مع تقدم العلم والتقنية والمعرفة البشرية، ظلت الروح البشرية واحدة من أعظم الألغاز التي عجز الإنسان عن فهمها لم يستطع البشر أن يحددوا ماهية الروح، ولا ما الذي يجعل الإنسان حيا. وأقصى ما توصلوا إليه، بعد سنوات طويلة من الأبحاث والتجارب هو أن وزن جسد الإنسان ينخفض بنحو أربعة غرامات بعد موته السريري.
________
استفاق كلايف من غيبوبته داخل تابوت حجري قديم، يلفه ألم حارق يعتصر عظامه، ويشعر بتعب ثقيل يشل حركته. تفحص باطن يده اليسرى ليجد علامة غريبة ومقلقة، وبدافع من غريزة عمياء وخوف خفي، شعر بحاجة ملحة لإخفائها عن الأعين، فمزق جزءاً من ثيابه البالية، وبالتحديد كمه الأيسر، ليلفها حول معصمه بإحكام.
استفاق وهو يشعر بصداع شديد، والشيء الوحيد الذي كان في باله في تلك اللحظة هو اسم، اسم لشخص يبدو أنه كان عزيزاً عليه. هل هو قريب منه؟ هل هي أخته؟ من هي لوسيا؟ ولماذا هذه الفكرة والرغبة العارمة في البحث عنها؟
من أنا؟ أين أنا؟ ما هذه العلامة الغريبة؟ من هي لوسيا؟ هل تمتلك هي الإجابات؟
بصعوبة وجهد كبير خرج كلايف من ما يبدو أنه تابوت، عريض وضخم وغريب الشكل، تملؤه علامات رونية، بعضها كان لا يزال ينبض، وبعضها كأنه بدا مفهوماً بالنسبة له رغم غرابتها الشديدة.
"أين أنا؟" قال كلايف.
كان المكان كبيراً وواسعاً، بنحو بث بعض الخوف والريبة في قلب كلايف.
خرج كلايف يبحث عن مخرج من هذا المكان الغريب، لكن من شدة التعب كان بالكاد يستطيع المشي.
بعد عدة دقائق أحس بها كأنها ساعات طويلة من المشي، وصل كلايف إلى نهاية نفق يخرجه من هذا المكان الغريب الذي لم يعرفه ولم يفهم ما هو.
ليرى السماء السوداء المظلمة.
بدا المنظر غريباً جداً، كأنها لم تكن السماء التي اعتادها، وهذا القمر الخافت المشوه المكسور الذي بالكاد يتماسك لم يكن القمر الذي عرفه من قبل.
وقبل أن يتمعن في السماء، أصابه صداع شديد، وكان رأسه على وشك الانفجار، وبدأ يشعر وكأن عينه اليسرى تتمزق.
ثم سقط على الأرض فاقداً وعيه، لتوقظه شمس الصباح.
الشمس لم تكن حارقة، ولم تكن ساطعة جداً، ليس كما ظن أنه اعتادها، ولكن من يدري ماذا اعتاد؟ حتى هو لا يدري.
فكل شيء بالنسبة لكلايف كان كأنه يختبره لأول مرة.
كان ذلك الكفن كرحم أمه، وهذه هي ولادته.
بدا وكأنه كان في مكان مرتفع في جبل نائي، تلفه الأشجار والغابات المظلمة، فاستغل ضوء النهار ليحاول النزول والوصول إلى مكان يجد فيه بعض الأشخاص الآخرين، شخص يشرح له أين هو، وأين هي لوسيا.
بدأ رحلته سيراً على الأقدام، وعانى من الإرهاق الشديد والجوع الشديد، وبالكاد تمكن من تجنب والهروب من بعض الحيوانات والكائنات الغريبة.
بعد ما بدا له وكأنه أيام من السفر، وصل إلى ما يبدو أنه طريق سفر، ما بدا وكأنه بارقة أمل في إيجاد مساعدة.
مرت عليه أكثر من عربة عابرة، لكنهم جميعاً رفضوا أن يتوقفوا لأجله، وبعضهم رفض حتى أن ينظر إليه.
