كبر سورين كما تكبر الأشجار التي تُزرع في أرض لا ترحّب بها: ببطء، وبصمت، وبجذور تتعمق أكثر مما يظنه من حوله.
لم يكن طفلًا صاخبًا. لاحظت نايرة ذلك منذ سنته الثانية؛ بينما كان أطفال الجيران يركضون في الأزقة الترابية ويصرخون بلا سبب سوى فرحة الحركة، كان سورين يجلس في زاوية البيت لساعات، ينظر إلى الأشياء بتمعن غريب، كأنه يحاول أن يفهم كيف تعمل قبل أن يلمسها. كانت عيناه — الرماديتان بخيوطهما الحمراء الرفيعة — تتبعان كل حركة في الغرفة، وكأنه يقرأ العالم من حوله بلغة لم يتعلمها أحد بعد.
في سنته الثالثة، بدأ يتحدث بجمل كاملة، بينما كان أقرانه لا يزالون يتلعثمون بكلمات مفردة. لم يكن هذا وحده ليثير القلق، فبعض الأطفال يتعلمون بسرعة. لكن ما أثار انتباه نايرة أكثر كان نوع الأسئلة التي بدأ يطرحها.
"لماذا تُغلق النساء الأبواب حين أمرّ؟" سألها ذات مساء، وهو يمسك بطرف ثوبها بينما تُعدّ الطعام.
توقفت نايرة عن الحركة للحظة، ثم أجابت بهدوء مصطنع: "لا يُغلقن الأبواب بسببك. الجو بارد الليلة."
نظر إليها سورين نظرة طويلة، لم تكن نظرة طفل يُصدّق بسهولة. "الجو ليس باردًا," قال ببساطة، ثم عاد إلى لعبته الخشبية الصغيرة دون أن يضيف شيئًا آخر.
لم يكن يتحدى أمه، ولم يكن غاضبًا. كان فقط يلاحظ. وهذا، اكتشفت نايرة بمرور الوقت، كان أثقل من أي غضب: طفل يرى الحقيقة بوضوح، لكنه يختار أن يصمت عنها، ربما ليحمي أمه من عبء الاعتراف، أو ربما لأنه بدأ يتعلم منذ الآن أن بعض الحقائق أفضل أن تُترك دون قول.
كانت عزلته تتعمق مع كل عام يمر.
لم يكن الأطفال الآخرون يعاملونه بقسوة مباشرة؛ لم يضربوه، ولم يهينوه بصراحة. كانوا فقط يتجنبونه، بتلك البراءة القاسية التي يتعلمها الأطفال من آبائهم دون أن يفهموا سببها الحقيقي. حين كان يقترب من مجموعة تلعب في الساحة، كانت اللعبة تتوقف فجأة، لا بإشارة من أحد، بل بشعور جماعي غامض يسري بينهم كأنه رياح باردة. كان يقف على الحافة، ينظر، ثم يبتعد بهدوء دون أن يطلب الانضمام.
لاحظت نايرة أنه توقف عن المحاولة بعد فترة. لم يعد يقترب من مجموعات اللعب أصلًا. بدلًا من ذلك، كان يجلس عند حافة الحقل خلف البيت، يراقب الحشرات وهي تتحرك بين الأعشاب، أو يرسم أشكالًا في التراب بعصا رفيعة: دوائر متداخلة، خطوطًا متشابكة، أنماطًا لم تكن نايرة تفهمها لكنها كانت تشعر أن فيها نوعًا من النظام الخفي.
في إحدى الأمسيات، وجدته يجلس بجانب النافذة، ينظر إلى السماء حيث كان القمر مكتملًا وفضيًا كعادته.
"هل تعرفين لماذا يخافون مني؟" سأل، دون أن يلتفت إليها.
كانت أول مرة يطرح فيها السؤال بهذا الوضوح المباشر. توقفت نايرة عند الباب، وشعرت أن قلبها يتسارع.
"لا يخافون منك," قالت، لكن صوتها خانها هذه المرة.
