ابن العنقاء

الفصل 5

خدام القمر

2,552 كلمة · 13 دقيقة للقراءة

إعلان

بدأ سورين بحثه في السجلات القديمة للمعبد الأسود في الليلة التالية مباشرة، دون أن ينتظر إذنًا رسميًا من كاهنة السجلات. لم تكن هذه السجلات مرتبة كما اعتاد أن يراها في دروسه السابقة؛ كانت مكدّسة في غرفة خلفية ضيقة، ملفوفة بجلود متيبسة من القدم، بعضها مكتوب بخط يدوي بالٍ يصعب فك رموزه، وبعضها الآخر محفوظ في ألواح حجرية صغيرة يعود تاريخها، حسب تقدير سورين، إلى ما قبل تأسيس سيرافيل بشكلها الحالي.

قضى الليالي الأولى في فرز ما استطاع فرزه، متجاهلاً أي شيء لا يتعلق مباشرة باللعنة أو بالقمر القرمزي أو بمصير من سبقوه في حمل تلك العلامة. كانت كاهنة السجلات تراقبه من بعيد، دون أن تتدخل مباشرة، وكأنها كانت تعرف أن هذه المرحلة من رحلته يجب أن يخوضها بنفسه.

في الليلة السابعة من بحثه، وجد ما كان يبحث عنه دون أن يعرف بالضبط ما هو.

كان سجلًا جلديًا رفيعًا، مختلفًا عن باقي السجلات، مخبأً في زاوية بعيدة من الغرفة، خلف صف من الأواني الفخارية القديمة التي بدت وكأنها وُضعت هناك عمدًا لإخفائه عن أعين عابرة. حين فتحه، وجد أن الصفحات الأولى منه كانت قد تلفت بفعل الرطوبة والزمن، لكن الأجزاء المتبقية كانت لا تزال قابلة للقراءة، وإن بصعوبة.

كان عنوان السجل، مكتوبًا بخط قديم متقن: سجل خدّام القمر.

توقف سورين طويلًا أمام تلك الصفحة الأولى، يقرأ العنوان مرارًا وكأنه يتأكد أن عينيه لا تخدعانه. ثم بدأ يقرأ.

"منذ أن ظهرت أولى علامات اللعنة في تاريخنا المسجل," هكذا بدأ النص، بخط يد كاهن قديم لم يُذكر اسمه، "أدركت الآلهة أن حمل هذا الميزان القاسي على كاهل طفل واحد وحده، دون سند، قد يقود إلى فوضى لا يمكن التحكم بها. لهذا، نشأ عبر الأجيال ما يُعرف الآن بـ'خدّام القمر': أفراد، غالبًا من آباء حاملي اللعنة أو أمهاتهم، يُختارون بطريقة لا تُفهم بالكامل حتى من قبل الكهنة أنفسهم، ليكونوا حرّاسًا صامتين لتوازن أبنائهم."

استمر سورين بالقراءة، وقلبه يتسارع مع كل سطر.

"لا يُختار خادم القمر بإرادته الكاملة، بل يُستدعى في لحظة محددة، غالبًا عند بلوغ حامل اللعنة مرحلة حرجة من عمره، أو عند اقتراب موعد ظهور القمر القرمزي مجددًا. يُنقل الخادم إلى مكان مجهول، بعيدًا عن الأعين، ليؤدي طقسًا مستمرًا يُعرف باسم 'طقس الخيطين', يهدف إلى إبقاء التوازن مستقرًا قدر الإمكان، ومنع اللعنة من الاستيقاظ قبل أوانها الطبيعي."

توقف سورين عن القراءة للحظة، وشعر بيده ترتجف وهي تمسك بحافة الصفحة الهشة.

طقس الخيطين. الاسم نفسه الذي سمعه هامسًا من تارين في تاليسار، مرتبطًا بأسطورة العنقاء.

أكمل القراءة بشغف متصاعد، متجاوزًا الآن حذره المعتاد في التعامل مع الصفحات الهشة.

