ابن العنقاء

الفصل 4

المجالس تتحكم

4,088 كلمة · 20 دقيقة للقراءة

إعلان

بعد مرور خمس سنوات...

بعيدًا عن أسوار تاليسار، وبينما كان سورين يتعلم إيقاع حياته الجديدة، كانت سيرافيل تعيش توترًا من نوع مختلف تمامًا.

في القاعة الحجرية المخصصة لاجتماعات كهنة القرية، تحت سقف مقبب تتدلى منه مصابيح زيتية قديمة، اجتمع خمسة من كبار كهنة سيرافيل حول طاولة دائرية منحوتة من خشب داكن، وجوههم مضاءة بضوء خافت يجعل الظلال تتراقص على الجدران كأنها كائنات حية تتنصت على كل كلمة.

كان الكاهن الأكبر، رجل يُدعى أورين، يجلس في مواجهة الباب مباشرة، عادة قديمة توارثها كهنة سيرافيل جيلًا بعد جيل: من يجلس في مواجهة الباب، يرى الخطر أولًا. كان وجهه محفورًا بخطوط عميقة، لا من العمر وحده، بل من سنوات طويلة قضاها يوازن بين الإيمان الصارم لسيرافيل وبين واقع سياسي لا يرحم.

"وصلتني رسالة من ميرافين الليلة الماضية," قال أورين أخيرًا، كاسرًا الصمت الذي خيّم على القاعة منذ دقائق. أخرج قطعة رقيقة من الجلد المطوي، وفتحها أمامهم. "الحاكم كاليفور يسأل عن الطفل."

تبادل الكهنة الأربعة الآخرون نظرات قلقة.

"مرّت عشر سنوات على ظهوره," قال أحدهم، كاهن شاب نسبيًا يُدعى فيدال، بصوت حذر. "لماذا يسأل الحاكم عنه الآن تحديدًا، بعد كل هذا الصمت؟"

"لأن الطفل لم يعد طفلًا مجهولًا يعيش في زاوية منسية من سيرافيل," أجاب أورين، وهو يفرد الرسالة على الطاولة ليراها الجميع. "لقد نُقل إلى معابد تاليسار قبل خمس سنوات ، كما يقضي العرف. وهذا يعني أنه أصبح، من الناحية السياسية، ملكية مشتركة بين ثلاث قرى، لا مجرد سر تحتفظ به سيرافيل وحدها."

صمت الجميع للحظة، يستوعبون ثقل هذه الحقيقة.

"الحاكم يخشى شيئًا واحدًا فقط," قال كاهن عجوز آخر، صوته أجش من سنوات طويلة من الصمت المتعمد. "أن يكبر هذا الطفل تحت سيطرة تاليسار العسكرية، بدلًا من سيطرتنا نحن، أو سيطرة ميرافين. تاليسار تعتبر اللعنة سلاحًا إلهيًا محتملًا، لا خطرًا يُدار بحذر. إن وقع هذا الطفل بالكامل تحت تأثيرهم، فقد يُستخدم يومًا كأداة، لا كإنسان."

"وهذا بالضبط ما يخيف الحاكم," أضاف فيدال. "ليس اللعنة نفسها، بل من يملك السيطرة عليها."

نهض أورين من مكانه، ومشى ببطء نحو النافذة الضيقة المطلة على القرية النائمة تحت ضوء القمر الفضي الهادئ الذي عاد إلى طبيعته منذ سنوات.

"دعوني أكون واضحًا معكم جميعًا," قال دون أن يلتفت إليهم. "لسنا هنا لنناقش مصلحة الطفل. لسنا هنا لنناقش العدالة أو الرحمة. نحن هنا لأن سيرافيل، كما تعرفون جميعًا، تقف دائمًا على حافة ضيقة بين قوتين أكبر منها: ميرافين باقتصادها وتحالفاتها، وتاليسار بجيوشها ومعابدها. إن أراد الحاكم كاليفور استغلال هذا الطفل ليضرب توازن القوى القائم، فإن سيرافيل، بضعفها العسكري والاقتصادي، ستكون أول من يدفع الثمن."

التفت أخيرًا نحو المجلس، وعيناه تحملان جدية لم يعتد الكهنة الأصغر رؤيتها فيه كثيرًا.

"لهذا, يجب أن نتصرف الآن, قبل أن يقرر الحاكم بنفسه ماذا يفعل بهذا الطفل."

"ماذا تقترح تحديدًا؟" سأل فيدال، وهو ينحني إلى الأمام قليلًا. "لا يمكننا ببساطة أن نأخذه من تاليسار. سيُعتبر ذلك تحديًا مباشرًا لسلطتهم، وربما لقرارات الحاكم نفسه."

"لا أقترح أخذه علنًا," أجاب أورين. "أقترح إخراجه سرًا، تحت غطاء مهمة دينية بسيطة، مسألة روتينية لا تلفت انتباه أحد. سيُعاد إلى سيرافيل، لكن تحت مراقبة مشددة، بعيدًا عن أعين الحاكم ورجاله."