التفت سورين إليها أخيرًا، وفي عينيه لم يكن هناك اتهام، بل شيء أقرب إلى الحزن الهادئ الذي لا يليق بطفل في السابعة من عمره. "لا بأس," قال. "لست غاضبًا. أفهم فقط... أنهم خائفون من شيء أكبر مني. أنا فقط الشكل الذي اختاره الخوف ليظهر فيه."
لم تعرف نايرة ماذا تقول. جلست بجانبه، وسحبته نحوها، وضمّته دون كلمات، لأنها شعرت في تلك اللحظة أن أي كلمة قد تقولها ستكون أصغر من حجم ما فهمه ابنها بالفعل.
لكن الخوف الأعمق لم يكن خوف سورين من نبذ القرية له.
كان خوفه، وهو الذي بدأ يتشكل بوضوح متزايد كلما كبر، هو الخوف على القرية نفسها. سمع الهمسات، كما يسمع كل شيء، عن اللعنة وعن القمر القرمزي وعن حكاية قديمة لم يفهم تفاصيلها بعد لكنه فهم جوهرها: أن وجوده مرتبط بشيء خطير، شيء قد يؤذي من حوله لا محالة، إن جاء يومًا موعده.
بدأ يبتعد أكثر، لا لأن أحدًا طلب منه ذلك، بل لأنه بدأ يخشى، بطريقته الطفولية الغريبة، أن يكون قربه من الآخرين نوعًا من الخطر المؤجل. كان يراقب الأطفال من بعيد، يبتسم أحيانًا حين يرى أحدهم يضحك، لكنه لا يقترب أبدًا أكثر من اللازم.
وفي الليالي التي كانت أبواب سيرافيل تُغلق فيها بالكامل — وهو أمر بدأ سورين يلاحظه يتكرر بشكل دوري، مرة كل عدة أشهر، حين يعلن الكهنة عن "ليلة تطهير" أو "ليلة صمت" دون تفسير واضح — كان يسأل أمه لماذا يحدث ذلك.
"القرية تُغلق أبوابها أحيانًا لتحمي نفسها," كانت تقول نايرة، وهي تتجنب النظر إليه مباشرة. "من أشياء لا نراها."
لم يسألها سورين عن التفاصيل. لكنه بدأ، في عمق ذهنه الصغير الذي كان ينضج أسرع من جسده، يربط بين تلك الليالي المغلقة وبين شيء غامض يتعلق به هو تحديدًا. لم يكن يعرف بعد ما هو، لكنه شعر أن يومًا سيأتي تُغلق فيه الأبواب بسببه لا احتياطًا فحسب.
وكان هذا الشعور، أكثر من أي نبذ أو همسة أو نظرة خوف، هو ما شكّل طفولته: عزلة اختارها هو نفسه قبل أن تُفرض عليه، حماية مبكرة لأناس لم يكونوا يحبونه، لكنه كان يخشى، رغم كل شيء، أن يؤذيهم يومًا.
جاء اليوم كما تجيء الأيام التي طالما خشيتها نايرة: بلا سابق إنذار حقيقي، رغم أنها كانت تعدّه في سرها كل ليلة منذ خمس سنوات.
لم يكن هناك جرس يُقرع، ولا نداء يُطلق في الساحة. جاء رجال المعبد في الصباح، ثلاثة هذه المرة بدلًا من اثنين، وكأن القانون نفسه أراد أن يؤكد لنفسه أنه جادّ. كان أحدهم يحمل السجل الجلدي ذاته الذي رأته نايرة قبل خمس سنوات، وكان الآخران يحملان عباءتين بيضاوين مطويتين بعناية، من النوع الذي يُلبس للأطفال المرسلين إلى خدمة المعابد.
فتحت نايرة الباب قبل أن يطرقوه. كانت قد رأتهم قادمين من بعيد، عبر النافذة، وعرفت في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على العباءتين البيضاوين أن اللحظة التي خشيتها منذ سنوات قد وصلت أخيرًا.
"السنوات الخمس انقضت," قال الرجل الذي يحمل السجل، بصوت لم يتغير نبرة واحدة عما كان عليه قبل خمس سنوات، كأن الزمن لا يمسّ كلمات القانون. "وفقًا للعرف، يُنقل الطفل غير المسجَّل إلى معابد تاليسار، ليكون في خدمة الآلهة."