لم تمر عربة إلا بعد ساعات من سابقتها، ومع كل مرور كان يفقد الأمل أكثر في إيجاد بعض المساعدة.
كادت الشمس أن تغرب، ويغرب معها آخر الآمال المتبقية.
إلى أن توقفت عربة، ونزل منها شخص طويل القامة.
كان في نظر كلايف يمثل هذا الشخص بارقة أمل، وخيط الحياة الأخير.
وناداه بصوت جهور:
"من أنت يا هذا؟"
فرد عليه:
"كلايف."
فسأله الرحالة:
"كلايف من؟"
لكن كلايف لم يملك من الطاقة أكثر مما يحافظ به على وعيه للدقائق القليلة الباقية، فمد إليه الرجل يده.
كان المنظر غريباً جداً في نظر كلايف.
في هذا العالم الغريب والقاسي، كان هذا الرجل يشع بهالة سوداء غير مريحة تكاد تكون محسوسة.
وقبل أن يفقد وعيه، حاول كلايف الوصول إلى يد الرجل.
سقط كلايف مغشياً عليه، ليتداعى جسده المنهك فوق التراب القاسي، وجاءت تلك الهالة الخافتة التي لمحها بعينه اليسرى كآخر خط فاصل بينه وبين الظلمة المطلقة.
لم تكن الاستفاقة هذه المرة مصحوبة بألم التابوت الحجري، بل برائحة نفاذة تجمع بين التبن المحترق وروث الدواب والدماء المجففة.
فتح كلايف عينيه بثقل، ليجد نفسه مستلقياً في قاع عربة خشبية تتذبذب بقسوة مع كل حفرة على الطريق الترابي.
كان سقف العربة القماشي المزرق يترنح، وضباب الفجر البارد يتسلل من الفتحات ليلف جسده برعشة قارسة.
على مسافة أقدام منه، كان يعلو صوت صرير العجلات وشخير حصان ينقاد بصعوبة، بينما يجلس صاحب الهالة عند مقعد القيادة، يعطي ظهره لكلايف.
لم تكن هناك هالة ذهبية الآن، بل مجرد رجل عريض المنكبين، يرتدي عباءة صوفية ثقيلة تهرأت أطرافها من غبار الطرقات، وتتدلى من حزامه الجلدي جِرْبة مياه جلدية وغماد سيف قصير أكل الصدأ جانبيه.
تحرك كلايف محاولاً الجلوس، فاخترق الصداع رأسه مجدداً كإبرة محماة، واستجابت عضلاته ببطء مأساوي.
التفت الرجل إلى الخلف فور سماعه حركة الخشب تحته، لتظهر ملامحه تحت ضوء الفجر الشاحب: وجه نحته الشقاء، وجنة غائرة، وعينان رماديتان تخلوان من أي عاطفة، تقاطعهما ندبة قديمة تمتد من جبهته حتى فكه الأيسر.
قال الرجل بصوت جاف يشبه صرير الرخام، دون أن يبدي أي ود:
"ظننتك ستفارق الحياة قبل أن نبلغ تلة الرماد. جسدك يغلي بالحُمّى، وعيناك تحملان شحوب الجثث."
حاول كلايف الكلام، لكن حنجرته كانت جافة كالكلس، فلم يخرج منها سوى حشرجة غير مفهومة.
ألقى إليه الرجل جِرْبة الماء بقسوة، فسقطت على صدره:
"اشرب، لكن لا تهدر قطرة واحدة. الماء في هذه النواحي أثمن من دمك."
جرع كلايف الماء بلهفة، وشعر بالبرودة تسري في جوفه المشتعل، قبل أن يستجمع قواه ويسأل بنبرة خافتة، متقطعة الأنفاس:
"من... من أنت؟ وإلى أين..."
قاطعه الرجل وهو يعود بنظره إلى الطريق الأمامي، وكأنه يتحدث إلى الفراغ:
"اسمي بران. تاجر خردة ودواب، وربما جثث إذا كان السعر مجزياً. أما إلى أين، فنحن نتجه إلى بلدة روكفن... إذا لم تخرج لنا قطاع الطرق أو الكائنات التي تعيش في أحراش الضباب قبل الغروب."
صمت بران لبرهة، ثم أردف بنبرة سخرية قاسية:
"وسؤالك التالي يجب أن يكون: كم سيكلفك هذا العطف؟ لأنني لا أحمل المجانين أو الموتى بالمجان يا صاحب اليد الملفوفة."
ألقى بران نظرة سريعة وخاطفة على المعصم الأيسر لكلايف، المعصم المربوط بقطعة القماش الممزقة.
شل الخوف حركة كلايف.
هل رأى العلامة؟
هل يعرف ما تعنيه تلك الرونات التي تبدو وكأنها تنبض تحت جلده؟
تابعت العربة سيرها وسط أشجار الغابة الميتة التي بدت جذوعها المتفحمة وكأنها أذرع تصرخ نحو السماء الرمادية.
ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت العجلات، حتى تجرأ كلايف وسأل، والاسم يتلعثم على لسانه كالتعويذة:
"لوسيا... هل تفهم هذا الاسم؟ هل سمعت بامرأة تدعى لوسيا؟"
ضحك بران ضحكة قصيرة، خاوية من أي مرح، وأخرج خنجراً صغيراً ليقشر به قطعة من اللحم المجفف قبل أن يلقي بجزء منها نحو كلايف:
"لوسيا؟ في هذا العالم الملعون، هناك ألف لوسيا ماتت بالدماء السوداء، وألف أخرى بيعت في أسواق العبيد جنوباً. إن كنت تبحث عن اسم بلا عائلة ولا وجه، فأنت تطارد طيفاً في الموت. اعلم يا فتى... المناداة بالأشخاص الذين نسيناهم هي أول خطوات الجنون هنا."
اقتربت العربة من ضفة نهد منخفض، ولأول مرة منذ استفاقته، لمح كلايف في الأفق مظاهر للحياة البشرية... لكنها لم تكن تبشر بأي أمل.
كانت بلدة "روكفن" تبدو من بعيد كجثة متحللة تعتلي التلة؛ أسوارها الخشبية متآكلة، والدخان الأسود الكثيف يتصاعد من وسطها ليرسم أشكالاً مشوهة في السماء، بينما تقف عند مدخلها مشانق خشبية تتدلى منها أجساد متفحمة تركها أهل البلدة لتحذر الغرباء.
التفت بران إلى كلايف، وعيناه الرماديتان تثبتان عليه بصرامة قاسية:
"وصلنا. الآن، حان وقت التسديد. ليس لديك مال، ولا تذكر اسم عائلتك، ويدك المربوطة تثير ريبتي... ستقدم لي عملك في نقل البضائع وتنظيف السلاح، وإلا سأتركك عند بوابة روكفن ليأكلك الجوع أو يقطع رأسك حراس الحاكم قبل حلول الليل."
في تلك اللحظة، مع رعب البلدة القادمة وقسوة بران، اشتد الصداع في رأس كلايف من جديد، ونبضت العلامة تحت القماش بحرارة كادت تحرق معصمه، بينما بدأت عينه اليسرى ترى خطوطاً خفيفة من الريبة تشع من البوابة المظلمة لروكفن... وكأن المكان نفسه يحمل سراً يبحث عنه.
وصلت العربة إلى مشارف مدينة "روكفن" الصاخبة والمرعبة.
أثناء تجهيز بران للبضائع، لمح كلايف محادثة سرية بين بران وشخص آخر يتبادلان فيها قطعاً نقدية غريبة مقابل تسليمه.
أدرك كلايف الخطة الخبيثة وفرّ هارباً إلى زقاق مظلم، حيث تصادمت خطواته المنهكة مع خطوات رجل آخر.
رفعت عينا كلايف لتلمح هالة بيضاء ذهبية تشع من هذا الغريب، وبدأت عينه اليسرى ترى حلقة ذهبية تحيط بجسده.
شرح كلايف الوضع سريعاً للغريب، الذي ساعده على الاختباء وأخذه إلى المكان الذي يقيم فيه.
هناك، بدأ الرجلان بالحديث، وتفاجأ الغريب بمعرفة كلايف لاسمه فقط وبحثه عن لوسيا.
بعد ذلك، قدم الرحالة نفسه — وكان اسمه "لوسيان".
جلس لوسيان في زاوية الغرفة، ينظر إلى كلايف بعينين مليئتين بالشك والريبة.
كسر الصمت الثقيل قائلاً بصوت منخفض يشوبه الحذر:
"أتعي أين نحن؟ في هذا الحي، الثقة في الغرباء تعني الموت أسرع مما تتخيل. كان بإمكان أي شخص هنا أن يغدر بك، فلماذا خاطرت بحياتك لتثق بي؟"
رد كلايف بضعف، ولكنه بثبات في عينيه:
"لم أملك وقتاً للتفكير، ولسبب ما... أحسست أنني يجب أن أثق بك. هناك شيء أخبرني أنك الوحيد الذي يمكنه فهمي في هذا العالم المظلم."
تأمل لوسيان كلايف بنظرة مطولة، قبل أن يقطع الصمت قائلاً:
"حسناً. خذ لك حماماً دافئاً ليزيل أثر الطريق، بينما أحضر لك ملابس أخرى ووجبة تدفئ جوفك. حينها سنجلس ونتفاهم ونتبادل الحقائق."
في تلك اللحظات، لاحظ كلايف نظرات لوسيان الغريبة التي كانت تستقر على يده المربوطة، وكأنه يدرك تماماً السر الدفين هناك، لكنه آثر الصمت ولم يوجه أي سؤال.
خرج كلايف من الحمام وقد ارتدى الملابس الجديدة، مغطياً معصميه بقفازات داكنة تخفي العلامة عن الأعين.
كان لوسيان جالساً على المائدة في انتظاره، وأطباق الطعام الدافئ تصاعد منها رائحة زكية تملأ المكان.
رحب به قائلاً:
"تعال، لنتناول الطعام معاً ونتبادل أطراف الحديث."
جلس كلايف على المائدة، وتأمل القفازات التي أحضرها لوسيان.
أدرك حينها أن لوسيان يعلم تماماً برغبته في إخفاء العلامة، مما زاد من دهشته وحذره في الوقت نفسه.
ارتسمت على وجه لوسيان ملامح المفاجأة وهو يستمع إلى كلمات كلايف عما قاله بأنه لا يملك إثباتاً لهويته، ولا يذكر شيئاً سوى اسمه واسم لوسيا.
بعد لحظة صمت، أخذ نفساً عميقاً وقال بصوت منخفض:
"كلايف، ألا تتذكر شيئاً سوى اسمك؟ هذا أمر غريب... وبالنسبة إلى لوسيا، لا أعرف أحداً بهذا الاسم هنا. ربما تكون الإجابات مدفونة في ماضٍ تجهله."
التفت لوسيان إلى كلايف بجدية ممزوجة بالحذر، ونظر إلى معصمه الذي تخفيه القفازات.
قال لوسيان بصوت حازم:
"عليك أن تخفي هذه الحقيقة عن العالم. يجب ألا يعرف أحد بعدم انتمائك إلى عائلة. ففي هذه المدينة لا يدين لأحد ببراءة. يجب أن نبتكر لك هوية جديدة، تصنع بها قلادة هويتك الخاصة، بها ختم عائلة أستورا في الخلف واسمك في المقدمة."
عقد كلايف حاجبيه بتعجب، ورد قائلاً:
"ولكنني لا أعرف كيف أحصل على مثل هذه القلادة، ولا من أين أبدأ."
فأجابه لوسيان ببرود وثقة:
"لا تقلق. فأنا أعرف من يملك القدرة على مساعدتنا في هذا الأمر، وسأضمك إلى كنف عائلتنا لتكون آمناً."
ازداد تعجب كلايف وسأله:
"ولكن لماذا تفعل كل هذا من أجلي وأنت لا تعرف عني أي شيء؟"
نظر إليه لوسيان مطولاً قبل أن يجيب.
هذه المرة لم تكن نبرته حازمة، بل أكثر هدوءاً، وكأن السؤال أعاده إلى ذكرى لم يكن يرغب في استحضارها.
"لأنني أعرف معنى أن تكون ضائعاً."
صمت للحظة، ثم تابع:
"أعرف معنى أن تستيقظ كل صباح ولا تعرف إلى أين تمضي، أو لماذا تمضي أصلاً. أن تبحث عن شيء لا تعرف اسمه، أو عن هدف لا تعرف إن كان موجوداً. لقد مررت بنفس العتمة."
نظر كلايف إليه دون أن يقول شيئاً.
تابع لوسيان:
"كنت في وقت من حياتي باحثاً بلا هدف. أتنقل من مكان إلى آخر، وأقنع نفسي بأنني أبحث عن إجابة، بينما الحقيقة أنني كنت أهرب من السؤال."
خفض عينيه نحو المائدة، ثم قال:
"الفرق بيني وبينك أنني امتلكت ما يكفي من الوقت لأتعلم كيف أعيش مع ذلك الضياع. أنت لم تحصل حتى على فرصة لتعرف من أنت."
رفع عينيه نحو كلايف.
"لذلك لا أساعدك لأنني أثق بك."
سكت قليلاً.
"أنا أساعدك لأنني أعرف كيف يبدو الإنسان عندما يفقد كل شيء... ولا يبقى له سوى شيء واحد يتمسك به."
قال كلايف بصوت خافت:
"ولوسيا؟"
تغيرت ملامح لوسيان قليلاً.
"أحياناً، يا كلايف، يكون الاسم الوحيد الذي نتذكره هو الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الاستسلام."
ظل كلايف صامتاً.
لم يعرف لماذا، لكن كلمات لوسيان أصابته في مكان أعمق من مجرد الذاكرة.
وكأن الرجل لم يكن يتحدث إليه فحسب...
بل كان يتحدث إلى شيء يعرفه كلاهما، رغم أن كلايف لم يكن يعرف ما هو.
بعد لحظة، قال لوسيان:
"أما بالنسبة إلى حاجتي إليك، فربما ستفهمها يوماً. كما رأيت فيّ شيئاً دفعك لتكشف سرك، أرى أنني قد أحتاج إليك في المستقبل، لذا أقدم لك المساعدة على أمل أن نتقابل مجدداً، وتمد لي يد العون يوماً ما."
تعجب كلايف وسأل بنبرة خافتة:
"لماذا هي بهذه الخطورة؟ ما الذي يجعل عدم معرفتي لعائلتي أمراً مهلكاً؟"
تنهد لوسيان وأجابه بمرارة:
"في هذا العالم، اللقطاء والمنبوذون هم أكثر الناس معاناة. قد يُباعون كابن سبيل ويصبحون عبيداً... أو يُنفون إلى خارج الأسوار للموت بالبرد والوحوش، أو ينتهي بهم المطاف قتلى دون أن يلتفت إليهم أحد."
صمت لحظة.
"لذلك، عدم وجود هوية لك يعني أنك هدف سهل للطمع والقسوة."
طلب لوسيان من كلايف أن يستريح ويأخذ قسطاً من الراحة، حتى يتسنى له الخروج لقضاء بعض أعماله اللازمة لزيارته، وكذلك لمتابعة أمر القلادة.
استجاب كلايف ورقد ليخلد إلى نوم عميق ومريح، استشعر معه وكأنه لم يذق طعم النوم الحقيقي طوال حياته من قبل.
وعندما استيقظ، وجد لوسيان قد عاد بالفعل.
تقدم لوسيان نحوه ومعه القلادة المصنوعة حديثاً، وقدمها له وهو يقول بنبرة ترحيب:
"مرحباً بك، كلايف أستورا."
تناول كلايف القلادة بامتنان، وعبر عن تقديره العميق لموقفه.
ساد صمت قصير وتبادلا نظرات مليئة بالتساؤلات، إلى أن كسر لوسيان التوتر قائلاً:
"هل ما زلت لم أفعل ما يكفي لأكسب ثقتك، لتخبرني بما تخفيه تحت هذه القفازات؟"
ارتبك كلايف وعجز عن الرد في اللحظة الأولى.
وقبل أن يحاول تركيب إجابته، أردف لوسيان بهدوء:
"لقد لاحظت الأمر منذ اللحظة الأولى التي التقينا فيها، وأردت منحك خصوصيتك لتتحدث بنفسك عندما تتجهز لذلك. لكنني أود أن نكون واضحين تماماً، لنعرف إن كان يستطيع كل منا أن يثق بالآخر بحق."
خلع كلايف قفازاته ببطء، ليكشف عن علامة غريبة على معصمه.
عندما رآها لأول مرة، أحس بإحساس غريب ومفاجئ، وبدا الأمر وكأنه شيء ليس مألوفاً.
لكن على العكس، لم تبدُ ملامح لوسيان استغراباً شديداً، بل كان الأمر مألوفاً له بشكل ما.
قال لوسيان بنبرة تخفي الكثير:
"أحسنت صنعاً بإخفائها. هل لديك أي فكرة عما تعنيه هذه العلامة؟"
رد كلايف قائلاً:
"لا أملك أدنى فكرة عنها، ولكنني عندما استيقظت ورأيتها، انتابتني رغبة غريزية ملحة لإخفائها."
اقترب لوسيان من كلايف بنظرات حادة وسأله:
"أين استيقظت يا كلايف؟ وما الذي تتذكره تحديداً مما حدث لك؟"
نظر إليه كلايف بحيرة وقال:
"لا أذكر أي شيء عن الماضي... لقد استيقظت داخل تابوت غريب حُفرت عليه علامات رونية."
ثم أكمل مضطرباً:
"وعندما خرجت ورأيت ذلك القمر العجيب في السماء، شعرت بدوار شديد وفقدت وعيي."
وأضاف:
"وعندما أفقت، وجدت نفسي على عربة تاجر. فقدت وعيي مجدداً طوال الطريق أو معظمه، لذا ليس لدي أي فكرة عن الاتجاه أو المكان الذي أتيت منه."
قال لوسيان بينما يبتعدان عن الأطراف:
"اعلم يا صديقي أن توازن عالمنا قائم على تبادل المنافع بين أربع مدن رئيسية."
صمت قليلاً، ثم تابع:
"هذه المملكة، روكفن، هي المصدر الرئيسي للماشية واللحوم التي تصدرها لباقي الأراضي. أما فردانشيا فهي المسؤولة عن المنتجات الزراعية من خضروات وفواكه، وتعتمد عليها بقية الممالك. والمدينة الثالثة، أوريفيل، تنتج الموارد الخام مثل الخشب والمعادن وتضم أمهر الصناع."
ثم نظر إلى كلايف.
"في الأساس، كان عالمنا مكوناً من هذه الممالك الثلاث فقط، قبل أن تنشأ مدينة رابعة حديثاً تدعى أوبسيديا، والتي تتميز بمنتجاتها الفريدة والمحكورة عليها وحدها
.
واصل لوسيان حديثه بينما كانا يسيران في الطريق المؤدي إلى داخل المدينة.
"لكن هناك شيئاً آخر يجب أن تعرفه يا كلايف. ما أخبرتك به عن المدن الأربع لا يعني أن بإمكان أي شخص أن يركب عربة ويتجه إلى إحداها."
نظر إليه كلايف باهتمام.
"لماذا؟"
"لأن الانتقال بين المدن ليس أمراً متاحاً للجميع."
توقف لوسيان لحظة، ثم تابع:
"في الواقع، بالنسبة إلى معظم الناس، مغادرة المدينة التي ولدوا فيها أمر يكاد يكون مستحيلاً."
عقد كلايف حاجبيه.
"مستحيلاً؟"
"ليس بالمعنى الحرفي. لكنه صعب بما يكفي ليكون كذلك."
أشار لوسيان بيده نحو الطريق الممتد أمامهما.
"المدن الثلاث القديمة لها حدودها وحراسها وسجلاتها. ولكل واحدة منها قوانينها الخاصة بشأن من يدخلها ومن يخرج منها. لا يمكنك أن تصل إلى البوابة وتقول إنك تريد السفر."
"وماذا يحدث إن حاول شخص ذلك؟"
"سيُسأل عن اسمه، عائلته، موطنه، عمله، سبب سفره، والجهة التي تضمن وجوده في المدينة الأخرى."
ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة.
"وبعضهم سيُسأل عن أشياء أكثر مما ينبغي."
صمت كلايف قليلاً، ثم قال:
"إذن من يستطيع السفر؟"
"أشخاص محددون."
"مثل من؟"
"السفراء. كبار التجار. أفراد بعض العائلات ذات النفوذ. رجال الدين. بعض الحرفيين الذين تحتاج إليهم مدينة أخرى. وأحياناً أشخاص يحملون أوامر رسمية."
ثم أضاف:
"لكن حتى هؤلاء لا ينتقلون كما يشاؤون. أغلب الزيارات تكون قصيرة، ولأسباب محددة."
"أي أن شخصاً من روكفن مثلاً لا يستطيع أن يقرر فجأة أن يعيش في فردانشيا؟"
"ليس بهذه السهولة."
نظر لوسيان إلى كلايف.
"في معظم الحالات، الشخص لا يذهب إلى مدينة أخرى لأنه يريد الذهاب إليها. يذهب لأنه مُكلّف بشيء هناك."
"والباقون؟"
"يبقون حيث ولدوا."
ساد الصمت بينهما للحظات.
كان كلايف يحاول استيعاب الأمر.
"غريب."
"ما الغريب؟"
"أن تكون المدن بهذه القرب من بعضها، ومع ذلك يعيش الناس وكأن بينها عالماً كاملاً."
توقف لوسيان عن السير للحظة، ثم قال:
"ربما لأنها بالفعل عوالم مختلفة."
رفع كلايف نظره إليه.
"لكنها تعتمد على بعضها."
"وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً."
تابع لوسيان سيره.
"روكفن تحتاج إلى محاصيل فردانشيا. فردانشيا تحتاج إلى أخشاب ومعادن أوريفيل. وأوريفيل تحتاج إلى اللحوم والماشية من روكفن."
ثم ابتسم بسخرية خافتة.
"الجميع يحتاج إلى الجميع... لكن لا أحد يثق بأحد."
بقي كلايف صامتاً قليلاً، قبل أن يخطر في باله سؤال آخر.
"وماذا عن أوبسيديا؟"
توقفت خطوات لوسيان للحظة.
لم يكن التوقف طويلاً، لكنه كان كافياً لأن يلاحظه كلايف.
"أوبسيديا مختلفة."
"كيف؟"
نظر لوسيان إلى الأفق.
"أوبسيديا مدينة يلفها الغموض."
قالها بنبرة مختلفة عن حديثه السابق، وكأن الاسم نفسه يحمل شيئاً لا يرغب في الاقتراب منه.
"القوانين التي تحكم المدن الأخرى لا تسري عليها بالطريقة نفسها."
اتسعت عينا كلايف قليلاً.
"ماذا تقصد؟"
"أقصد أن أوبسيديا لم تدخل في النظام القديم كما دخلت المدن الثلاث الأخرى. لها قواعدها الخاصة، وعلاقاتها الخاصة، وحتى طريقة تعاملها مع الغرباء مختلفة."
"وهل يستطيع أي شخص دخولها؟"
ابتسم لوسيان ابتسامة صغيرة.
"لو كان الأمر بهذه البساطة، لما بقيت أوبسيديا لغزاً."
ظل كلايف ينظر إليه.
كان هناك شيء في طريقة كلام لوسيان يثير فضوله أكثر مما يجيبه.
قال كلايف:
"أنت تعرف الكثير."
التفت لوسيان إليه.
"عن ماذا؟"
"عن المدن. قوانينها. طرق السفر بينها. حتى أوبسيديا."
ثم أضاف:
"أنت تتحدث وكأنك عشت في كل واحدة منها."
ظهرت على وجه لوسيان ابتسامة صغيرة، بالكاد يمكن ملاحظتها.
"هل هذا ما تظنه؟"
"هذا ما يبدو لي."
"ربما ينبغي عليك ألا تصدق كل ما يبدو لك."
"هذا ليس جواباً."
"لم أقل إنه جواب."
ظل كلايف صامتاً وهو يراقبه.
كان يتوقع أن يضيف لوسيان شيئاً آخر، لكنه لم يفعل.
وبعد لحظات، قال كلايف:
"إذن... من أي مدينة أنت؟"
استمر لوسيان في السير.
لم يجب.
انتظر كلايف بضع خطوات.
ثم قال:
"لوسيان؟"
التفت إليه الرجل، وعلى وجهه تلك الابتسامة الهادئة نفسها.
"أنت كثير الأسئلة."
"وأنت كثير الأجوبة التي لا تجيب عن شيء."
ضحك لوسيان ضحكة خافتة.
"ربما لأن بعض الإجابات لا تفيد صاحبها بشيء."
"أريد فقط أن أعرف من أين أتيت."
"وأنا أريد فقط أن تعرف إلى أين أنت ذاهب."
عقد كلايف حاجبيه.
"هذا ليس ما سألت عنه."
"أعرف."
ثم عاد لوسيان ينظر إلى الطريق.
"لكن صدقني... ستعرف في الوقت المناسب."
بقي كلايف يحدق فيه للحظات.
لم تعجبه الإجابة.
بل أكثر من ذلك، بدأ يشعر بأن لوسيان لم يتجنب السؤال لأنه لا يريد الإجابة فحسب...
بل لأنه يملك سبباً حقيقياً يمنعه من الإجابة.
تابعا السير دون أن يتحدث أي منهما.
وفي تلك اللحظة، أدرك كلايف شيئاً لم يكن قد فكر فيه من قبل:
ربما لم يكن هو الشخص الوحيد الذي يحمل ماضياً لا يريد أن يتحدث عنه.
وبعد فترة طويلة من الترحال، بدأت ملامح المدينة تتغير من حولهما.
ازدادت المباني ارتفاعاً واتسعت الشوارع، وظهرت الساحات والأسواق والممرات الحجرية التي تتفرع في اتجاهات مختلفة. ومع ذلك، لم يستطع كلايف التخلص من إحساس غريب ظل يرافقه منذ دخوله المدينة.
كانت المدينة ضخمة.
ضخمة إلى درجة جعلته يتساءل كيف يمكن لمدينة بهذا الحجم أن تكون واحدة من أربع مدن فقط في العالم.
لكن شيئاً لم يكن منطقياً.
عدد السكان.
كان قليلاً.
قليلاً بصورة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم المدينة ولا مع المكانة التي وصفها له لوسيان. كانت هناك شوارع واسعة تكفي لآلاف الأشخاص، ومبانٍ ضخمة تمتد لمسافات طويلة، وساحات كاملة لا يوجد فيها سوى عدد قليل من المارة.
حتى الأسواق بدت هادئة أكثر مما ينبغي.
كانت المدينة تحمل آثار حضارة عظيمة، لكن البشر الذين يفترض أن يملؤوها كانوا غائبين عنها بصورة تثير القلق.
توقف كلايف للحظة ونظر خلفه.
"لوسيان."
"ماذا؟"
"أليست هذه إحدى المدن الأربع الكبرى؟"
"بلى."
"إذن لماذا تبدو... فارغة؟"
نظر لوسيان إلى الشارع أمامهما.
"ربما لأن المدن لا تُقاس دائماً بعدد من يعيشون فيها."
لم يفهم كلايف ما قصده، لكنه لم يسأله.
واصل الاثنان السير.
وبعد عدة دقائق، ظهر أمامهما مبنى جعل كلايف يتوقف دون أن يشعر.
كان ضخماً.
لا، لم يكن هذا الوصف كافياً.
كان المبنى أشبه بكتلة هائلة من الحجر ارتفعت فوق المدينة، متجاوزة معظم الأبنية المحيطة به بارتفاع شاسع. امتدت جدرانه من الأرض إلى أعلى، مغطاة بحجارة داكنة تآكلت أطراف بعضها بفعل الزمن، بينما غطت أجزاء منها نقوش غريبة لم يستطع كلايف تحديد أصلها.
لكن الجزء العلوي هو الذي شد انتباهه.
لم يكن المبنى يرتفع بطريقة تقليدية.
فعند اقترابه من أعلى نقطة، اتسعت بنيته إلى شكل دائري هائل، ثم انفتح مركزها على فراغ عميق.
💬 التعليقات