"وإن اكتشف الحاكم ذلك؟" سأل الكاهن العجوز بقلق واضح.

"سنقول إن الطفل مريض," قال أورين ببرود محسوب، وكأنه كان يعدّ هذا الجواب منذ زمن. "أو إنه أُعيد لتلقي طقوس تطهير خاصة بحالته. سيرافيل لديها سمعة كافية في التطرف الديني لتبرر أي شيء تقريبًا في نظر الآخرين."

ضحك فيدال ضحكة قصيرة وجافة، لا فرح فيها. "غريب أن نستفيد أخيرًا من الطريقة التي تنظر بها ميرافين وتاليسار إلينا."

"الضعف له استخداماته أحيانًا," قال أورين بجدية لم تترك مجالًا للسخرية. "لكن اسمعوني جيدًا جميعًا: هذا القرار لا يُتخذ حبًا بهذا الطفل، ولا رحمة به. نتخذه لأن بقاءه تحت سيطرة تاليسار وحدها يهدد توازننا نحن. إن استطعنا لاحقًا، حين يكبر، أن نوجهه بما يخدم مصلحة سيرافيل، فسنفعل. وإن ثبت يومًا أنه خطر حقيقي لا يمكن السيطرة عليه، فسيكون قرارنا مختلفًا تمامًا."

خيّم صمت ثقيل على القاعة، صمت يعرف فيه الجميع أن أورين لم يكن يتحدث عن احتمال بعيد، بل كان يترك الباب مفتوحًا أمام قرار قد يُتخذ يومًا، قرار لا يحمل رحمة على الإطلاق.

"إذن؟" سأل فيدال أخيرًا. "من يذهب لإحضاره؟"

نظر أورين حوله، ثم استقر نظره على كاهن صامت جلس في الطرف الأبعد من الطاولة طوال الاجتماع، رجل لم ينطق كلمة واحدة حتى تلك اللحظة، لكن عينيه كانتا تتابعان كل التفاصيل بحذر شديد.

"أنت," قال أورين. "أنت من سيذهب. أنت الوحيد الذي يعرف طرق تاليسار جيدًا، ولك فيها معارف قديمة لن يشك أحد في زيارتك."

أومأ الكاهن الصامت برأسه ببطء، قبولًا صامتًا لمهمة لم يعترض عليها، لكنه لم يبدُ متحمسًا لها أيضًا.

بعد انتهاء الاجتماع، وبينما كان الكهنة يغادرون القاعة واحدًا تلو الآخر، بقي فيدال قليلًا، والتفت نحو أورين الذي كان لا يزال واقفًا عند النافذة.

"هل تثق حقًا بهذا القرار؟" سأله بصوت خافت، بعد أن تأكد من خلو القاعة تقريبًا.

لم يجب أورين على الفور. ظل ينظر إلى القرية النائمة، وإلى القمر الذي بدا في تلك الليلة هادئًا تمامًا، بلا أي أثر من الحمرة التي شهدتها سيرافيل قبل سنوات.

"لا أثق بأي قرار نتخذه هذه الأيام يا فيدال," قال أخيرًا، بصوت يحمل تعبًا لم يظهره أمام باقي المجلس. "لكنني أثق بشيء واحد فقط: أن التوازن، مهما بدا هشًا، أفضل من الفوضى المطلقة. وإن كان علينا أن نحمي هذا التوازن بيد طفل لا يعرف بعد حجم الثقل الملقى على كتفيه الصغيرتين، فسنفعل ذلك، مهما كلّفنا الأمر."

توقف قليلًا، ثم أضاف بصوت أخفض، كأنه يتحدث لنفسه أكثر مما يتحدث لفيدال:

"أخشى فقط أننا، في سعينا لحماية التوازن، قد نكون نحن من يكسره في النهاية."

لم يجب فيدال. وقف بجانبه صامتًا للحظة، ثم غادر القاعة، تاركًا أورين وحيدًا مع أفكاره وضوء القمر الهادئ المتسلل عبر النافذة الضيقة.

بعد أيام قليلة من ذلك الاجتماع، وصل الكاهن الصامت إلى أسوار تاليسار، متخفيًا في زي بسيط يشبه أزياء التجار المتجولين الذين يمرون أحيانًا بالمعابد لتبادل السلع مع الكهنة. حمل معه رسالة مختومة بختم ديني قديم، يطلب فيها نقل أحد الأطفال "لأسباب طقسية تتعلق بحالته الصحية" إلى سيرافيل لفترة مؤقتة.

استغرق الأمر يومين من الانتظار الحذر، والمحادثات الدبلوماسية الدقيقة مع أحد كبار كهنة تاليسار الذي عرفه الكاهن الصامت منذ سنوات طويلة، قبل أن يوافق أخيرًا على "إعارة" الطفل لسيرافيل، بشرط أن يعود بعد فترة محددة.