"لا يُعرف الكثير عن طبيعة هذا الطقس بدقة، إذ إن من يؤدونه يُمنعون من الحديث عنه علنًا، حتى مع أقرب المقربين إليهم. ما نعرفه فقط هو أن الخادم، بمجرد استدعائه، يُفصل تمامًا عن حياته السابقة، ويُنقل إلى ما يُعرف بـ'المعبد الخفي', مكان لا يظهر في أي خريطة رسمية للجواهر الثلاث، يُقال إنه محاط بحماية دينية قديمة تمنع أي غريب من الوصول إليه."

وفي أسفل الصفحة، وجد سورين قائمة قصيرة من الأسماء، مكتوبة بخط مختلف، أحدث من النص الأصلي، كأن كاهنًا لاحقًا أضافها على مر السنين: أسماء آباء وأمهات اختفوا في ظروف غامضة عبر تاريخ الجواهر الثلاث، إلى جانب تواريخ تقريبية لاختفائهم.

في نهاية تلك القائمة، وجد اسمًا لم يكن بحاجة لأن يقرأه مرتين ليتعرف عليه.

اسم والده.

جلس سورين على الأرض الحجرية الباردة للغرفة، والسجل لا يزال مفتوحًا بين يديه، يحاول أن يستوعب ثقل ما اكتشفه للتو.

لم يهرب والده تلك الليلة. لم يتخلَّ عنه، ولم يتركه خوفًا من عار اللعنة، كما همست الألسنة في سيرافيل طوال سنوات طفولته. لقد استُدعي، بطريقة لا يفهمها سورين بعد بالكامل، ليصبح خادمًا للقمر، حارسًا صامتًا يؤدي طقسًا غامضًا هدفه الوحيد حماية ابنه من الاستيقاظ المبكر للعنة التي يحملها.

شعر سورين بمزيج غريب من العواطف يتصارع بداخله: غضب من سنوات طويلة قضاها يظن أن أباه تخلى عنه، وارتياح عميق يكاد يكون مؤلمًا لمعرفة أن الحب لم يكن يومًا كذبة، وحزن جديد كليًا، أثقل ربما من الحزن القديم، لأن أباه لم يكن غائبًا باختياره، بل كان أسيرًا صامتًا لواجب لم يُخيَّر فيه.

"أنت لم تتركني," همس سورين، وحيدًا في تلك الغرفة الضيقة، وكأنه يخاطب أباه مباشرة عبر مسافة الزمن التي تفصلهما. "كنت هناك طوال الوقت، تحميني بطريقتك الخاصة."

فكّر في كل تلك السنوات التي قضاها في تاليسار، شاعرًا بذلك الثقل الغريب في صدره كلما اكتمل القمر، ذلك الإحساس بشيء يتحرك تحت جلده، محاولًا أن يستيقظ. تساءل الآن: هل كان طقس أبيه، أينما كان يُؤدى، هو ما كان يبقي ذلك الشيء نائمًا كل تلك السنوات؟ وإن كان الأمر كذلك، فماذا سيحدث إن توقف ذلك الطقس يومًا، لأي سبب كان؟

في تلك الليلة نفسها، وبينما كان سورين لا يزال جالسًا وسط أكوام السجلات القديمة، غارقًا في أفكاره، حدث شيء لم يختبره من قبل بهذا الوضوح.

بدأ الهواء حوله يتغير.

لم يكن تغيرًا محسوسًا بالحواس العادية في البداية؛ كان أقرب إلى شعور، ضغط خفيف يلتف حول صدره، يشبه ذلك الإحساس الذي اعتاده في ليالي القمر المكتمل، لكنه هذه المرة أشد بكثير، وأكثر وضوحًا. نظر حوله، وأدرك أن المصابيح الزيتية القليلة في الغرفة بدأت تتراقص بشكل غير طبيعي، ظلالها تتمدد على الجدران بطريقة لا تتناسب مع مصدر ضوئها الفعلي.

ثم رآها.

لم تكن رؤية كاملة، بل ومضة قصيرة، كأن جدار الغرفة نفسه انفتح للحظة على مشهد آخر تمامًا: طائر هائل الحجم، بريش يشتعل كالجمر، بأجنحة ممتدة تلتف حول جسده خيطان من اللهب المتحرك، لا يحرقان ما حولهما، بل يرقصان في الهواء بإيقاع هادئ كأنهما ينتظران أمرًا لم يُعطَ بعد. كانت عينا الطائر، حين التقتا لحظيًا بعيني سورين عبر تلك الومضة الغريبة، تحملان نظرة لم يتوقعها: ليست تهديدًا، ولا غضبًا، بل شيئًا أقرب إلى الحزن العميق، وربما الانتظار الصبور.