خلف نايرة، وقف سورين في عتبة الغرفة الداخلية، يرتدي ثوبه المعتاد، وقد سمع كل كلمة. لم يبكِ، ولم يصرخ، ولم يحاول الاختباء. كان قد بلغ الخامسة قبل أسابيع قليلة، لكن عينيه — تلك العينين الرماديتين بخيوطهما الحمراء — كانتا تحملان هدوءًا لا يتناسب مع عمره، هدوء طفل يعرف أن هذه اللحظة قادمة لا محالة منذ أن بدأ يفهم العالم من حوله.
"أيمكنني أن أودّعه؟" سألت نايرة، وصوتها يرتجف رغم محاولتها إبقاءه ثابتًا.
نظر الرجال الثلاثة إلى بعضهم، ثم أومأ الأول برأسه. "بضع دقائق. لا أكثر."
جثت نايرة على ركبتيها أمام ابنها، لتكون عيناها في مستوى عينيه. أمسكت بكتفيه الصغيرين بيديها، ونظرت إليه طويلًا، كأنها تحاول أن تحفظ كل ملمح في وجهه قبل أن يُؤخذ منها.
"سورين," قالت أخيرًا، وقد اختارت كلماتها بعناية شديدة، كأنها تعرف أن هذه قد تكون آخر كلمات تقولها له لسنوات طويلة، أو ربما إلى الأبد. "أريدك أن تسمعني جيدًا."
أومأ سورين برأسه، دون أن ينبس بكلمة.
"ما يحدث الآن ليس عقابًا," قالت. "ولا يعني أنك أخطأت بشيء. أنت لم تفعل شيئًا يستحق هذا. تذكّر ذلك دائمًا، مهما قالوا لك هناك، ومهما بدا الأمر."
لمعت عيناها بدموع لم تسمح لنفسها بأن تسقط أمام رجال المعبد.
"والدك," أكملت، وصوتها ينخفض أكثر، "لم يهرب منك. أعرف أن هناك من قد يقول لك عكس ذلك يومًا، لكنني أريدك أن تحمل هذه الحقيقة معك أينما ذهبت: خرج تلك الليلة ليسجّلك، لا ليتخلى عنك. مهما حدث له، فقد أراد أن يكون اسمك مكتوبًا. أحبّك قبل أن يراك حتى."
ابتلع سورين بصعوبة، وللمرة الأولى منذ دخول الرجال، ارتجفت شفتاه قليلًا. لكنه لم يبكِ. بدلًا من ذلك، رفع يده الصغيرة ولمس خد أمه، بحركة هادئة أشبه بحركة شخص أكبر بكثير من عمره.
"سأتذكر," قال ببساطة.
ثم أضاف، بعد صمت قصير: "لا تخافي عليّ. سأكون بخير."
كانت هذه الكلمات، الصادرة عن طفل في الخامسة من عمره، أثقل على قلب نايرة من أي شيء آخر قيل في تلك الغرفة. فهمت في تلك اللحظة أن ابنها لم يكن يواسيها من باب البراءة، بل لأنه، بطريقة ما، كان يفهم فعلًا أن عليه أن يكون قويًا، وأنه اختار أن يكون كذلك من أجلها هي، لا من أجل نفسه.
اقترب أحد رجال المعبد. "حان الوقت."
لم يبكِ سورين وهو يرتدي العباءة البيضاء.
وقف بهدوء بينما كان أحد الرجال يساعده على ارتدائها، ونظر إلى أمه مرة أخيرة. لم تكن نظرة وداع مسرحية، ولا نظرة خوف. كانت نظرة اتفاق صامت بينهما، كأنهما تبادلا وعدًا لا يحتاج إلى كلمات: هي ستنتظر، وهو سيعود يومًا، أو على الأقل سيحاول.
مشى إلى جانب رجال المعبد نحو الباب، وقبل أن يخطو خارجًا، توقف للحظة، والتفت إلى الغرفة الصغيرة التي كانت بيته طوال خمس سنوات: الرف الخشبي الذي لا تزال عليه صورة أبيه، الموقد حيث كانت أمه تُعدّ الطعام كل مساء، الزاوية التي كان يجلس فيها يرسم أنماطه الغامضة في التراب.
ثم خرج، دون أن ينظر إلى الخلف مرة أخرى.
وقفت نايرة عند الباب، تراقبه وهو يبتعد بين رجال المعبد، صغيرًا في تلك العباءة البيضاء الفضفاضة، حتى اختفى عند منعطف الطريق المؤدي خارج سيرافيل.
لم تصرخ، ولم تركض خلفه. كانت قد وعدت نفسها منذ سنوات أنها لن تمنح القرية مشهدًا يتحدثون عنه لأسابيع. لكنها بقيت واقفة عند الباب طويلًا بعد أن اختفى تمامًا، تحدّق في الطريق الفارغ، وكأنها تنتظر أن يعود من حيث ذهب، ولو للحظة واحدة.
خلفها، على الرف الخشبي، كانت صورة زوجها لا تزال حيث تركتها، صامتة كما كانت دائمًا، لا تملك إجابة عن أي سؤال يعتصر قلبها في تلك اللحظة: أين هو الآن؟ وهل سيعرف يومًا أن ابنه سار للتو نحو مصير لم يختره أحدهما؟
في الطريق إلى معابد تاليسار، مشى سورين بين رجال المعبد بخطى ثابتة رغم صغر قامته.
لم يتكلم أحدهم معه طوال الرحلة. كانت الطريق طويلة، تمتد عبر تلال جرداء تفصل بين أراضي سيرافيل وأراضي تاليسار، حيث تتغير طبيعة الأرض تدريجيًا: الحقول الخضراء التي عرفها سورين طوال طفولته تفسح المجال لصخور داكنة وأشجار متقزمة تنحني كأنها تعبد ريحًا لا يشعر بها أحد سواها.
نظر سورين إلى السماء مرة، ورأى أن القمر، رغم أنه نهار، كان لا يزال يمكن تمييز شكله الباهت خلف زرقة السماء، فضيًا هادئًا كأن شيئًا لم يحدث قبل خمس سنوات.
تذكر كلمات أمه: "لم تفعل شيئًا يستحق هذا."
كررها في ذهنه مرة، ثم مرة أخرى، كأنه يحفظها كتعويذة صغيرة يحملها معه إلى عالم لا يعرف عنه شيئًا.
لم يكن خائفًا بالقدر الذي توقعه من نفسه. كان هناك، في مكان ما داخله، إحساس غريب بشيء أشبه بالانتظار: كأن جزءًا منه كان يعرف، منذ زمن طويل، أن هذه اللحظة لم تكن سوى بداية لطريق أطول وأعمق بكثير مما يستطيع أي طفل في الخامسة أن يتخيله.
وحين ظهرت أخيرًا أسوار معابد تاليسار في الأفق، داكنة وصامدة كجبال منحوتة بيد غاضبة، لم يتراجع سورين خطوة واحدة.
مشى نحوها، تاركًا خلفه طفولته القصيرة في سيرافيل، ومعها كل ما عرفه من دفء، ليدخل عالمًا جديدًا لن يمنحه الدفء نفسه، لكنه سيمنحه شيئًا آخر لم يكن يعرف بعد أنه سيحتاجه أكثر: القوة على البقاء.
لم يكن معبد تاليسار الذي دخله سورين مبنى واحدًا، بل مجمعًا كاملًا من الأبنية الحجرية الداكنة، متراصة حول ساحة مركزية واسعة يتوسطها موقد حجري ضخم لا تنطفئ ناره أبدًا، حتى في أشد ساعات الليل بردًا. كانت الجدران عالية، خالية من أي زخرفة تقريبًا، كأن من بناها أراد أن يذكّر كل من يدخل أن الجمال هنا ليس غاية، بل الانضباط وحده.
في يومه الأول، لم يتحدث معه أحد.
قاده أحد الكهنة الشباب، بصمت، عبر ممر حجري طويل إلى غرفة صغيرة تحتوي على سرير خشبي بسيط وبطانية رمادية مطوية بعناية عسكرية صارمة. لم يكن هناك نافذة. فقط فتحة صغيرة عالية في الجدار، بالكاد تسمح بمرور خيط من الضوء.
"ستنام هنا," قال الكاهن، بصوت لا يحمل عداوة ولا ودًا، فقط حياد تام. "عند الفجر، ستُوقظ. لا تتأخر، ولا تسأل عن السبب."
ثم أغلق الباب، وترك سورين وحيدًا في العتمة الخفيفة.
جلس على السرير، وللمرة الأولى منذ أن غادر سيرافيل، سمح لنفسه أن يشعر بحجم ما حدث. لم يبكِ — كان قد وعد نفسه أنه لن يفعل، ليس من أجل نفسه فقط، بل من أجل وعد صامت قطعه لأمه — لكنه جلس هناك طويلًا، يستمع إلى أصوات الخطى البعيدة في الممرات، وإلى صوت النار المتراقصة في الموقد المركزي التي كان بإمكانه سماعها حتى من غرفته المعزولة.
بدأت حياته في المعبد تأخذ شكلًا سريعًا: نظام صارم، لا يترك مجالًا للسؤال أو التردد.
كان اليوم يبدأ قبل الفجر بساعة، حين يُوقظ جميع الأطفال المرسلين إلى خدمة الآلهة — وكان سورين قد لاحظ أنه ليس الوحيد؛ كان هناك عشرات غيره، من أعمار مختلفة، أرسلهم آباؤهم أو القانون أو الفقر أو أسباب لم يفهمها بعد — بجرس نحاسي واحد يُقرع مرة واحدة فقط. من لا يستيقظ عند القرعة الأولى، يتعلم بسرعة ألا يكرر الخطأ.
كانت الأيام مقسمة بدقة: ساعات للتدريب البدني، حيث يتعلم الأطفال الأكبر سنًا حمل السيوف الخشبية والتحرك بانضباط عسكري، حتى قبل أن يفهموا لماذا يتعلمون ذلك؛ وساعات لما كان يُسمى "التطهير"، وهي طقوس تتضمن الوقوف أمام النار المركزية لفترات طويلة، ترديد تعويذات لا يفهم معظم الأطفال معناها الحرفي لكنهم يحفظونها كما يحفظون أنفاسهم؛ وساعات للخدمة، حيث يقوم الأصغر سنًا، ومنهم سورين، بأعمال بسيطة: تنظيف الممرات، حمل الماء، ترتيب الأدوات الطقسية.
لم يكن أحد يُعامَل بقسوة مفرطة، لكن أحدًا أيضًا لم يكن يُعامَل بحنان. كان كل شيء هنا محسوبًا، متوازنًا، خاليًا من أي فائض عاطفي قد يُعتبر ضعفًا.
لاحظ سورين بسرعة أن الكهنة هنا لا ينظرون إليه بالطريقة نفسها التي كان أهل سيرافيل ينظرون بها. لم يكن هناك خوف واضح في عيونهم، ولا تجنب متعمد. كان هناك شيء آخر: فضول محسوب، وربما، في أحيان نادرة، ما يشبه الحذر المهني، كأنهم يتعاملون معه كأداة قد تكون خطرة إن أُسيء استخدامها، لا كطفل ملعون يجب تجنبه.
هذا الفرق، رغم بساطته، جعل حياته في المعبد أسهل بطريقة غريبة من حياته في سيرافيل. لم يعد يشعر بذلك الثقل الخانق للنظرات المتجنبة والهمسات المتوقفة فجأة. هنا، كان الجميع غريبًا بطريقة ما، أطفالًا اقتُلعوا من بيوتهم لأسباب مختلفة، وتجمعوا في مكان واحد لا يمنحهم شيئًا سوى الروتين والانضباط.
في الليالي، حين يخلد الجميع إلى النوم، كان سورين يستلقي على سريره الخشبي، يستمع إلى الصمت الثقيل للمعبد، ويفكر في أمه.
لكن شيئًا آخر بدأ يحدث له، ببطء، لم يستطع أن يصفه بالكامل في البداية.
في الليالي التي يكون فيها القمر مكتملًا، كان يشعر بشيء يتحرك تحت جلده، إحساس خفيف بالحرارة يبدأ من صدره وينتشر ببطء نحو أطرافه، ليس مؤلمًا، لكنه غريب بما يكفي ليبقيه مستيقظًا. كان يفتح عينيه في الظلام، وأحيانًا كان يشعر أن الظلام نفسه يستجيب له بطريقة ما، كأن حوافه ترتجف بشكل غير محسوس.
في إحدى تلك الليالي، حين كان القمر بدرًا كاملًا، استيقظ سورين على شعور غريب بالثقل في صدره، كأن قلبه يدق بإيقاع لا يخصه، إيقاع أبطأ وأعمق، كأنه صدى لشيء أكبر بكثير من جسده الصغير. جلس في سريره، وحاول أن يتنفس ببطء كما علّمته أمه حين كان يخاف في صغره.
مرّ الشعور بعد دقائق، تاركًا وراءه فقط تعبًا خفيفًا وإحساسًا بالحيرة.
لم يجرؤ على إخبار أحد. لم يكن يعرف إن كان هذا جزءًا من "اللعنة" التي هرب منها الجميع، أو مجرد تخيلات طفل وحيد في مكان غريب. لكنه بدأ، بحذر شديد، يلاحظ النمط: الشعور يأتي فقط في ليالي القمر المكتمل، ويشتد قليلًا كل مرة، وكأن شيئًا بداخله يتعلم كيف يستيقظ.
كان هناك خادم أكبر سنًا في المعبد، فتى في الثانية عشرة تقريبًا، يُدعى تارين، أظهر لسورين قدرًا من الاهتمام لم يعتد عليه من أحد سوى أمه.
لم يكن تارين صديقًا بالمعنى الذي عرفه سورين في سيرافيل — فالصداقات هنا كانت شحيحة، مقيدة بجدول زمني صارم لا يترك مجالًا كبيرًا للعلاقات — لكنه كان يجلس أحيانًا بجانبه أثناء ساعات الخدمة، ويهمس له بمعلومات صغيرة عن نظام المعبد: أي الكهنة أكثر تشددًا، وأي الطقوس يجب الانتباه فيها أكثر من غيرها، وكيف يتجنب الأخطاء التي تجلب العقاب.
في إحدى المرات، بينما كانا يرتبان أدوات الطقوس في غرفة جانبية، همس تارين بشيء لم يكن سورين يتوقعه.
"هل سمعت عن حكاية العنقاء؟" سأل تارين، بصوت خافت جدًا، وهو ينظر نحو الباب للتأكد من عدم وجود أحد.
هزّ سورين رأسه نفيًا.
"الخدم الأكبر سنًا يتحدثون عنها أحيانًا, في الليالي التي يكون فيها القمر بدرًا," أكمل تارين. "يقولون إنها كيان قديم، أقدم من المعابد نفسها، وإنها مرتبطة بشيء يُسمى... خيطي اللهب." توقف للحظة، كأنه يتردد إن كان يجب أن يكمل. "لا أعرف تفاصيل أكثر من هذا. الكهنة الكبار يمنعون الحديث عنها علنًا. لكنني سمعت أحدهم يهمس أن العنقاء لا تظهر إلا حين يُظلَم شخص ما ظلمًا عظيمًا... وأنها حين تظهر، تحرق كل شيء لتعيد تشكيله من جديد."
شعر سورين بقشعريرة تسري في جسده، رغم أنه لم يفهم بعد سبب ذلك الشعور بالضبط. لم يربط، في تلك اللحظة، بين الحكاية وبين الشعور الغريب الذي يزوره في ليالي القمر المكتمل. كان الأمر لا يزال بعيدًا جدًا عن أن يتشكل في ذهنه كخيط واحد متصل.
لكنه حفظ الاسم.
خيطا اللهب.
كرره في ذهنه تلك الليلة، وهو مستلقٍ في الظلام، منتظرًا أن يعود ذلك الشعور الغريب في صدره، متسائلًا، دون أن يعرف بعد حجم السؤال الذي بدأ يطرحه على نفسه: هل كان ما يحدث له في تلك الليالي مجرد خوف طفل وحيد؟ أم كان شيئًا أكبر بكثير، ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليستيقظ بالكامل؟
💬 التعليقات