ننتقل إلى إحدى زوايا المنزل، أو بالأحرى إلى إحدى الغرف، حيث تظهر لنا امرأة عجوز أكل عليها الدهر وشرب. تحدّق بنظرة غريبة يصعب تفسيرها، ثم تغلق الباب وتتجه نحو فراشها، وكأنها تخفي في صمتها شيئًا لا نعرفه.
في اليوم التالي...
يستيقظ عبد الحي، ثم يتناول فطوره بهدوء، ويودّع سارة قبل أن ينطلق إلى محله.
أما سارة، فهي فتاة بشوشة الملامح، جميلة وهادئة، تحمل فلسفة خاصة في الحياة:
"عِش يومك بيومه، واستمتع بكل لحظة فيه."
بعد أن تودّع عبد الحي، تبدأ أعمالها المنزلية، ثم تخرج للتنزه مع صديقاتها.
نعود إلى عبد الحي، الذي وصل إلى محله الأنيق كعادته. يجلس خلف طاولته ويبدأ بخياطة إحدى البدلات، إلى أن يُفتح باب المحل ويدخل رجل عجوز ذو شعر أبيض، يرتدي قميصًا وسروالًا، وله عين واحدة.
كان اسمه حيدر.
العجوز حيدر: السلام عليكم.
عبد الحي: وعليكم السلام.
ينهض عبد الحي بسرعة، ويتجه نحوه، ثم يقبّل يده بكل احترام.
عبد الحي: تفضل، اجلس أيها العجوز
يجلس العجوز حيدر، فيتجه عبد الحي لإحضار قهوته المعتادة.
حيدر: كيف مرّت كل هذه السنوات؟ لا أزال أتذكر يوم دخلت إليّ للمرة الأولى وطلبت مني أن أعلمك هذه المهنة...
قبل عشرين سنة...
كان طفل صغير يرتدي ملابس بالية، نائمًا أمام محل للخياطة. كان جسده يرتجف من شدة البرد، حتى غلبه النوم.
حلّ الصباح، واستيقظ الطفل ليجد رجلًا في الخمسين من عمره يقف أمامه وينظر إليه.
نهض الطفل بسرعة وقال بخوف:
عبد الحي الطفل: أنا آسف...
ابتسم الرجل وقال: أدخل
دخل الطفل إلى المحل، فأحضر له حيدر بعض الطعام، ثم انصرف ليواصل عمله.
ظل الطفل يراقبه بصمت.
كان ينظر إلى الإبرة والخيط وهما ينسابان بين قطعة القماش، فيجمعان أجزاءها ببعضها حتى تتحول إلى بدلة كاملة.
كان المشهد بالنسبة إليه أشبه بالسحر.
اقترب الطفل من حيدر، وجلس إلى جانبه، ثم سحب جزءًا من القماش ونظر إليه بحماس.
عبد الحي الطفل: هل تستطيع أن تعلمني؟
نظر إليه حيدر باستغراب، ثم سأله:
حيدر: ولماذا تريد أن تتعلم؟
أجاب الطفل دون تردد:
عبد الحي الطفل: لكي أخيط قدري بنفسي.
ابتسم حيدر، وكأنه أدرك في تلك اللحظة أن هذا الطفل مختلف.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ بتعليمه الخياطة.
نعود إلى الحاضر...
ظل عبد الحي صامتًا للحظات، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.
عبد الحي: أجل... إنني أتذكر.
صمت قليلًا، ثم قال:
عبد الحي: لكن فلسفتي تغيّرت.
رفع حيدر حاجبه وقال:
حيدر: ولماذا تغيّرت؟
نظر عبد الحي إلى الإبرة التي بين يديه، ثم قال:
عبد الحي: أتعلم يا ايها العجوز حيدر؟ أعتقد أن الإنسان يموت أربع مرات في حياته، ويولد أربع مرات أيضًا.
نظر إليه حيدر باهتمام.
عبد الحي: في المرة الأولى، يكون طفلًا يحمل أحلامًا جميلة وخيالات لا حدود لها. تكون فلسفته مبنية على الحلم، ويعتقد أن العالم مكان مليء بالمغامرات.
ثم يموت الطفل... وتموت معه فلسفته.
ويولد المراهق.
يصبح أكثر حماسًا، ويؤمن بأنه الشخص المختار، وأنه قادر على تغيير العالم.
ثم يموت المراهق... وتموت معه فلسفته.
ويولد الشاب.
عندها يصطدم بالواقع المر، ويكتشف حقيقة العالم وما فيه من ظلم وفساد. فيتخلى عن أحلامه الكبيرة، وتنشأ داخله فلسفة البقاء.
يبدأ بالبحث عن حياة مستقرة، وعن المال، وعن منزل، وعن امرأة يحبها، وعن عائلة يحميها.
ثم يموت الشاب...
ويولد العجوز.
وعندها لا يبقى للإنسان سوى الذكريات.
يبدأ في النظر إلى ماضيه، ويتحسر على الفرص التي ضاعت، والأشخاص الذين رحلوا، والأشياء التي لم يفعلها حين كان قادرًا على فعلها.
يحاول أن يفعل شيئًا لأجل آخرته...
ثم تأتي المرة الأخيرة.
الموت الأبدي.
ساد الصمت داخل المحل.
ابتسم حيدر وقال:
ما زلت كما أنت... لا تتحدث إلا بالحكمة.
ثم نهض من مكانه، وأمسك عصاه، وقال بابتسامة:
حيدر: سأذهب قليلًا... أريد أن أتحسر على ما مضى.
ضحك عبد الحي بخفة.
عبد الحي: اذهب يا عجوز.
خرج حيدر من المحل، وبدأ يسير في الطريق.
كان معروفًا في الحي منذ سنوات طويلة.
كلما مرّ بجانب شاب، بادر الشاب إلى تقبيل يده احترامًا له.
وكلما صادف رجلًا مسنًا مثله، ألقى عليه التحية باحترام.
لم يكن حيدر مجرد خياط قديم.
كان واحدًا من أبرز شخصيات الحي.
كان يساعد الجميع، ويقدم كل ما يستطيع لمن يحتاج إليه، حتى أصبح وجوده جزءًا من حياة أهل المكان.
واصل حيدر سيره مبتسمًا، غير مدرك أن هذا اليوم...
سيكون آخر يوم يراه فيه عبد الحي.
وأن ذلك الحوار البسيط بينهما...
سيكون آخر حديث يجمع بين المعلم وتلميذه.
💬 التعليقات