اختفى المشهد بسرعة أكبر مما ظهر، تاركًا سورين يلهث بخفة، وقلبه يدق بعنف في صدره.

جلس هناك طويلًا، محاولًا استعادة أنفاسه، يستوعب أن ما رآه للتو لم يكن مجرد تخيل أو نتيجة إرهاق ليلة طويلة من القراءة. كان شيئًا حقيقيًا، ولو لثانية عابرة، تجلّى له بشكل مباشر لأول مرة في حياته.

فهم الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن ما يحمله بداخله ليس مجرد علامة جسدية أو تهديد مجرد يخشاه الآخرون. كان كيانًا حقيقيًا، حيًا بطريقته الخاصة، ينتظر، بصبر امتد لعشرين عامًا من عمره، لحظة قد لا يستطيع أحد التنبؤ بموعدها بدقة.

عادت كاهنة السجلات إلى الغرفة عند الفجر، لتجد سورين لا يزال مستيقظًا، جالسًا وسط أكوام السجلات، ووجهه يحمل ملامح رجل اكتشف للتو حقيقة غيّرت فهمه لحياته بأكملها.

أخبرها بكل ما وجده: سجل خدّام القمر، اسم أبيه بين القائمة، والرؤية الغريبة للعنقاء التي ظهرت له تلك الليلة.

استمعت كاهنة السجلات بصمت تام، دون أن تقاطعه مرة واحدة، حتى انتهى من الحديث.

"لطالما خشيت أن تصل إلى هذا السجل بمفردك دون تحضير كافٍ," قالت أخيرًا، بصوت يحمل مزيجًا من القلق والتقدير الصادق لشجاعته. "لكن يبدو أن الوقت قد حان لتعرف بقية الحقيقة، حتى لو لم أكن مستعدة تمامًا لإخبارك بها بنفسي."

نظر إليها سورين بترقب.

"هناك رجل في ميرافين," قالت كاهنة السجلات، بحذر شديد، كأنها تنطق باسم يحمل ثقلًا خاصًا. "عجوز، تجاوز عمره، حسب ما تُقال الحكايات، ثلاثمئة عام، وإن كان لا أحد يستطيع تأكيد ذلك بيقين تام. يعيش في عزلة شبه كاملة في أطراف المدينة، ونادرًا ما يقبل استقبال أي زائر. لكن يُقال إنه يحمل ذاكرة تمتد عبر أكثر من دورة كاملة من دورات القمر القرمزي، وإنه الوحيد المتبقي الذي يعرف الحقيقة الكاملة عن اللعنة، عن العنقاء، وعن كل ما حدث في تلك الليلة الأولى قبل مئتين وسبعين عامًا حين احترق ثلث سيرافيل القديمة."

شعر سورين بشيء يشبه الأمل يتسلل إلى صدره للمرة الأولى منذ زمن طويل.

"إن أردت أن تفهم كل شيء بحق," أكملت كاهنة السجلات، "فعليك أن تذهب إليه. لكن اعلم أن الطريق إلى ميرافين، خصوصًا في هذه الأيام مع تزايد رجال الحاكم في كل مكان، لن يكون آمنًا بالكامل."

جنظر سورين إلى النقش الأقرب إليه على الجدار، ذلك الطائر بأجنحته الممتدة وخيطي اللهب الملتفين حوله، وشعر أن القرار قد اتُخذ بالفعل في أعماقه منذ اللحظة التي رأى فيها تلك الومضة الحية للعنقاء.

"سأذهب إلى ميرافين," قال بهدوء حاسم. "حان الوقت لأعرف كل شيء، مهما كلّف ذلك."

قبل أن يغادر سورين سيرافيل، كان عليه أولًا أن يمرّ بأصعب اجتماع خاضه مع المجلس منذ سنوات.