وفي صباح اليوم الثالث، وقف سورين مرة أخرى أمام أسوار تاليسارمتسائلاً الى اين مصيره

تغيرت ملامحه واصبحت ناضجة عما قبل وهدوئه الذي اعتاد عليه بقي كما هو ،

لكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس، يستعد للعودة إلى القرية التي أُخذ منها قبل خمس سنوات او ربما اقل

نظر إلى الكاهن الصامت الذي يقف بجانبه، محاولًا أن يفهم ملامح وجهه، ملامح لم يرها من قبل.

"من أنت؟" سأل سورين أخيرًا، بصوته الهادئ المعتاد الذي بدأ يزعج الكبار من حوله بنضجه غير المتناسب مع عمره.

نظر إليه الكاهن للحظة طويلة قبل أن يجيب. "شخص أُرسل ليعيدك إلى سيرافيل," قال أخيرًا. "لا أكثر من ذلك الآن."

"لماذا؟" سأل سورين مجددًا.

توقف الكاهن قليلًا، كأنه يزن كلماته بعناية شديدة قبل أن ينطقها. "لأن هناك من يخشى ما قد تصبح عليه إن بقيت هنا وحدك," قال أخيرًا. "وهذا كل ما يمكنني قوله الآن."

لم يسأل سورين أكثر من ذلك. لكنه، بينما كانا يبتعدان معًا عن أسوار تاليسار نحو الطريق المؤدي إلى سيرافيل، شعر بذلك الشعور المألوف يتسلل إليه مجددًا: إحساس بأنه ليس مجرد طفل يُنقل من مكان لآخر، بل قطعة في لعبة أكبر بكثير منه، يحركها أشخاص لم يروه يومًا كإنسان كامل، بل كسر يجب إدارته بحذر شديد.

نظر إلى السماء فوقهما. كان القمر لا يزال هادئًا، فضيًا، لا أثر فيه لأي خيط أحمر.

لكن سورين، رغم صغر سنه، بدأ يشعر أن هدوء القمر لن يدوم إلى الأبد.

وصل الكاهن الصامت وسورين إلى مشارف سيرافيل عند الغسق، حين كانت السماء تتلون بذلك المزيج الرمادي البنفسجي الذي يسبق الليل دائمًا في فصل الشفق. لم تكن القرية قد تغيّرت كثيرًا في نظر سورين؛ البيوت الطينية ذاتها، الأزقة الترابية ذاتها، حتى رائحة الخبز المتصاعدة من أحد الأفران البعيدة كانت كما يتذكرها.

لكن شيئًا في الهواء كان مختلفًا. شعر به سورين فور أن عبرا أول بوابة خشبية صغيرة تفصل الحقول عن القرية: توتر خفيف، يشبه ذلك التوتر الذي شعر به الجميع ليلة ولادته، لكنه هذه المرة لم يكن متعلقًا بالقمر. كان متعلقًا به هو، بعودته.

لم يذهبا مباشرة إلى بيت نايرة. بدلًا من ذلك، قاد الكاهن الصامت سورين نحو القاعة الحجرية حيث كان مجلس الكهنة قد اجتمع قبل أيام لمناقشة مصيره، تلك القاعة نفسها ذات السقف المقبب والمصابيح الزيتية الخافتة.

كان أورين ينتظر هناك، واقفًا عند الطاولة الدائرية، وحده هذه المرة.

"وصلتما أخيرًا," قال أورين، وهو يتفحص سورين بنظرة طويلة، كأنه يقارن بين الطفل الذي يراه أمامه الآن وبين الرضيع الذي سمع عنه قبل سنوات دون أن يراه مباشرة. "أهلًا بك في سيرافيل من جديد، سورين."

لم يجب سورين على الفور. كان قد تعلم في تاليسار أن الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الكلام. اكتفى بالانحناء قليلًا، انحناءة تعلمها من مراسم المعبد، احترامًا حذرًا لرجل لم يكن يعرف بعد إن كان صديقًا أم مجرد سلطة أخرى تتحكم بمصيره.

"سيبقى الليلة في منزل امه " أضاف أورين، ملتفتًا نحو الكاهن الصامت. "لكن غدًا، سيجتمع المجلس بكامله لمناقشة أمر يخصه مباشرة. أريده حاضرًا."

ثم امر احد الكهنة بمرافقة سورين لمنزله.

وقف سورين أمام باب البيت الطيني الصغير، البيت ذاته الذي غادره قبل خمس سنوات وهو بالكاد يبلغ من العمر خمس سنوات، والآن يعود إليه فتى في العاشرة، أطول قليلًا، أكثر صمتًا مما كان، لكن عينيه الرماديتين بخيوطهما الحمراء لم تتغيرا.

لم يطرق الباب. وقف هناك، يداه ترتجفان قليلًا رغم محاولته إخفاء ذلك، حتى فتحت نايرة الباب بنفسها، وكأنها شعرت بوجوده قبل أن تراه.

توقفت في مكانها.

