توقّف لوسيان عند الباب.
ثم التفت إليه.
"لكنني أظن أنك ستندم أكثر إذا لم تأت."
لم يعرف كلايف ماذا يجيب.
فتح لوسيان الباب.
وقبل أن يخرج، قال:
"استناني هنا."
رفع كلايف رأسه.
"إلى أين؟"
"لا تخرج."
ازدادت حيرة كلايف.
"لماذا؟"
نظر إليه لوسيان بنظرة جادة.
"أريد أن أذهب لأجلب بعض التجهيزات لنا."
"أي تجهيزات؟"
توقّف لوسيان للحظة.
"سأشرح لك عندما أعود."
"وكم ستتأخر؟"
"لا أعرف."
ثم أضاف:
"ساعتين... ربما ثلاثاً."
"لوسيان."
التفت إليه.
"ماذا؟"
"هل هناك شيء لا تخبرني به؟"
ظهرت تلك الابتسامة الصغيرة نفسها على وجهه.
"هناك أشياء كثيرة لا أخبرك بها."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
---
مرت الساعة الأولى ببطء.
ثم الثانية.
كان كلايف يجلس قرب النافذة، تارة ينظر إلى الشارع، وتارة يحدق في المبنى البعيد.
الضريح الملكي.
كان الاسم يزداد غرابة كلما كرره في ذهنه.
حاول أن يستعيد تفاصيله.
الدائرة الحجرية الهائلة.
الفراغ الموجود في قلب البرج.
الجسر الممتد فوقه.
والبناء الحجري الذي يشبه ضريحاً قائماً في منتصفه.
لم يستطع فهم العلاقة بين تلك الأشياء.
ولا سبب وجودها.
ولا لماذا شعر، منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، بأن شيئاً داخله يعرفه.
مر وقت آخر.
ثم سمع صوت خطوات في الممر.
توقفت الخطوات أمام الباب.
ثم فُتح.
رفع كلايف رأسه.
دخل لوسيان.
لكن هذه المرة لم يكن يحمل كيساً من الطعام أو بعض الأمتعة.
كان يحمل أسلحة.
اتسعت عينا كلايف.
توقف لوسيان في منتصف الغرفة.
كان يحمل سيفاً ملفوفاً بقطعة قماش داكنة، وحزاماً جلدياً تتدلى منه خناجر صغيرة، إضافة إلى حقيبة ثقيلة بدت ممتلئة بأشياء معدنية.
ظل كلايف يحدق فيه.
ثم وقف ببطء.
"ما هذا؟"
وضع لوسيان الحقيبة على الأرض.
صدر عنها صوت معدني ثقيل.
نظر كلايف إليها، ثم إلى الأسلحة.
"لوسيان..."
لم يجبه.
اقترب لوسيان من الطاولة وبدأ يرتب ما أحضره بهدوء، كما لو أن الأمر طبيعي تماماً.
تقدم كلايف خطوة.
"قلت إننا ذاهبان إلى مناسبة."
أخرج لوسيان خنجراً قصيراً، تفحص نصله، ثم أعاده إلى غمده.
"صحيح."
"فلماذا تحتاج إلى كل هذه الأسلحة؟"
رفع لوسيان عينيه إليه.
كان وجهه هادئاً.
هادئاً أكثر مما ينبغي.
قال:
"ستعرف."
حدق كلايف فيه للحظات.
ثم نظر إلى السيف.
إلى الخناجر.
إلى الحقيبة الثقيلة.
ثم عاد بنظره إلى لوسيان.
"بدأت أكره هذه العبارة."
ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة.
"اعتد عليها."
ثم عاد إلى تجهيز معداته.
أما كلايف، فلم يعد قادراً على الشعور بالفضول وحده.
لأول مرة منذ استيقاظه، بدأ يشعر بالخوف مما ينتظره في اليوم التالي.
وخارج النافذة، كان الضريح الملكي يقف في ظلام الليل.
صامتاً.
ثابتاً.
كأنه لم يكن ينتظر قدومهما.
بل كان يعرف أنهما قادمان.
في صباح اليوم التالي، استيقظ كلايف على طرقات خافتة على باب الغرفة.
فتح عينيه ببطء، وظل للحظات يحدق في السقف الخشبي فوقه، محاولاً أن يستوعب المكان. كان جسده لا يزال يحمل إرهاق الأيام الماضية، لكن النوم هذه المرة كان أعمق من المعتاد.
نهض، غسل وجهه، ثم خرج إلى الغرفة الرئيسية.
كان لوسيان جالساً إلى الطاولة، وقد سبق إليه. أمامه كانت خريطة صغيرة مطوية، وبعض قطع النقود، وعدد من الأدوات التي لم يستطع كلايف معرفة استخدامها. وعلى الطرف الآخر من الطاولة، كانت الأسلحة التي عاد بها لوسيان في الليلة الماضية.
توقفت عينا كلايف عندها.
سيفان قصيران، خنجران، وبعض الأحزمة الجلدية، إلى جانب أدوات أخرى لا تبدو كأنها مخصصة لمجرد السفر.
جلس قبالته.
"أريد أن أفهم شيئاً."
رفع لوسيان عينيه إليه.
"الأسلحة."
لم يجب.
"أحضرتها من أجل ماذا؟"
أخذ لوسيان نفساً هادئاً، ثم أشار إلى عنق كلايف.
"أولاً، أظهر قلادتك."
أخرج كلايف قلادة أستورا من تحت ملابسه.
نظر إليها لوسيان.
"اليوم لا تخفها."
"لماذا؟"
"لأنك ستحتاج إليها."
"لأي شيء؟"
ابتسم لوسيان ابتسامة صغيرة.
"ستعرف عندما يحين الوقت."
حدق كلايف فيه للحظات، ثم أعاد القلادة إلى صدره، لكن هذه المرة تركها ظاهرة فوق ملابسه.
أخرج لوسيان ورقة صغيرة ومدها إليه.
"هذه الأشياء أريدك أن تشتريها."
نظر كلايف إلى القائمة.
"ماء، لحم مجفف، بعض المكونات، عباءات، وأدوات سفر."
"بالضبط."
"كم سنبقى خارج المدينة؟"
"لا أعرف."
رفع كلايف عينيه إليه.
"لا تعرف؟"
"المدة ليست مهمة الآن. المهم أن نخرج."
ثم أضاف:
"أريدك أن تشتري كل شيء دون أن تلفت الانتباه. لا تتجادل مع التجار، ولا تسأل عن أشياء لا تحتاج إليها."
"وأين أضعها؟"
"تعود بها إلى هنا."
"وبعدها؟"
"ترتبها كلها وتجهزها للخروج."
ظل كلايف صامتاً لحظات.
ثم قال:
"إذن الخطة حقيقية."
"نعم."
"سنخرج من روكفن."
"بعد المراسم."
رفع كلايف رأسه.
"لماذا بعدها؟"
لم يجب لوسيان مباشرة.
قال:
"لأن التوقيت مهم."
"وهذا كل شيء؟"
"هذا كل ما تحتاج إلى معرفته."
تنهد كلايف.
"حسناً. وماذا عنك؟"
"لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها."
"أين؟"
نظر إليه لوسيان نظرة قصيرة.
"لا يهم."
عرف كلايف من نبرته أنه لن يحصل على جواب.
قال:
"وماذا أفعل بعد أن أشتري الأشياء؟"
"تعود إلى هنا."
"ثم؟"
"تذهب إلى المراسم."
رفع كلايف حاجبه.
"وإذا انتهت؟"
قال لوسيان:
"بمجرد أن تنتهي المراسم، وتخرج العروس والعريس من الضريح، لا تنتظر أحداً."
"أعود إلى هنا."
"بالضبط."
"ثم؟"
نظر إليه لوسيان طويلاً.
"سيأتي شخص إليك."
"من؟"
"لن تعرفه."
"كيف سأعرف أنه هو؟"
قال لوسيان:
"سيقول لك إنه صديق لي."
"وهذا يكفي؟"
"نعم."
"وماذا أفعل معه؟"
"تتبعه."
تغيرت ملامح كلايف قليلاً.
"إلى أين؟"
"إلى خارج المدينة."
ساد الصمت.
ثم أضاف لوسيان:
"خذ معه كل المؤن والأغراض التي اشتريتها. لا تترك شيئاً."
"وأنت؟"
"سألحق بك."
"متى؟"
"عندما أستطيع."
ظل كلايف ينظر إليه.
"أنت تطلب مني أن أتبع شخصاً لا أعرفه إلى خارج مدينة كاملة، لأنك أخبرتني فقط أنه صديق لك."
"نعم."
"وتريدني ألا أسأل؟"
ابتسم لوسيان.
"أريدك أن تثق بي."
ظل كلايف صامتاً.
ثم قال:
"حسناً."
---
خرج كلايف من المكان بعد ذلك بقليل.
لم يكن يعرف إلى أين ذهب لوسيان، ولم يحاول أن يسأله.
بدأ يجمع الأشياء التي طلبها منه.
كلما تقدم النهار، ازدادت حركة الناس في شوارع روكفن.
كان واضحاً أن شيئاً كبيراً سيحدث.
الأقمشة علقت على الجدران، والرايات ظهرت فوق بعض الأبنية، والناس بدأوا يتحركون نحو المنطقة المحيطة بالضريح الملكي.
ومع اقتراب العصر، اتجه كلايف مع الحشود.
لم يكن ذاهباً لأنه مهتم بالزواج.
كان ذاهباً لأن لوسيان طلب منه أن يشهد المراسم.
لكن عندما وصل، وجد نفسه يتوقف دون إرادة منه.
كان الضريح أكثر رهبة مما بدا عليه من بعيد.
ارتفع البرج فوق المدينة، وفوق طوابقه العليا كانت المنطقة الدائرية المجوفة التي تحمل الجسر الممتد فوق الفراغ.
لم يستطع كلايف أن يمنع نفسه من التفكير في المكان الذي ينتهي فيه الجسر، حيث يقع الضريح.
لم يكن يعرف لماذا شعر أن شيئاً في ذلك البناء يراقبه.
أو ربما كان ذلك مجرد وهم.
بدأ الناس بالتجمع في الساحات المحيطة بالضريح.
كان الحشد ضخماً.
ومع ذلك، لاحظ كلايف شيئاً غريباً.
لم يكن الجميع هنا.
التجار غاب كثير منهم.
العمال لم يتركوا أعمالهم جميعاً.
وحراس بوابات المدينة ظلوا في مواقعهم.
كان الحشد كبيراً، لكنه لم يكن المدينة كلها.
بدأ كلايف يتساءل كيف يمكن لمدينة بهذا الحجم أن تكون هادئة في أطرافها بينما يتجمع هذا العدد الهائل من الناس في مكان واحد.
ثم ظهر المستشارون الثلاثة.
توقفت الأصوات.
تقدم أحدهم.
لم يكن يرتدي تاجاً ولا درعاً، لكن ملابسه وحدها كانت كافية لتجعل الناس يعرفون مكانته.
وقف أمام الحشود، ثم بدأ يتحدث.
كان صوته واضحاً، يصل إلى أطراف الساحة دون حاجة إلى أن يصرخ.
أعلن أولاً اسم العريس.
"ريو... من عائلة سالفاتور."
ثم ذكر اسم العروس.
"لينا... من عائلة سوغيرو."
ترددت الأسماء بين الناس.
ثم تحدث عن العهد الذي يجمع العائلتين، وعن قدسية الزواج، وعن مباركة الملك له.
كان كلايف يستمع، لكنه لم يشعر بأن الكلمات هي أكثر ما يلفت انتباهه.
كان يراقب الناس.
كان هناك شيء في وجوههم.
الاحترام.
الترقب.
بل حتى الخوف.
لم يكن أحد يتعامل مع الأمر كاحتفال عادي.
ثم حدث شيء جعل كلايف ينسى للحظات كل ما حوله.
ظهر ريو.
جاء من الطرف الأيمن للجسر.
كان يرتدي ملابس رسمية تحمل ألوان عائلته، وإلى جانبه رجل يبدو أنه والده.
أما في الطرف الآخر، فقد ظهرت لينا.
كانت تسير برفقة رجلين من عائلتها.
بدأ الطرفان في التحرك.
كان المشهد بطيئاً، هادئاً، وكأنه طقس حفظه الناس منذ مئات السنين.
رافق والد ريو ابنه حتى قطع جزءاً من المسافة.
ثم توقف.
وتركه.
وفي الجانب الآخر، فعل الرجلان الشيء نفسه مع لينا.
توقفا في الموضع المقابل.
وتركاها تكمل وحدها.
بدأ ريو يعبر النصف الأيمن من الجسر.
وبدأت لينا تعبر النصف الأيسر.
كانا يسيران نحو بعضهما.
لكن كلايف أدرك أنهما لن يلتقيا في منتصف الجسر.
استمرا في السير حتى دخلا المنطقة الدائرية التي تقود إلى الضريح.
ثم التقيا.
لأول مرة، وقف الاثنان أمام بعضهما دون أحد بينهما.
رفع كلايف عينيه.
كان هناك شيء غريب في المشهد.
ليس في العروسين.
بل في المكان نفسه.
الجسر.
الفراغ.
الضريح.
والبرج الذي يرتفع فوقهم.
ثم فُتحت أبواب الضريح.
ظهر الملك.
وللحظة، شعر كلايف أن الساحة كلها حبست أنفاسها.
لم يسمع همساً.
لم يسمع حركة.
حتى الأطفال توقفوا عن الكلام.
دخل ريو ولينا إلى الضريح.
وتبعهم الملك.
ثم أغلقت الأبواب.
بقي المستشارون خارجاً.
وبقي الناس في أماكنهم.
نظر كلايف إلى البرج.
مرت دقيقة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
لم يعرف لماذا كان يشعر أن تلك الدقائق أطول مما ينبغي.
كان هناك شيء في الضريح لا يستطيع تفسيره.
شيء جعل عينه اليسرى تؤلمه للحظة.
فركها.
وعندما أعاد النظر، لم ير شيئاً.
بعد نحو عشر دقائق، فُتحت الأبواب.
خرج الملك أولاً.
ثم خرج ريو ولينا.
كان ريو يرتدي خاتماً.
وكانت لينا ترتدي قلادة جديدة حول عنقها.
لم يعرف كلايف متى حدث ذلك.
لم ير المراسم نفسها.
ولم يعرف ماذا حدث خلف تلك الأبواب.
كل ما عرفه أن شيئاً ما تغير.
بدأت الحشود تتحرك.
فتح الضريح أبوابه للمدعوين.
تقدم النبلاء وأفراد الطبقة العليا أولاً، ثم أقارب العروسين ومعارفهم.
عندها تذكر كلايف كلمات لوسيان.
لا تنتظر.
عاد مباشرة إلى مكان الإقامة.
كان يحمل كل ما جمعه من مؤن وأدوات.
وضعها في الغرفة، ثم جلس.
الآن لم يعد عليه سوى الانتظار.
سيأتي شخص.
سيقول إنه صديق لوسيان.
وعليه أن يتبعه.
حتى لو كان ذلك يعني الخروج من روكفن دون أن يعرف إلى أين يذهب.
رفع كلايف يده، ونظر إلى القلادة التي أعطاها له لوسيان
ثم تمتم:
"ماذا تخطط له يا لوسيان؟"
لم يجبه أحد.
وفي الخارج، بدأت أصوات العربات تخفت مع حلول المساء.
وكانت روكفن، لأول مرة منذ وصوله إليها، تبدو وكأنها تحبس أنفاسها.
::في صباح اليوم التالي، استيقظ كلايف على طرقات خافتة على باب الغرفة.
فتح عينيه ببطء، وظل للحظات يحدق في السقف الخشبي فوقه، محاولاً أن يستوعب المكان. كان جسده لا يزال يحمل إرهاق الأيام الماضية، لكن النوم هذه المرة كان أعمق من المعتاد.
نهض، غسل وجهه، ثم خرج إلى الغرفة الرئيسية.
كان لوسيان جالساً إلى الطاولة، وقد سبق إليه. أمامه كانت خريطة صغيرة مطوية، وبعض قطع النقود، وعدد من الأدوات التي لم يستطع كلايف معرفة استخدامها. وعلى الطرف الآخر من الطاولة، كانت الأسلحة التي عاد بها لوسيان في الليلة الماضية.
توقفت عينا كلايف عندها.
سيفان قصيران، خنجران، وبعض الأحزمة الجلدية، إلى جانب أدوات أخرى لا تبدو كأنها مخصصة لمجرد السفر.
جلس قبالته.
"أريد أن أفهم شيئاً."
رفع لوسيان عينيه إليه.
"الأسلحة."
لم يجب.
"أحضرتها من أجل ماذا؟"
أخذ لوسيان نفساً هادئاً، ثم أشار إلى عنق كلايف.
"أولاً، أظهر قلادتك."
أخرج كلايف قلادة أستورا من تحت ملابسه.
نظر إليها لوسيان.
"اليوم لا تخفها."
"لماذا؟"
"لأنك ستحتاج إليها."
"لأي شيء؟"
ابتسم لوسيان ابتسامة صغيرة.
"ستعرف عندما يحين الوقت."
حدق كلايف فيه للحظات، ثم أعاد القلادة إلى صدره، لكن هذه المرة تركها ظاهرة فوق ملابسه.
أخرج لوسيان ورقة صغيرة ومدها إليه.
"هذه الأشياء أريدك أن تشتريها."
نظر كلايف إلى القائمة.
"ماء، لحم مجفف، بعض المكونات، عباءات، وأدوات سفر."
"بالضبط."
"كم سنبقى خارج المدينة؟"
"لا أعرف."
رفع كلايف عينيه إليه.
"لا تعرف؟"
"المدة ليست مهمة الآن. المهم أن نخرج."
ثم أضاف:
"أريدك أن تشتري كل شيء دون أن تلفت الانتباه. لا تتجادل مع التجار، ولا تسأل عن أشياء لا تحتاج إليها."
"وأين أضعها؟"
"تعود بها إلى هنا."
"وبعدها؟"
"ترتبها كلها وتجهزها للخروج."
ظل كلايف صامتاً لحظات.
ثم قال:
"إذن الخطة حقيقية."
"نعم."
"سنخرج من روكفن."
"بعد المراسم."
رفع كلايف رأسه.
"لماذا بعدها؟"
لم يجب لوسيان مباشرة.
قال:
"لأن التوقيت مهم."
"وهذا كل شيء؟"
"هذا كل ما تحتاج إلى معرفته."
تنهد كلايف.
"حسناً. وماذا عنك؟"
"لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها."
"أين؟"
نظر إليه لوسيان نظرة قصيرة.
"لا يهم."
عرف كلايف من نبرته أنه لن يحصل على جواب.
قال:
"وماذا أفعل بعد أن أشتري الأشياء؟"
"تعود إلى هنا."
"ثم؟"
"تذهب إلى المراسم."
رفع كلايف حاجبه.
"وإذا انتهت؟"
قال لوسيان:
"بمجرد أن تنتهي المراسم، وتخرج العروس والعريس من الضريح، لا تنتظر أحداً."
"أعود إلى هنا."
"بالضبط."
"ثم؟"
نظر إليه لوسيان طويلاً.
"سيأتي شخص إليك."
"من؟"
"لن تعرفه."
"كيف سأعرف أنه هو؟"
قال لوسيان:
"سيقول لك إنه صديق لي."
"وهذا يكفي؟"
"نعم."
"وماذا أفعل معه؟"
"تتبعه."
تغيرت ملامح كلايف قليلاً.
"إلى أين؟"
"إلى خارج المدينة."
ساد الصمت.
ثم أضاف لوسيان:
"خذ معه كل المؤن والأغراض التي اشتريتها. لا تترك شيئاً."
"وأنت؟"
"سألحق بك."
"متى؟"
"عندما أستطيع."
ظل كلايف ينظر إليه.
"أنت تطلب مني أن أتبع شخصاً لا أعرفه إلى خارج مدينة كاملة، لأنك أخبرتني فقط أنه صديق لك."
"نعم."
"وتريدني ألا أسأل؟"
ابتسم لوسيان.
"أريدك أن تثق بي."
ظل كلايف صامتاً.
ثم قال:
"حسناً."
---
خرج كلايف من المكان بعد ذلك بقليل.
لم يكن يعرف إلى أين ذهب لوسيان، ولم يحاول أن يسأله.
بدأ يجمع الأشياء التي طلبها منه.
كلما تقدم النهار، ازدادت حركة الناس في شوارع روكفن.
كان واضحاً أن شيئاً كبيراً سيحدث.
الأقمشة علقت على الجدران، والرايات ظهرت فوق بعض الأبنية، والناس بدأوا يتحركون نحو المنطقة المحيطة بالضريح الملكي.
ومع اقتراب العصر، اتجه كلايف مع الحشود.
لم يكن ذاهباً لأنه مهتم بالزواج.
كان ذاهباً لأن لوسيان طلب منه أن يشهد المراسم.
لكن عندما وصل، وجد نفسه يتوقف دون إرادة منه.
كان الضريح أكثر رهبة مما بدا عليه من بعيد.
ارتفع البرج فوق المدينة، وفوق طوابقه العليا كانت المنطقة الدائرية المجوفة التي تحمل الجسر الممتد فوق الفراغ.
لم يستطع كلايف أن يمنع نفسه من التفكير في المكان الذي ينتهي فيه الجسر، حيث يقع الضريح.
لم يكن يعرف لماذا شعر أن شيئاً في ذلك البناء يراقبه.
أو ربما كان ذلك مجرد وهم.
بدأ الناس بالتجمع في الساحات المحيطة بالضريح.
كان الحشد ضخماً.
ومع ذلك، لاحظ كلايف شيئاً غريباً.
لم يكن الجميع هنا.
التجار غاب كثير منهم.
العمال لم يتركوا أعمالهم جميعاً.
وحراس بوابات المدينة ظلوا في مواقعهم.
كان الحشد كبيراً، لكنه لم يكن المدينة كلها.
بدأ كلايف يتساءل كيف يمكن لمدينة بهذا الحجم أن تكون هادئة في أطرافها بينما يتجمع هذا العدد الهائل من الناس في مكان واحد.
ثم ظهر المستشارون الثلاثة.
توقفت الأصوات.
تقدم أحدهم.
لم يكن يرتدي تاجاً ولا درعاً، لكن ملابسه وحدها كانت كافية لتجعل الناس يعرفون مكانته.
وقف أمام الحشود، ثم بدأ يتحدث.
كان صوته واضحاً، يصل إلى أطراف الساحة دون حاجة إلى أن يصرخ.
أعلن أولاً اسم العريس.
"ريو... من عائلة سالفاتور."
ثم ذكر اسم العروس.
"لينا... من عائلة سوغيرو."
ترددت الأسماء بين الناس.
ثم تحدث عن العهد الذي يجمع العائلتين، وعن قدسية الزواج، وعن مباركة الملك له.
كان كلايف يستمع، لكنه لم يشعر بأن الكلمات هي أكثر ما يلفت انتباهه.
كان يراقب الناس.
كان هناك شيء في وجوههم.
الاحترام.
الترقب.
بل حتى الخوف.
لم يكن أحد يتعامل مع الأمر كاحتفال عادي.
ثم حدث شيء جعل كلايف ينسى للحظات كل ما حوله.
ظهر ريو.
جاء من الطرف الأيمن للجسر.
كان يرتدي ملابس رسمية تحمل ألوان عائلته، وإلى جانبه رجل يبدو أنه والده.
أما في الطرف الآخر، فقد ظهرت لينا.
كانت تسير برفقة رجلين من عائلتها.
بدأ الطرفان في التحرك.
كان المشهد بطيئاً، هادئاً، وكأنه طقس حفظه الناس منذ مئات السنين.
رافق والد ريو ابنه حتى قطع جزءاً من المسافة.
ثم توقف.
وتركه.
وفي الجانب الآخر، فعل الرجلان الشيء نفسه مع لينا.
توقفا في الموضع المقابل.
وتركاها تكمل وحدها.
بدأ ريو يعبر النصف الأيمن من الجسر.
وبدأت لينا تعبر النصف الأيسر.
كانا يسيران نحو بعضهما.
لكن كلايف أدرك أنهما لن يلتقيا في منتصف الجسر.
استمرا في السير حتى دخلا المنطقة الدائرية التي تقود إلى الضريح.
ثم التقيا.
لأول مرة، وقف الاثنان أمام بعضهما دون أحد بينهما.
رفع كلايف عينيه.
كان هناك شيء غريب في المشهد.
ليس في العروسين.
بل في المكان نفسه.
الجسر.
الفراغ.
الضريح.
والبرج الذي يرتفع فوقهم.
ثم فُتحت أبواب الضريح.
ظهر الملك.
وللحظة، شعر كلايف أن الساحة كلها حبست أنفاسها.
لم يسمع همساً.
لم يسمع حركة.
حتى الأطفال توقفوا عن الكلام.
دخل ريو ولينا إلى الضريح.
وتبعهم الملك.
ثم أغلقت الأبواب.
بقي المستشارون خارجاً.
وبقي الناس في أماكنهم.
نظر كلايف إلى البرج.
مرت دقيقة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
لم يعرف لماذا كان يشعر أن تلك الدقائق أطول مما ينبغي.
كان هناك شيء في الضريح لا يستطيع تفسيره.
شيء جعل عينه اليسرى تؤلمه للحظة.
فركها.
وعندما أعاد النظر، لم ير شيئاً.
بعد نحو عشر دقائق، فُتحت الأبواب.
خرج الملك أولاً.
ثم خرج ريو ولينا.
كان ريو يرتدي خاتماً.
وكانت لينا ترتدي قلادة جديدة حول عنقها.
لم يعرف كلايف متى حدث ذلك.
لم ير المراسم نفسها.
ولم يعرف ماذا حدث خلف تلك الأبواب.
كل ما عرفه أن شيئاً ما تغير.
بدأت الحشود تتحرك.
فتح الضريح أبوابه للمدعوين.
تقدم النبلاء وأفراد الطبقة العليا أولاً، ثم أقارب العروسين ومعارفهم.
عندها تذكر كلايف كلمات لوسيان.
لا تنتظر.
عاد مباشرة إلى مكان الإقامة.
كان يحمل كل ما جمعه من مؤن وأدوات.
وضعها في الغرفة، ثم جلس.
الآن لم يعد عليه سوى الانتظار.
سيأتي شخص.
سيقول إنه صديق لوسيان.
وعليه أن يتبعه.
حتى لو كان ذلك يعني الخروج من روكفن دون أن يعرف إلى أين يذهب.
رفع كلايف يده، ونظر إلى القلادة التي أعطاها له لوسيان
ثم تمتم:
"ماذا تخطط له يا لوسيان؟"
لم يجبه أحد.
وفي الخارج، بدأت أصوات العربات تخفت مع حلول المساء.
وكانت روكفن، لأول مرة منذ وصوله إليها، تبدو وكأنها تحبس أنفاسها.
::
كان كلايف يتجول في الغرفة الصغيرة بلا هدوء، خطواته متسارعة، وجسمه مشدود بالتوتر. كل شيء في رأسه كان يقلقه: أين هو لوسيان؟ ماذا فعل؟ ماذا سيحدث؟ فجأة، طرق الباب ثلاث طرقات حادة. دخل رجل غريب قبل ان يرد عليه كلايف، رجل غريب لم يره كلايف من قبل، أحس بالهلع. قال الرجل بصوت حاد: "هل أنت كلايف؟" ارتجف كلايف: "نعم." قال الرجل: "هيا، تحرك بسرعة." تساءل كلايف: "من أنت؟" فأجاب الرجل ببساطة: "أرسلني لوسيان." دون تردد، اندفع كلايف خلفه. سلكا الأزقة الضيقة، متجنبين الشوارع الرئيسية. طوال الطريق، كان كلايف يلاحظ الحركة غير الطبيعية: الجنود يطاردون المدنيين، يدخلون البيوت كما لو كانوا يبحثون عن شيء خفي. أخيراً، توقفا أمام بيت مهجور في طرف المدينة، تحته باب سري. هبطا في النفق البارد، والماء يقطر من الجدران. قال الجندي بصوت بارد: "اتجه للنفق حتى نهايته، ثم انعطف مع الشجرة الصفراء يسارا." كلايف يشعر بالخوف، يسأل: "ماذا عن لوسيان؟" ينظر إليه الحارس، بملامح صلبة: "لا أعرف، مهمتي انتهت هنا." ثم يختفي في الظلال. يبقى كلايف وحده، ينتظر في العربة، قلبه يدق كالمطرقة. بعد ما كان يبدو انه ساعات من الانتظار، يسمع خطوات تقترب. ثم يصرخ: "من أنت؟" عندها يظهر لوسيان، يركب بجانبه مسرعا ويقود العربة. كلايف: "ماذا يحدث؟ ماذا سيحدث الآن؟" يرد لوسيان و هو يلهث و لكن بنبرة هادئة و قوية: "دعنا نتحرك، وستفهم كل شيء في الطريق." وأثناء انطلاق العربة، يشد لوسيان شعره بقوة. يتساقط المستعار. شعره الفضي الطويل يلمع تحت ضوء القمر. انعكاسه البارد يتناغم مع عينيه الزرقاوين، جمال غامض يخلخل يقين كلايف. يحدق كلايف بدهشة ويسأل: "من أنت؟" يبتسم لوسيان ابتسامة خفيفة، ويرد ببساطة: "أنا لوسيان... لوسيان أوبسيديا." الاسم يهز كلايف بصدمة غريبة. يتذكر أن أوبسيديا كانت المملكة الرابعة التي حكاها لوسيان. يسأل نفسه: ما هو الذي يحدث ؟ هل هذا الوهم؟ ما هو الحقيقي في هذا العالم اللعبن، لكن في أعماقه، يشعر أن اسم أوبسيديا يحمل أسراراً كثيرة و قد يقوده الى حقائق اكثر، لكنه في الوقت نفسه يثقل قلبه بالريبة.
بعد أن انطلقا في العربة، مضى الوقت في صمت ثقيل. مرت نحو ساعة، وهما يعبران الغابة تحت ضوء القمر الباهت في صمت قاتل. فجأة، التفت لوسيان نحو كلايف ليكسر ذلك الصمت وقال بصوت هادئ لكنه حاد: "أنت ساذج، هل تعلم ذلك؟" استغرب كلايف ورد بتلعثم: "نعم، أدركت ذلك الآن، ولا أفهم ما الذي جرّني إلى هذا الوضع." رفع لوسيان عينيه وقال: "هل تعرف إلى أين نحن ذاهبان؟ لقد وثقت بي، رغم أنك تعلم أنني أستطيع أن أغدرك الآن." نظر كلايف إليه نظرة شاحبة وقال: "من أول نظرة، عندما رأيتك، وثقت بك. رغم كل شيء، رغم قسوة هذا العالم، اخترت أن أثق بك، وكل ما يحدث لي نتيجة ذلك هو مسؤوليتي." ضحك لوسيان باستغراب، وأخرج كتاباً غريباً من تحت رداءه. قال له: "هذا ما جئت من أجله." تساءل كلايف: "ما هو؟ ولماذا جئت لأجله؟ من أين أتيت؟" قال لوسيان: "أنا من أوبسيديا. جئت إلى هذه المدينة لأحصل على هذا الكتاب." سأله كلايف عن أهمية الكتاب، فأجاب: "الأمير لوميناس أمر بجمع هذه الكتب الثلاث. كل مملكة لديها كتاب. في هذه الكتب أسرار العالم." نظر كلايف للكتاب، رأى رموزاً رونية غريبة، ثم همس : الوميض الثاني." تعجب لوسيان وقال: ماذا قلت ؟ فرد عليه كلايف بصوت أعلى (الوميض الثاني) أستغرب لوسيان، وقال له ما هذا فرد عليه. كلايف. هذا ما هو مكتوب على غلاف هذا الكتاب. هل هذا هو عنوانه ؟
فقال له لوسيان. "كيف قرأت هذا؟ حتى أنا لم أستطع أن أفهمه." أجاب كلايف: "لا أعرف، لكنني فهمته. ضحك لوسيان، وقال لقد علمت أنني اتخذت قرارا جيدا بأخذك معي
وهنا أدرك كلايف أن الكتاب جزء من سر أكبر، وأن الأمير لوميناس قد يكون مفتاح لكثير من الحقائق
💬 التعليقات