جلس أمام أورين وفيدال وكاهنة السجلات في القاعة الحجرية المعتادة، وشرح لهم بالتفصيل ما اكتشفه: سجل خدّام القمر، اسم أبيه بين قوائم المختفين، والرؤية الغريبة للعنقاء. طلب إذنًا رسميًا للسفر إلى ميرافين للبحث عن العجوز الذي يُقال إنه يحمل ذاكرة تمتد لثلاثمئة عام.

إعلان

"هذا جنون يا سورين," قال فيدال بقلق واضح، بعد أن استمع إلى كل التفاصيل. "رجال الحاكم منتشرون في كل مكان الآن، وأنت بالذات، من بين كل أهل الجواهر الثلاث، لا يمكنك ببساطة أن تمشي في شوارع ميرافين وكأنك أحد التجار العابرين."

"أعرف ذلك," أجاب سورين بهدوء. "لهذا لن أذهب باسمي الحقيقي، ولن أذهب وحدي إن سمح المجلس بذلك."

نظر أورين إليه طويلًا، بتلك النظرة الحازمة التي اعتاد سورين رؤيتها منه في اللحظات المفصلية. "وماذا تقترح تحديدًا؟"

"أحتاج مرافقًا يعرف ميرافين جيدًا," قال سورين. "شخصًا يمكنه أن يقدمني كتاجر أو باحث ديني عادي، دون أن يثير الشكوك. وأحتاج أيضًا إلى غطاء مقنع لهويتي: اسم مستعار، وربما وسيلة لإخفاء عينيّ عن أي نظرة فضولية."

صمت المجلس قليلًا، يزنون خطورة الطلب.

"سآخذك," قال أخيرًا كاهن شاب لم يتحدث كثيرًا حتى تلك اللحظة، رجل يُدعى إليان، كان قد انضم إلى خدمة سيرافيل قبل سنوات قليلة قادمًا أصلًا من عائلة تجارية في ميرافين قبل أن يعتنق حياة الكهنوت. "أعرف المدينة جيدًا، ولا يزال لي فيها معارف قدامى لن يشكوا في زيارتي. يمكنني أن أقدمك كمساعد لي، طالبًا يدرس علم السجلات القديمة."

نظر أورين إلى إليان طويلًا، ثم أومأ برأسه ببطء. "ستذهبان معًا إذن. لكن اسمعاني جيدًا كلاكما: إن اكتُشف أمر سورين هناك، فلن يكون بمقدور سيرافيل أن تحميه. ستكونان بمفردكما تمامًا."

في الصباح التالي، وقف سورين أمام مرآة صغيرة معتمة في غرفته بالمعبد الأسود، ينظر إلى انعكاسه بينما كانت كاهنة السجلات تساعده على إعداد غطائه الجديد.

كانت الخطوة الأصعب هي إخفاء عينيه. جربت كاهنة السجلات عدة طرق: عصابة قماشية تُغطي جزءًا من الوجه بحجة "إصابة قديمة"، لكنها كانت تلفت الانتباه أكثر مما تخفيه؛ نظارات داكنة الزجاج، من النوع النادر الذي يستخدمه بعض تجار ميرافين الأثرياء لحماية أعينهم من غبار الطرق الطويلة، وهذا ما استقر عليه الاختيار أخيرًا.

"ستبدو كتاجر شاب يعاني من حساسية العين تجاه الشمس," قالت كاهنة السجلات، وهي تعدل النظارتين على أنفه. "غريب بما يكفي ليُصدَّق، عادي بما يكفي ليُنسى بسرعة."

اختار سورين لنفسه اسمًا مستعارًا: كايل، اسم بسيط لا يحمل أي دلالة قد تربطه بسيرافيل أو بحكاية اللعنة.

غادر مع إليان عند الفجر، عبر بوابة سيرافيل الجنوبية الأقل ازدحامًا برجال الحاكم، متخفيين بزي تجار بسطاء يحملان بضائع متواضعة من الحرير المحلي والأعشاب الطبية، وهي بضائع كافية لتبرير رحلة تجارية معتادة إلى ميرافين دون إثارة أي شكوك.

استغرقت الرحلة يومين كاملين عبر طرق ترابية طويلة تتلوى بين تلال منخفضة وحقول واسعة تفصل بين أراضي سيرافيل وميرافين. تحدث إليان طوال الطريق عن المدينة التي كان يقصدها سورين لأول مرة في حياته الواعية.

"ميرافين ليست كسيرافيل ولا كتاليسار," قال إليان في إحدى استراحاتهما القصيرة عند حافة الطريق، بينما كانا يتقاسمان قطعة خبز جاف وقليلًا من الماء. "لن تجد فيها ذلك التشدد الديني الذي عرفته طوال حياتك، ولا ذلك الانضباط العسكري الصارم الذي يميز تاليسار. ستجد بدلًا من ذلك مدينة تؤمن بشيء واحد فقط: النظام الطبقي المحكم، والمظاهر."

"ماذا تقصد بالمظاهر؟" سأل سورين، وهو يعدل نظارتيه الداكنتين تحت أشعة الشمس.

ابتسم إليان ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من المرارة القديمة. "في ميرافين، لا يهم كثيرًا من أنت فعلًا، بقدر ما يهم من تبدو عليه أمام الآخرين. نشأت هناك، في عائلة تجارية متوسطة الحال، وأتذكر جيدًا كيف كانت كل مأدبة عشاء، كل زيارة اجتماعية، مجرد مسرحية محسوبة بدقة: من يجلس بجانب من، من يتحدث أولًا، من يظهر ثراءه بأناقة محسوبة دون مبالغة تُعتبر وقاحة."

توقف قليلًا، ينظر إلى الأفق البعيد حيث بدأت تلوح أولى مباني ميرافين الشاهقة نسبيًا مقارنة بما اعتاده سورين.

"لهذا بالضبط لا تثق ميرافين بسيرافيل," أضاف إليان. "أنتم، في نظرهم، متطرفون دينيًا لا يمكن التنبؤ بتصرفاتكم؛ تؤمنون بأشياء لا تخضع للمنطق السياسي البارد الذي يحكم كل قرار في ميرافين. يستفيدون من عزلتكم حين تناسبهم، لكنهم لا يثقون بكم أبدًا بشكل كامل."

وصلا أخيرًا إلى أسوار ميرافين عند غروب اليوم الثاني.

وقف سورين مذهولًا للحظة أمام المشهد الذي انفتح أمامه: مدينة مبنية بالحجر الأبيض المصقول، بشوارع مرصوفة بدقة هندسية لم يرها من قبل، تتوسطها قصور صغيرة متعددة الطوابق تعلوها أعلام فضية داكنة تحمل رمز المدينة: ميزان معلق بين عمودين متقابلين.

كان كل شيء في ميرافين يوحي بالنظام المطلق: الأسواق مقسمة بدقة حسب نوع البضاعة، الشوارع الرئيسية أوسع وأكثر تنظيمًا من أي طريق رآه سورين في حياته، وحتى الناس أنفسهم يمشون بإيقاع محسوب، لا فوضى ولا تسكع بلا هدف واضح.

لكن سورين لاحظ أيضًا شيئًا آخر، أثقل من مجرد النظام الظاهري: عيون حراس منتشرة عند كل زاوية رئيسية، ترتدي زيًا فضيًا داكنًا موحدًا، تراقب المارة بصمت يقظ، دون أن تتدخل مباشرة إلا حين يخرج أحدهم عن النمط المتوقع.

"احترس من نظراتك," همس إليان بجانبه، وهما يمشيان عبر البوابة الرئيسية للمدينة. "في ميرافين، حتى النظرة الخاطئة في الاتجاه الخاطئ قد تثير شكوك الحراس. تصرف بثقة هادئة، لا أكثر ولا أقل. الثقة الزائدة تلفت الانتباه، والتردد الواضح يثير الشك."

أومأ سورين برأسه، محاولًا أن يهدئ نبضات قلبه المتسارعة وهو يخطو لأول مرة في مدينة كان قد سمع عنها طوال حياته دون أن يتخيل يومًا أنه سيمشي بين أزقتها متخفيًا، يبحث عن حقيقة قد تغيّر كل ما يعرفه عن نفسه.

استقرا في نزل متواضع في الحي التجاري، بعيدًا عن الأحياء الأرستقراطية حيث تتركز أعين الحراس بشكل أكثر كثافة. في الليلة الأولى، بينما كانا يتناولان عشاءً بسيطًا في غرفتهما الضيقة، شرح إليان لسورين خطته التالية.

"لدي معرفة قديمة هنا," قال، وهو يخفض صوته رغم أنهما وحدهما في الغرفة، "كاهن متقاعد من كهنة ميرافين، رجل يُدعى بيرين، كان يخدم في أحد المعابد الصغيرة المخصصة لطقوس التوازن الرسمية. لم يعد يخدم رسميًا، لكنه لا يزال يحتفظ بعلاقات قديمة مع الأرشيف الديني للمدينة. إن كان أحد يستطيع أن يخبرنا شيئًا عن طقوس خدّام القمر من منظور ميرافين، فهو على الأرجح."

"هل تثق به؟" سأل سورين.

فكّر إليان قليلًا قبل أن يجيب. "أثق بأنه رجل فضولي أكثر من كونه رجلًا موثوقًا بالكامل. سيساعدنا إن وجد في الأمر ما يثير اهتمامه العلمي، لكن يجب أن نكون حذرين في ما نكشفه له عن هويتك الحقيقية."

في اليوم التالي، توجها إلى بيت بيرين المتواضع في طرف الحي الديني القديم من المدينة، بيت صغير محاط بحديقة مهملة قليلًا، تدل على رجل فقد بريق منصبه الرسمي لكنه لم يفقد شغفه المعرفي.

فتح بيرين الباب بنفسه، رجل في الستينيات من عمره، بعينين حادتين رغم تجاعيد وجهه الكثيرة، ونظر إلى إليان بدهشة سرعان ما تحولت إلى ترحيب حذر.

"إليان! لم أتوقع أن أراك مجددًا بعد كل هذه السنوات," قال بيرين، وهو يفسح المجال لهما للدخول. "وهذا الشاب؟"

"مساعدي," قال إليان بسرعة، مشيرًا إلى سورين. "كايل، طالب يدرس السجلات الدينية القديمة معي في سيرافيل."

نظر بيرين إلى سورين بتمعن للحظة، ونظارتيه الداكنتين، لكنه لم يعلّق على الأمر، مكتفيًا بإيماءة ترحيب مقتضبة قبل أن يقودهما إلى غرفة صغيرة مليئة بالكتب والسجلات المكدسة بلا نظام واضح، على عكس النظام الصارم الذي يميز باقي ميرافين.

"إذن," قال بيرين، بعد أن استقر الجميع حول طاولة صغيرة مزدحمة بالأوراق، "ماذا يجلب كاهنًا من سيرافيل ومساعده الشاب إلى بيتي المتواضع بعد كل هذه السنوات؟"

نظر إليان إلى سورين بسرعة، ثم عاد إلى بيرين. "نبحث عن معلومات قديمة يا بيرين، تتعلق بما تحتفظ به أرشيفات ميرافين عن ظاهرة يُطلق عليها 'خدّام القمر'."

تجمدت ملامح بيرين للحظة، وخفتت ابتسامته الترحيبية قليلًا. "سؤال غريب لطالب سجلات ديني," قال بحذر متزايد. "لماذا يهمكما هذا الموضوع تحديدًا؟"

"بحث أكاديمي بحت," أجاب إليان بسرعة، بنبرة مطمئنة محسوبة بعناية. "نُعِدّ دراسة مقارنة عن طقوس التوازن في الجواهر الثلاث، ووجدنا إشارات متناثرة وغامضة لهذا المفهوم في سجلاتنا. أردنا أن نتحقق إن كانت ميرافين تحتفظ بمعلومات أكثر دقة."

ظل بيرين صامتًا لحظات طويلة، يتفحص وجهيهما بعينين حادتين لم تفقدا فطنتهما رغم تقاعده. أخيرًا، نهض من مكانه ببطء، ومشى نحو رف مرتفع مليء بأوراق ملفوفة بعناية.

"ما أعرفه ليس كثيرًا," قال بيرين أخيرًا، وهو يبحث بين الأوراق، "لكنه أكثر مما تجدانه في أي سجل عام. اجلسا، فهذا حديث طويل، ولا أنصح بمناقشته بصوت مرتفع حتى داخل هذه الجدران."

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق