا؟"

"لأنك لا تعرف أين تنتهي عبادة الحاكم... وأين تبدأ إرادته."

ساد الصمت.

نظر كلايف إلى المبنى من النافذة.

ذلك الجسر.

الدائرة الحجرية.

الضريح القائم في المنتصف.

ثم سأل:

"وهل الحاكم الذي يعيش هناك واحد من هؤلاء؟"

"نعم."

"هل هو خالد؟"

لم يجب لوسيان مباشرة.

"لا أحد يعرف."

ثم تابع:

"بعضهم يقول إنه خالد. وبعضهم يقول إن العائلة الحاكمة تحمل سراً يمنحها أعماراً تتجاوز عمر البشر. وهناك من يعتقد أن الحاكم الحالي ليس الشخص نفسه الذي اعتلى العرش في البداية."

"وماذا تعتقد أنت؟"

ابتسم لوسيان.

"أنا لا أؤمن بسهولة بما لا أفهمه."

ثم أضاف:

"لكنني أيضاً لا أستهين بشيء لم أفهمه بعد."

سكت كلايف للحظات.

ثم سأل:

"وأنت تريد الوصول إلى هذا الحاكم؟"

"لا."

كانت الإجابة مباشرة.

"إلى أحد مستشاريه."

"لديه مستشارون؟"

"ثلاثة."

"ثلاثة فقط؟"

"ثلاثة."

"وما دورهم؟"

"هم الذين يتحدثون باسمه في معظم الأمور. لا أحد يصل إلى الحاكم مباشرة بسهولة."

ثم سكت لوسيان للحظات.

"وأنا أريد الوصول إلى واحد منهم."

نظر إليه كلايف باهتمام.

"لماذا؟"

لم يجب لوسيان.

"لوسيان."

"ليس الآن."

"قلت إنني سأذهب معك. ألا يحق لي أن أعرف إلى أين نحن ذاهبون؟"

نظر إليه لوسيان طويلاً.

ثم قال:

"هناك أشياء لا أستطيع مشاركتها معك بعد."

"حتى بعد أن وافقت على شروطك؟"

"خصوصاً الآن."

"لماذا؟"

نهض لوسيان من مكانه.

اتجه نحو النافذة، وألقى نظرة على المدينة التي كانت تغرق شيئاً فشيئاً في ظلام الليل.

"لأنك إذا عرفت هدفي الحقيقي قبل أن ندخل ذلك المكان، فقد لا تتمكن من التصرف بصورة طبيعية."

"ومتى سأعرف؟"

لم يلتفت لوسيان إليه.

"غداً."

رفع كلايف رأسه.

"غداً؟"

"غداً سيحدث شيء كبير."

استدار لوسيان ونظر إليه.

"مناسبة لا تتكرر كثيراً."

ثم أضاف:

"وفي تلك المناسبة، ستُفتح أبواب لا تُفتح عادة."

سأل كلايف:

"ومتى سنذهب؟"

أجابه لوسيان بهدوء:

"غداً."

ثم سكت للحظة قبل أن يقول:

"سنذهب غداً إلى الضريح الملكي."

عقد كلايف حاجبيه.

"الضريح الملكي؟"

أومأ لوسيان.

"نعم."

"ما هو الضريح الملكي؟"

ظهرت على وجه لوسيان ابتسامة خفيفة.

"المبنى الذي أسرك وأنت تنظر إليه ونحن في طريقنا إلى هنا."

نظر كلايف إلى النافذة.

كان يستطيع أن يرى جزءاً من البناء الهائل من بين الأبنية البعيدة.

ظل صامتاً للحظات، ثم قال:

"ذلك المبنى... هل يعيش الحاكم فيه؟"

"ليس في الضريح."

"إذن أين يعيش؟"

رفع لوسيان عينيه نحو السماء.

"في قمة البرج."

ثم أضاف:

"في الطابق الأعلى منه."

تأمل كلايف المبنى من بعيد.

كانت القمة بالكاد ظاهرة وسط ظلمة الليل.

"إذن ما وظيفة الضريح؟"

صمت لوسيان.

نظر إلى كلايف للحظات.

ثم قال:

"ستعرف."

قطب كلايف حاجبيه.

"متى؟"

ابتسم لوسيان ابتسامة صغيرة.

"عندما يحين الوقت."

"أنت تفعلها مجدداً."

"ماذا؟"

"تقول لي ستعرف، وكأنها إجابة."

ضحك لوسيان بخفة.

"لأنها الإجابة الوحيدة التي أستطيع إعطاءك إياها."

ظل كلايف ينظر إليه بريبة.

ثم قال:

"أشعر أنني سأندم على الذهاب معك."

"ربما."

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق