مرّ يومان...
يومان منذ آخر مرة رأى فيها عبد الحي العجوز حيدر.
كان الأمر غريبًا.
حيدر لم يكن من عادته أن يغيب دون أن يخبره، لكن عبد الحي حاول تجاهل الأمر، وانشغل بعمله، متحملًا ضجيج الزبائن وشكاواهم التي لا تنتهي.
ومع ذلك...
كان هناك شيء في داخله يخبره بأن الأمر ليس طبيعيًا.
حلّ المساء.
عاد عبد الحي إلى منزله، وجلس رفقة زوجته سارة يحتسيان الشاي أمام التلفاز.
في الخارج، كانت السماء غارقة في الظلام، والمطر يهطل بعنف، بينما كانت ومضات البرق تشق السماء بين لحظة وأخرى.
ظل عبد الحي صامتًا لبعض الوقت، ثم قال فجأة:
- كيف حالها؟
التفتت إليه سارة باستغراب.
- من تقصد؟
- العجوزة.
تنهدت سارة.
- أما زلت غاضبًا منه إلى هذه الدرجة فى كتاب أنك لا تنادينا بي أمي؟
تغيرت ملامح عبد الحي.
وضع كوب الشاي على الطاولة وقال بصوت يحمل غضبًا قديمًا:
- أقسمة أنني لن أناديه بذلك الاسم مرة أخرى. ما فعله بي... ما زلت أتذكره وكأنه حدث بالأمس.
سكت للحظة، ثم تابع:
- هناك أشياء لا تُنسى، مهما مرّ عليها الزمن.
حاولت سارة أن تسأله عمّا يقصده، لكنه نهض فجأة.
- دعينا لا نتحدث عنه.
دخل عبد الحي غرفته وأغلق الباب خلفه.
جلس على حافة السرير، ثم رفع عينيه نحو السقف.
كان يحاول طرد ذكريات الماضي من رأسه.
لكن...
رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رسالة جديدة.
من حيدر.
عقد حاجبيه وفتحها.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
«أنا أنتظرك في منزلي.»
ظل عبد الحي يحدق في الشاشة لثوانٍ.
شيء ما لم يكن على ما يرام.
قال لنفسه:
- ماذا حدث لك يا حيدر؟
نهض بسرعة.
- هل أصابك مكروه؟
أمسك مفاتيح سيارته، وخرج من المنزل دون أن يشرح لسارة شيئًا.
---
كانت شوارع المدينة شبه خالية.
المطر جعل الطريق لامعًا تحت أضواء المصابيح، وصوت محرك السيارة كان الصوت الوحيد الذي يرافق عبد الحي.
كلما اقترب من منزل حيدر، ازداد شعوره بالقلق.
وأخيرًا...
توقفت السيارة أمام المنزل.
توقف عبد الحي، واتجه نحو الباب.
أخرج مفتاحًا قديمًا من جيبه.
كان حيدر قد أعطاه إياه قبل سنوات، قائلًا له:
"قد تحتاج إليه يومًا."
لم يكن عبد الحي يعلم أن ذلك اليوم قد جاء بالفعل.
فتح الباب.
- حيدر؟
لا جواب.
دخل.
- أيها العجوز!
صمت.
لا صوت.
حتى صوت الراديو الذي كان حيدر يشغله دائمًا لم يكن موجودًا.
تقدم عبد الحي ببطء.
خطوة...
ثم أخرى...
حتى وصل إلى باب غرفة حيدر.
مد يده نحو المقبض.
تردد.
ثم فتح الباب.
صرير...
توقّف قلبه للحظة.
كانت الغرفة مظلمة.
رفع عبد الحي عينيه...
ثم تجمد في مكانه.
كان حيدر معلقًا أمامه.
لم يتحرك.
لم يتنفس.
فقط جسد ساكن يتأرجح ببطء.
- حيدر...؟
اقترب عبد الحي.
- حيدر!
احتضن الجثة وهو يصرخ:
- لا! لا تمت! سوف أنقذك!
كانت الدموع تنهمر من عينيه.
لم يكن يبكي من أجل حيدر فقط...
بل لأن شيئًا في داخله كان يخبره أن هذه النهاية لم تكن عادية.
وبعد لحظات، أدرك الحقيقة.
حيدر مات.
منذ وقت ليس بقليل.
ابتعد عبد الحي عن الجثة، وارتجفت يداه وهو يمسك هاتفه.
اتصل بالشرطة.
لكن قبل وصولهم...
كان هناك شيء لا يعرفه عبد الحي.
شيء حدث قبل عشرين دقيقة فقط.
---
قبل عشرين دقيقة...
كان حيدر جالسًا وحده في غرفة المعيشة.
المذياع القديم يبث موسيقى هادئة.
طرق على الباب.
رفع حيدر رأسه.
طرق آخر.
نهض ببطء.
اقترب من الباب وفتحه.
كان رجل يقف أمامه.
وجهه غارق في الظلام.
لم تظهر ملامحه.
نظر إليه حيدر لثوانٍ...
ثم قال:
- أنت؟
دخل الرجل دون استئذان.
أغلق الباب خلفه.
جلس أمام حيدر.
ساد الصمت.
ثم قال حيدر:
- كيف حالك؟
الشخص المجهول : بخير.
- لماذا جئت؟
رفع الرجل عينيه إليه.
- جئت لأخذ شيء.
تغير وجه حيدر.
- ماذا تريد؟
مال الرجل نحوه وقال:
- نحن نعلم ما كنت تخفيه منذ سنوات.
ساد الصمت.
- أعطني إياه.
أجاب حيدر بسرعة:
- لا أعرف عمّا تتحدث.
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
- ما زلت تكذب.
نهض من مكانه.
تراجع حيدر قليلًا.
- اخرج من منزلي.
اقترب الرجل منه.
- أين هو؟
- لا أعرف.
وقف الرجل خلف حيدر.
ثم قال بصوت منخفض:
- إذن سأبحث عنه بنفسي.
وفجأة...
التف سلك قوي حول عنق حيدر.
اتسعت عيناه.
حاول الصراخ.
حاول التخلص من السلك.
لكن الرجل كان أقوى.
قاوم حيدر بكل ما لديه.
حتى بدأت قوته تتلاشى...
ثم سقط.
ساد الصمت.
ترك الرجل الجسد، وبقي واقفًا للحظات.
ثم بدأ يبحث.
فتح الأدراج.
فتش الخزائن.
قلب بعض الأشياء.
كان يبحث عن شيء محدد.
شيء كان حيدر يخفيه منذ سنوات.
لكن...
لم يجده.
توقف.
نظر حوله.
ثم غادر المنزل.
وقبل أن يغلق الباب
رجع وقال بي تعليق الجت في مشتقة كي تبدو أنها حادتة إنتحار
تم أرسل رسالة من هاته حيدر
تم قال
- سأجده... حتى لو اضطررت إلى قتل الجميع.
أغلق الباب.
---
العودة إلى الحاضر...
توقفت سيارات الشرطة أمام منزل حيدر.
دخل رجال الشرطة.
فحصوا المكان.
ثم وجدوا عبد الحي واقفًا بجانب الجثة.
اقترب أحد رجال الشرطة منه.
قال عبد الحي:
- لقد وجدته هكذا... أقسم أنني لم أفعل شيئًا.
لكن الشرطي لم يجب.
أمسك بذراع عبد الحي.
- أنت رهن الاعتقال.
اتسعت عينا عبد الحي.
- ماذا؟ لماذا؟
لم يجبه أحد.
اقتادوه إلى الخارج.
وقف عبد الحي تحت المطر، ينظر إلى منزل حيدر.
وفي تلك اللحظة...
تذكر شيئًا.
الرسالة.
لم يكن حيدر قد كتبها.
لم يكن حيدر قد أرسلها.
فمن أرسلها إذن؟
ولماذا أراده أن يأتي إلى المنزل في ذلك الوقت بالذات؟
نظر عبد الحي إلى رجال الشرطة، ثم إلى المنزل.
وفي مكان ما بعيدًا عن الأنظار...
كان شخص ما يراقب كل شيء.
ابتسم.
ثم اختفى في الظلام.
أما عبد الحي...
فقد بدأ للتو يدخل في عالم لم يكن يعرف بوجوده.
عالمٌ كانت بدايته...
خيطًا واحدًا.
💬 التعليقات