لم تقل شيئًا للحظات طويلة، ونظرت إليه وكأنها تحاول أن تتأكد أن عينيها لا تخدعانها. ثم انهارت المسافة بينهما فجأة، واحتضنته بقوة لم يتوقعها، وهي تبكي بصمت في كتفه الصغير الذي كبر أكثر مما تتذكره ذراعاها.

"سورين," همست، وكأنها تنطق الاسم لأول مرة منذ زمن طويل، تتأكد أنه حقيقي.

لم يبكِ سورين، لكنه لم يتمالك نفسه من أن يرتجف بين ذراعيها، كل الصمت الذي حمله طوال سنوات المعبد ينفلت الآن، ولو بلا كلمات.

"أنا آسفة," قالت أخيرًا، وهي تتراجع قليلًا لتنظر إلى وجهه. "آسفة لأنني لم أستطع حمايتك من كل هذا."

"لم يكن هناك ما تفعلينه," قال سورين بهدوء أكبر من عمره. "أنتِ الشخص الوحيد الذي لم يخفني أبدًا."

جلسا معًا عند عتبة البيت، دون أن يتحدثا كثيرًا. لم تسأله عن تفاصيل حياته في تاليسار، ولم يسألها هو عن السنوات التي مرّت عليها وحيدة. كان الصمت بينهما أصدق من أي سؤال، حاملًا كل ما لم يستطع أحدهما قوله بالكلمات.

قبل أن يغادر ليعود إلى المعبد الأسود عند المساء، أمسكت نايرة بيده للحظة أخيرة.

"مهما حدث بعد اليوم," قالت، "تذكر أن هذا البيت سيبقى بيتك، مهما طال الغياب."

أومأ سورين برأسه، ثم مشى مبتعدًا في الطريق المألوف، تاركًا خلفه، للمرة الثانية في حياته، بيتًا صغيرًا وامرأة تراقبه من الباب حتى يختفي عند المنعطف.

في صباح اليوم التالي، وجد سورين نفسه واقفًا مرة أخرى في القاعة ذاتها، لكن هذه المرة أمام المجلس بكامله: أورين، فيدال، الكاهن العجوز الذي كان قد عبّر عن قلقه سابقًا، والكاهن الصامت الذي رافقه من تاليسار، بالإضافة إلى كاهنة لم يرها من قبل، امرأة في متوسط العمر تحمل ملامح حازمة، عُرف عنها لاحقًا اسم كاهنة السجلات، مسؤولة عن حفظ تاريخ سيرافيل المدوّن.

"سورين," بدأ أورين، بعد أن استقر الجميع حول الطاولة، "لقد أُعدت إلى سيرافيل لأسباب لن أخفيها عنك: نحن قلقون مما قد يحدث إن بقيت وحدك تحت سيطرة تاليسار الكاملة. لكن عودتك تطرح سؤالًا جديدًا لم نحسمه بعد: أين ستكمل حياتك الآن؟"

نظرت كاهنة السجلات إلى سورين مباشرة. "هناك ثلاثة خيارات أمامنا," قالت بصوت واضح ومنظم، كأنها اعتادت عرض الحقائق بلا زخرفة. "الأول: تعيده إلى بيت أمه، ليعيش حياة عادية قدر الإمكان، تحت مراقبة غير مباشرة من المجلس. الثاني: يُلحق بأحد بيوت الكهنة الصغار، ليتلقى تعليمًا دينيًا أساسيًا دون خدمة كاملة كالتي عرفها في تاليسار. الثالث..." توقفت للحظة، وتبادلت نظرة سريعة مع أورين.

"الثالث؟" سأل سورين، وقد لاحظ التردد في صوتها.

"الثالث هو أن يُدخَل إلى المعبد الأسود," قالت أخيرًا.

ساد صمت ثقيل في القاعة. حتى فيدال، الذي كان يميل عادة للمناقشة السريعة، بقي صامتًا للحظات.

"ما هو المعبد الأسود؟" سأل سورين، محاولًا ألا يظهر القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدره.

نهض الكاهن العجوز من مكانه هذه المرة، وتحدث بصوت أجش يحمل ثقل سنوات طويلة من حفظ أسرار سيرافيل. "المعبد الأسود ليس معبدًا للعبادة العامة يا بني. إنه أقدم بناء في سيرافيل، أقدم حتى من القرية نفسها بشكلها الحالي. يُقال إنه بُني في الزمن الذي ظهرت فيه اللعنة لأول مرة، قبل أجيال لا تُحصى، مخصصًا فقط لاستقبال من تظهر عليهم علاماتها."

إعلان

توقف قليلًا، ثم أكمل: "لم يُفتح هذا المعبد منذ أكثر من قرن. لكن سجلاتنا القديمة تذكر أنه يحتوي على معرفة لا تُوجد في أي مكان آخر: طقوس، نصوص، ربما حتى إجابات عن طبيعة اللعنة نفسها وعلاقتها بما يُسمى خيطي اللهب."

شعر سورين بقشعريرة عند سماع ذلك الاسم مجددًا. لم يذكر لأحد ما أخبره به تارين في تاليسار، لكنه شعر أن الخيط الذي بدأ يتشكل في ذهنه بين حكاية العنقاء وبين شعوره الغريب في ليالي القمر المكتمل، كان يقترب من أن يصبح حقيقيًا.

"وإن دخلت هذا المعبد؟" سأل سورين. "ماذا يعني ذلك لحياتي؟"

نظر أورين إليه مباشرة، وفي عينيه كان هناك صدق نادر لم يعتد سورين رؤيته من الكبار من حوله. "يعني أنك ستعيش هناك، تحت إشراف كاهنة السجلات مباشرة، بعيدًا عن حياة القرية العادية، لكن أيضًا بعيدًا عن أعين تاليسار وميرافين والحاكم. ستتعلم كل ما تحتفظ به سيرافيل من معرفة قديمة عن طبيعتك. لن تكون سجينًا، لكنك لن تكون حرًا بالكامل أيضًا."

صمت سورين طويلًا، يفكر. كان يعرف أن أيًا من هذه الخيارات لم يكن مثاليًا، لكنه شعر، بحدسه الذي بدأ ينضج أسرع من عمره، أن المعرفة كانت أهم شيء يحتاجه الآن أكثر من أي دفء عائلي مؤقت.

"أريد أن أفهم ما أنا عليه," قال أخيرًا، بصوت هادئ لكن حازم. "إن كان المعبد الأسود يحمل تلك الإجابات، فأنا أختاره."

نظر أورين إلى بقية المجلس، وأومأ برأسه ببطء، كأن هذا القرار كان بالضبط ما كان يتوقعه، أو ربما يأمله.

لكن قبل أن يُفتح المعبد الأسود رسميًا، اتخذ المجلس قرارًا آخر، أثقل بكثير على القرية بأكملها.

في اليوم التالي، أعلن أورين، أمام تجمع كامل لأهل سيرافيل في الساحة المركزية، قرارًا لم تشهد القرية مثله من قبل بهذا الشكل المطلق.

"اعتبارًا من هذه اللحظة," أعلن بصوت يصل إلى أطراف الساحة، "تُغلق بوابات سيرافيل بالكامل، ولن تُفتح حتى إشعار آخر."

انتشر همس مرتبك بين الحشد.

"لن يُسمح بدخول أي غريب إلى القرية, ولن يُسمح لأي من أهلنا بالخروج إلا لضرورة قصوى وبإذن مباشر من المجلس. هذا القرار ليس عقابًا، بل حماية. سيرافيل تمرّ بمرحلة حساسة تتطلب عزلة تامة عن أعين ميرافين وتاليسار والحاكم كاليفور، إلى أن يقرر المجلس غير ذلك."

لم يُقنع الإعلان الجميع؛ سمع سورين، الواقف على أطراف الحشد، همسات قلق وتساؤل تنتشر بين الناس، لكن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراض علنًا أمام سلطة الكهنة المطلقة في أمور كهذه.

بعد ثلاثة أيام من ذلك الإعلان، فُتح المعبد الأسود لأول مرة منذ أكثر من قرن.

كان مبنى منخفضًا، شبه مدفون في التل الذي يقع خلف القاعة الحجرية الرئيسية، بأبواب حجرية ثقيلة أُزيلت عنها طبقات من الغبار والنسيج العنكبوتي القديم قبل أن تُفتح بصعوبة، كأن المبنى نفسه يقاوم كسر عزلته الطويلة. دخل سورين خلف كاهنة السجلات، وشعر فورًا بتغير في الهواء داخله: بردًا خفيفًا لا علاقة له بالطقس، ورائحة حجر قديم مختلطة برائحة أعشاب محروقة من طقوس لم تُقم منذ زمن طويل.

على الجدران، وجد نقوشًا لم يفهمها في البداية: رموزًا تشبه أشكال طيور بأجنحة ممتدة، محاطة بخطوط متعرجة تشبه ألسنة النار.

"هذه هي بداية رحلتك الحقيقية يا سورين," قالت كاهنة السجلات، واقفة بجانبه أمام أحد تلك النقوش. "هنا ستتعلم، ببطء وحذر، ما لم يجرؤ أحد على تعليمك إياه من قبل."

***

مرّت اثنتا عشرة سنة.

لم تكن سنوات هادئة، رغم أن سيرافيل، خلف بواباتها المغلقة، بدت من الخارج كأنها غارقة في صمت أبدي. كبر سورين داخل جدران المعبد الأسود وأطراف القرية المعزولة، يتنقل بين دروس كاهنة السجلات وزيارات نادرة، مراقبة بعناية، إلى المجلس

لكن خارج تلك البوابات المغلقة، كانت الجواهر الثلاث تغلي بتوتر متصاعد.

في السنوات الأولى من العزلة، اكتفت ميرافين وتاليسار بإرسال رسائل دبلوماسية حذرة تستفسر عن سبب الإغلاق المفاجئ.والثانية تطالب بإعادة الطفل الى معابدها لكن مع مرور السنوات، ودون أي تفسير مقنع من سيرافيل، بدأت لهجة تلك الرسائل تتغير.

في السنة الخامسة من الإغلاق، وصلت أول رسالة رسمية من الحاكم كاليفور نفسه، يطالب فيها سيرافيل "بتوضيح فوري لأسباب عزلتها غير المسبوقة، التي بدأت تُثير قلق مجلس ميرافين وتشكك قادة تاليسار في نوايا القرية."

رد أورين، الذي كان لا يزال الكاهن الأكبر رغم تقدمه في السن، بردود دبلوماسية غامضة، تتحدث عن "طقوس تطهير طويلة الأمد" و"ضرورات روحية لا يمكن كشف تفاصيلها للعامة."

لم تقنع هذه الردود أحدًا لفترة طويلة.

في السنة الثامنة، بدأت تصل تهديدات أكثر صراحة. أرسلت تاليسار وفدًا عسكريًا صغيرًا إلى حدود سيرافيل، لم يدخل القرية، لكنه بقي معسكرًا عند أطرافها لأسابيع، في رسالة صامتة لا تحتاج إلى ترجمة: صبرنا له حدود.

وفي السنة الثانية عشرة، وصلت رسالة من الحاكم كاليفور نفسه، لم تكن دبلوماسية هذه المرة على الإطلاق.

"إلى مجلس كهنة سيرافيل," جاء في الرسالة التي قرأها أورين أمام المجلس المجتمع بكامله، بصوت ثقيل بالقلق الذي بدأ يظهر عليه أكثر مع كل عام يمر. "اثنتا عشرة سنة من العزلة تجاوزت كل حد معقول من الصبر السياسي. إما أن تُفتح بوابات سيرافيل خلال شهر واحد من تاريخ هذه الرسالة، وتُقدَّم تفسيرات كاملة ومقنعة لمجلس الجواهر الثلاث، أو ستُعتبر سيرافيل في حالة تمرد صريح على النظام القائم، وسيُتخذ ما يلزم من إجراءات لاستعادة التوازن، بالقوة إن اقتضى الأمر."

طوى أورين الرسالة ببطء، ونظر حوله إلى وجوه المجلس المتوترة.

"لقد نفد الوقت أخيرًا," قال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقل اثنتي عشرة سنة من الحذر المتراكم. "علينا أن نقرر: إما أن نواجه العالم بحقيقة سورين، أو نواجه حربًا لا تستطيع سيرافيل الصمود أمامها طويلًا."

فُتحت بوابات سيرافيل بعد أسبوعين من وصول إنذار الحاكم كاليفور.

لم يكن قرارًا سهلًا على المجلس، لكن أورين كان واضحًا في اجتماعه الأخير قبل الإعلان: "لا يمكننا أن نخوض حربًا لن ننجو منها من أجل عزلة لم تعد قابلة للاستمرار. سنفتح البوابات، لكننا لن نكشف كل شيء دفعة واحدة."

في الصباح الذي أُعيد فيه فتح البوابات الخشبية الثقيلة التي بقيت موصدة اثنتي عشرة سنة، وقف أهل سيرافيل عند أطراف الساحة، ينظرون بمزيج من الفضول والقلق إلى الطريق الذي كان، حتى الأمس، مغلقًا تمامًا أمام العالم الخارجي.

لم يمرّ يومان حتى وصلت أولى الطلائع: مجموعة صغيرة من رجال الحاكم، يرتدون زيًا رسميًا موحدًا بألوان ميرافين الفضية الداكنة، يحملون وثائق ختمها كاليفور نفسه، تخوّلهم "الإشراف على إعادة اندماج سيرافيل بنظام الجواهر الثلاث."

بدا الأمر في البداية بريئًا؛ رجال يمشون في الأسواق، يسألون عن أحوال المحاصيل والتجارة، يدوّنون ملاحظات في سجلاتهم. لكن سورين، الذي كان قد بلغ الثانية والعشرين من عمره بعد سنوات طويلة قضاها بين المعبد الأسود وتعليم كاهنة السجلات، لاحظ من البداية أن هذا "الإشراف" لم يكن بريئًا بالقدر الذي أراد الرجال إظهاره.

كانوا يسألون، بشكل غير مباشر لكن متكرر، عن "الطفل الذي وُلد ليلة الاحتشاد قبل اثنتين وعشرين سنة."

في الأسابيع التالية، تصاعد وجود رجال الحاكم بشكل ملحوظ.

لم يعودوا مجرد مراقبين صامتين؛ بدأوا يتدخلون في شؤون القرية اليومية بذرائع مختلفة: تفتيش "روتيني" للبيوت بحجة التأكد من "سلامة الإجراءات الصحية بعد سنوات العزلة"، استجواب متكرر لكبار السن عن "أحداث غامضة" وقعت في القرية خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، وحتى محاولات مباشرة، وإن كانت مقنّعة بلباقة سياسية، للوصول إلى سجلات المعبد الأسود نفسه.

في إحدى الأمسيات، بينما كان سورين عائدًا من المعبد الأسود إلى بيت أمه، اعترضه اثنان من رجال الحاكم عند مفترق الطريق.

"اسمك؟" سأل أحدهم، بنبرة رسمية باردة، وهو يمسك بلوح خشبي صغير يدوّن عليه الأسماء.

"سورين," أجاب، بهدوء اعتاد أن يخفي خلفه توتره الداخلي.

توقف الرجل عن الكتابة للحظة، ونظر إليه بتمعن أكثر مما تقتضيه مجرد إجابة روتينية. لاحظ سورين أن نظرة الرجل انتقلت مباشرة إلى عينيه، تلك العينين الرماديتين بخيوطهما الحمراء التي لم تختفِ يومًا، بل ازدادت وضوحًا مع نضوجه.

"العمر؟" سأل الرجل الثاني، بحذر مفاجئ في صوته.

"اثنان وعشرون عامًا."

تبادل الرجلان نظرة سريعة، نظرة لم يخطئها سورين، نظرة اعتادها من قبل، لكنه لم يرها منذ سنوات طويلة قضاها في عزلة نسبية داخل جدران سيرافيل المغلقة.

"تفضل بالمرور," قال الرجل الأول أخيرًا، بحذر واضح في نبرته، وهو يعيد اللوح الخشبي إلى حقيبته بسرعة، كأنه يريد إنهاء اللقاء بأسرع ما يمكن.

ابتعد سورين، لكنه شعر بعينيهما تتبعانه حتى اختفى عند المنعطف التالي.

عاد إلى المعبد الأسود تلك الليلة، لا إلى بيت أمه، وجلس أمام كاهنة السجلات التي كانت قد أصبحت، على مر السنوات، أقرب إلى معلمة وموجهة حقيقية أكثر من مجرد حارسة معينة من المجلس.

"يعرفون من أنا," قال سورين مباشرة، دون مقدمات.

أومأت كاهنة السجلات برأسها ببطء، دون مفاجأة تُذكر. "كنا نعرف أن هذا اليوم سيأتي عاجلًا أم آجلًا," قالت. "اثنتا عشرة سنة من العزلة لم تكن لتمحو ما حدث ليلة ولادتك من ذاكرة الجواهر الثلاث. كانت فقط تؤجله."

جلس سورين بجانبها، أمام أحد النقوش القديمة على جدار المعبد، تلك النقوش التي أصبحت مألوفة له الآن بعد سنوات من الدراسة: طيور بأجنحة ممتدة محاطة بألسنة نار متعرجة.

"أخبريني مرة أخرى," قال، بصوت هادئ لكنه يحمل رغبة حقيقية في الفهم. "أصل الجواهر الثلاث. أريد أن أسمعها كاملة، مرة أخرى، بعد كل ما تعلمته."

ابتسمت كاهنة السجلات ابتسامة خفيفة، وبدأت تروي، كما فعلت مرات عديدة من قبل، لكن بنبرة أعمق هذه المرة، كأنها تدرك أن سورين لم يعد يسأل من فضول طفولي، بل من حاجة حقيقية لفهم مكانه في هذا العالم.

"في البدء، لم تكن هناك جواهر ثلاث, بل أرض واحدة موحدة، تُحكم بميزان قديم لا يُدعى بشيء سوى 'التوازن الأول'. كانت الآلهة، حسب ما تذكر أقدم النصوص، لا تتدخل مباشرة في شؤون البشر، بل اكتفت بمنحهم قانونًا واحدًا بسيطًا: أن يحافظوا على التوازن بأنفسهم، بين القوة والرحمة، بين الطموح والقناعة، بين الفرد والجماعة."

"لكن التوازن, كما تعلم الآن جيدًا، هش بطبيعته. مع مرور الأجيال، بدأ البشر ينقسمون في فهمهم لهذا القانون. جماعة رأت أن التوازن يعني الاستقرار والتنظيم المدني الصارم، فأسست ما أصبح لاحقًا ميرافين. جماعة أخرى رأت أن التوازن لا يُحفظ إلا بالقوة والاستعداد الدائم للدفاع عنه، فأسست تاليسار. وجماعة ثالثة، أقل عددًا لكن أشد إيمانًا، رأت أن التوازن أمر إلهي بحت، لا يمكن فهمه إلا عبر العبادة والتأمل العميق، فانعزلت في الأراضي التي أصبحت سيرافيل."

توقفت كاهنة السجلات قليلًا، قبل أن تنتقل إلى الجزء الذي عرفت أن سورين ينتظره بصبر متزايد.

"لعقود طويلة، عاشت الجواهر الثلاث في توتر محتمل، لكن مُدار بحذر. إلى أن ظهر، قبل ما يقارب مئتين وسبعين عامًا حسب حساباتنا، أول قمر قرمزي في تاريخ الجواهر الثلاث المسجل. لم يكن أحد يعرف وقتها ماذا يعني ذلك. أشرقت أول لعنة على طفل وُلد في تلك الليلة, في سيرافيل ذاتها بالمصادفة، أو ربما لم تكن مصادفة على الإطلاق."

"ماذا حدث لذلك الطفل؟" سأل سورين، بصوت أخفض قليلًا مما اعتاد.

نظرت إليه كاهنة السجلات طويلًا، كأنها تزن إن كان الوقت قد حان أخيرًا ليعرف التفاصيل الكاملة التي كانت قد أخّرتها لسنوات.

"لم يُدَر أمره بحكمة يا سورين. خاف منه الجميع، كما خافوا منك، لكن الخوف حينها كان أشد وأقل تحضرًا. حاول أحد كهنة سيرافيل القدامى، بدافع خوف أعمى، أن يقتله وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، قبل أن يبلغ الوقت المقدر لظهور اللعنة الكاملة."

شعر سورين بقشعريرة تسري في جسده. "وماذا حدث؟"

"استيقظت العنقاء لأول مرة مسجلة في تاريخنا," قالت كاهنة السجلات بصوت خفيض، كأن الكلمات نفسها ثقيلة عليها. "لم يكن الطفل قد ظُلم بالموت الفعلي بعد، لكن نية القتل وحدها، الظلم المتعمد الصريح تجاه حامل اللعنة، كانت كافية لإيقاظها جزئيًا. احترق ثلث سيرافيل القديمة في تلك الليلة. ثلث فقط، لأن الظلم لم يكتمل بالموت الفعلي. الطفل نفسه نجا، لكنه اختفى بعدها، ولم يُعرف عنه شيء أبدًا."

صمت الاثنان طويلًا، والصمت يعتصر المعبد بثقله المعتاد.

"هذا ما يخشاه الحاكم كاليفور إذن," قال سورين أخيرًا، بصوت أقرب إلى الهمس. "ليس اللعنة نفسها. بل ما قد يحدث إن أساء أحد التعامل معها."

أومأت كاهنة السجلات برأسها. "بالضبط. اللعنة ليست عقابًا يا سورين، كما تعلمت من قبل. إنها ميزان. لا تتحرك من تلقاء نفسها لتؤذي أحدًا، لكنها ترد الظلم الموجّه ضدك، بقوة تتناسب مع حجم ذلك الظلم. وهذا بالضبط ما يجعلك، في نظر كل من يعرف هذا التاريخ، أخطر بكثير من مجرد شاب يحمل علامة غريبة في عينيه."

في تلك الليلة، بعد أن غادرت كاهنة السجلات المعبد الأسود لتستريح، بقي سورين وحيدًا أمام النقوش القديمة، يفكر طويلًا فيما سمعه.

فهم، للمرة الأولى بوضوح تام، أن الخطر الحقيقي لم يكن يومًا في طبيعته الخارقة المحتملة. الخطر الحقيقي كان في الطريقة التي قد يتعامل بها الآخرون معه: خوفًا أعمى قد يدفعهم لظلمه، وظلمهم هذا نفسه هو ما قد يوقظ قوة لا يستطيع أحد، ربما ولا هو نفسه، السيطرة عليها.

كان هذا يعني أن حياته لم تعد مجرد مسألة بقاء شخصي. كانت توازنًا هشًا تحمله فوق كتفيه، توازن قد ينهار في اللحظة التي يقرر فيها شخص ما، بدافع الخوف أو الطموح السياسي، أن يظلمه ظلمًا كافيًا لإيقاظ ما ينام بداخله.

فكّر في رجال الحاكم الذين بدأوا يتجولون في سيرافيل، يسألون عن اسمه وعمره بحذر متزايد. فكّر في كاليفور نفسه، الحاكم الذي لم يقابله يومًا لكنه شعر بظله يمتد نحوه من بعيد منذ سنوات. فكّر في مجلس سيرافيل الذي حماه لسنوات، لكن أورين نفسه كان قد اعترف يومًا أن الحماية لم تكن أبدًا من أجله شخصيًا، بل من أجل توازن القوى.

في تلك اللحظة، اتخذ سورين قرارًا هادئًا لكنه حاسم: لن ينتظر بعد اليوم ليُقرَّر مصيره من قبل آخرين، كما حدث طوال حياته حتى الآن. سيبحث بنفسه عن الحقيقة الكاملة، عن كل تفصيل يخص اللعنة، وعن مصير ذلك الطفل الأول الذي اختفى منذ مئتين وسبعين عامًا دون أن يُعرف عنه شيء.

نظر إلى النقش الأقرب إليه: طائر بأجنحة ممتدة، محاط بألسنة نار متعرجة تلتف حول جسده كخيطين متشابكين.

خيطا اللهب.

"سأفهم من أنت," همس سورين للنقش الصامت، كأنه يخاطب كيانًا حقيقيًا ينام في مكان ما بعيد، ينتظر لحظته. "قبل أن يقرر أحدهم أن يوقظك بدلًا مني."

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق