ابن العنقاء

الفصل 2

المهلة

1,381 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

إعلان

كانت الطرقات في سيرافيل تعرف خطاه.

لطالما مشى فيها منذ صغره، يعرف كل حجر بارز في الدرب الترابي، وكل انحناءة يتركها الحقل عند مروره جنوب البئر القديمة. لكن هذه الليلة، شعر أن الطريق نفسه قد تغيّر، وكأن القرية بأكملها أعادت ترتيب ملامحها لتصبح أطول، أضيق، أكثر صمتًا مما ينبغي لأي طريق أن يكون.

أمسك الوثيقة بيد، وثبّت الأخرى على صدره فوق موضع قلبه، كأنه يخشى أن ينفلت منه شيء لا يستطيع تسميته. لم يكن الجو باردًا، لكنه كان يرتجف. البيوت التي عادة ما تنبعث منها أصوات الأطفال الباكين أو ضحكات النساء عند العشاء، كانت هذه الليلة صامتة تمامًا، كأن أصحابها قد اختاروا جميعًا اللحظة ذاتها ليحبسوا أنفاسهم خلف الأبواب الموصدة.

لم يقابل أحدًا في الشارع الأول.

توقف عند زاوية بيت الحداد القديم، حيث كانت النار تشتعل عادة حتى ساعات متأخرة من الليل. كانت مطفأة الآن، والموقد بارد كأنه لم يُستخدم منذ أيام، لا منذ ساعات. نظر إلى السماء. القمر لا يزال هناك، معلّقًا فوق القرية بخيطه الأحمر الذي بدا وكأنه يتسع قليلًا كلما مرّ الوقت، أو ربما كانت عيناه هما اللتان بدأتا تخدعانه.

واصل السير.

في الشارع الثاني، رأى امرأة تقف عند نافذتها، لا تفعل شيئًا سوى النظر إليه. لم تُحيّه، ولم يُحيّها. كانت عيناها تحملان ذلك المزيج الغريب من الشفقة والحذر الذي بدأ يتعلمه أهل سيرافيل أن يوجهوه نحو كل من يحمل خبرًا كهذا. سحبت الستارة ببطء بعد لحظة، وكأنها أرادت ألا تُرى وهي تشهد ما يحدث.

شعر بثقل الوثيقة في يده يتضاعف مع كل خطوة.

كان سجل القرية يقع في الطرف البعيد من سيرافيل، بجانب المعبد الصغير المخصص لطقوس التسجيل والتسمية. لم يكن مبنى كبيرًا، لكنه كان يحمل هيبة غريبة، ربما لأن كل من يدخله يخرج وقد تقرر شيء من مصيره بين جدرانه: اسم يُكتب، أو اسم يُرفض.

توقف عند مفترق الطريق المؤدي إليه، والتقط أنفاسه.

لاحظ حينها أن الهواء نفسه قد تغيّر. لم يكن هناك ريح، لكن شيئًا كان يتحرك حوله، كأن نسيجًا خفيفًا من الصمت يلتف حول كاحليه ويصعد ببطء. حاول أن يقنع نفسه أن الأمر مجرد تعب، أو خوف، أو أثر ليلة طويلة لم ينم فيها. لكن جسده كان يعرف أفضل من عقله أن شيئًا هنا ليس طبيعيًا.

نظر إلى يده التي تحمل الوثيقة.

كانت ترتجف، لكنه لم يشعر بالبرد.

خطا خطوتين إضافيتين، ثم توقف مجددًا. شعر فجأة أن صوت قلبه يعلو في أذنيه أكثر من أي صوت آخر حوله، وأن الطريق أمامه، رغم قصره، بدا وكأنه يمتد إلى ما لا نهاية. حاول أن يتذكر كم من الوقت انقضى منذ أن غادر البيت. ساعة؟ ساعتان؟ لم يكن قد أحضر معه ساعة رملية، وكان قد اعتمد على حساب داخلي بسيط: الشمس تغرب، والقمر يعلو، وله ست ساعات كاملة قبل أن يُغلق السجل أبوابه لهذه الليلة.

لكن الوقت هنا لم يعد يتبع القواعد التي يعرفها.

لم يرَ أحد ما حدث بعد ذلك.

لم تكن هناك صرخة، ولم يكن هناك صراع. القرية التي كانت شبه خالية من المارة تلك الليلة، ظلت خالية. الأبواب التي أُغلقت خوفًا من نظرة القمر، بقيت مغلقة. وحين انقضت الساعات الست أخيرًا، ولم يظهر الرجل عند سجل القرية، ولم يعثر عليه أحد في الطريق الذي كان من المفترض أن يسلكه، لم يكن هناك من يشهد سوى الصمت نفسه.

اختفى دون أثر.

لا وثيقة ممزقة على الأرض، ولا خطى مقطوعة في التراب، ولا حتى ذلك الشعور الغريب بالنسيج الخفي الذي لامس كاحليه قبل أن يبتلعه شيء لا اسم له بعد.

عند بزوغ الفجر، حين خفت أخيرًا خيط القمر الأحمر وعاد إلى فضته المعتادة، بدأت القرية تتحدث. لم يكن أحد قد رأى شيئًا بعينه، لكن الجميع كان يعرف — بتلك المعرفة الصامتة التي تسري في سيرافيل أسرع من أي خبر مؤكد — أن الساعات الست قد انقضت، وأن الاسم لم يُكتب.

وفي البيت الصغير عند سفح التل، كانت نايرة لا تزال تحتضن ابنها، دون أن تعرف بعد أن الرجل الذي خرج ليحمي مستقبله، لن يعود.

في الصباح التالي، جاء رجال المعبد إلى بيت نايرة.

لم يطرقوا الباب بعنف، بل بذلك النوع من الطرق الهادئ الذي يحمل في طياته سلطة لا تحتاج إلى رفع الصوت. فتحت نايرة الباب رغم ان لم تمر اربع وعشرون ساعة على ولادتها وهي تحمل ابنها بين ذراعيها، ملفوفًا بقطعة القماش البيضاء ذاتها، ووجهها لا يزال يحمل أثر ليلة لم تنم فيها لحظة واحدة.

كان أحدهم يحمل سجلًا جلديًا قديمًا، وفتحه أمامها دون أن يدخل البيت.

"الاسم غير مسجَّل," قال بصوت لا يحمل عداوة، لكنه لا يحمل رحمة أيضًا. كان صوت رجل يقرأ قانونًا لا يخصه، بل يخص القرية بأكملها منذ أجيال. "انقضت الساعات الست عند الفجر، ولم يصل أحد بالوثيقة."

لم تقل نايرة شيئًا. ضمّت الطفل أقرب إلى صدرها.

إعلان

"وفقًا للعُرف," أكمل الرجل، وهو يقرأ من السجل كأن الكلمات ليست له بل لشيء أقدم منه بكثير، "يُمنح الطفل غير المسجَّل مهلة خمس سنوات يبقى خلالها في كنف أهله. فإن انقضت هذه السنوات دون تعديل، يُسلَّم إلى معابد تاليسار، ليكون في خدمة الآلهة."

خمس سنوات.

كانت الكلمات تسقط على نايرة كحجارة باردة، لكنها لم تتزحزح. رفعت رأسها ونظرت إلى الرجل مباشرة، وهو أمر نادرًا ما تجرؤ عليه امرأة في سيرافيل أمام رجال المعبد.

"وأين زوجي؟" سألت. "من يوقّع الاعتراض يحتاج إلى الأب أيضًا، أليس كذلك؟"

توقف الرجل قليلًا، وتبادل نظرة سريعة مع رفيقه. كان من الواضح أن خبر الاختفاء قد وصل إليهم بالفعل، لكن أحدًا لم يكن قد صاغه بعد في كلمات رسمية.

"سيُدرج اسمه في السجل كمفقود," قال أخيرًا، بحذر أكبر هذه المرة. "حتى يُعرف مصيره."

أومأت نايرة برأسها ببطء. لم تبكِ أمامهم. لن تمنحهم ذلك.

أغلقت الباب بعد رحيلهم، واستندت إليه للحظة، تاركة نفسها أخيرًا تتنفس بصعوبة أكبر مما سمحت لنفسها به أمام رجال المعبد. نظرت إلى الطفل النائم بين ذراعيها، ثم إلى الرف الصغير عند الجدار المقابل، حيث كانت توضع الأشياء القليلة التي يملكها البيت: إبريق فخاري قديم، وقطعة قماش مطرزة، وصورة صغيرة رسمها أحد الفنانين المتجولين قبل سنوات — صورة الأب، بابتسامته الهادئة المعتادة وعينيه الداكنتين.

أخذت الصورة، ونظرت إليها طويلًا.

كانت تعرف ما يُقال في القرية عن الرجال الذين "يختفون" في ليالٍ كهذه. كانت تعرف الهمسات التي بدأت تتردد بالفعل: أنه رفض التسجيل عمدًا، أنه فرّ خوفًا من العار، أنه تخلى عن ابنه لأنه لم يستطع تحمّل وزن اللعنة. لم تصدق أيًا من ذلك، لكنها كانت تعرف أيضًا أن عدم التصديق لا يوقف الألسنة.

في اليوم التالي، حين خرجت إلى السوق لأول مرة منذ الولادة، حملت الصورة معها، مثبتة إياها على صدرها بدبوس نحاسي صغير، ليراها الجميع.

لم تكن تلك عادة معروفة في سيرافيل. لم يكن أحد يحمل صور غائبيه علنًا؛ فالحداد هناك كان أمرًا خاصًا، يُمارَس خلف الأبواب المغلقة. لكن نايرة مشت بين النساء والرجال، والصورة على صدرها، وعيناها تتحديان كل من يحاول أن يهمس بأن زوجها هرب.

توقفت إحدى النساء عندها، ونظرت إلى الصورة، ثم إلى نايرة.

"لم يهرب," قالت نايرة قبل أن تُسأل. "ذهب ليسجّل ابنه. ولن أسمح لأحد أن يقول غير ذلك."

لم ترد المرأة. أشاحت بنظرها بعيدًا، وابتعدت بخطى سريعة، كأن كلمات نايرة كانت أثقل مما تستطيع حمله في صدرها.

مرّت الأسابيع الأولى بثقلها المعتاد؛ ثقل الفقد الذي لا يملك جنازة يواريه، ولا قبرًا يُزار. لكن شيئًا آخر بدأ يتسلل إلى حياة نايرة ببطء، شيء لم تكن قد انتبهت إليه في الليلة الأولى وسط هول ما حدث: الطريقة التي بدأ بها الناس ينظرون إلى ابنها.

لم يكن خوفًا صريحًا في البداية. كان أقرب إلى تجنّب: امرأة تُغيّر مسارها لتفادي المرور أمام بيتها، طفل يُسحب بيد أمه بعيدًا حين يرى نايرة تحمل وليدها في الساحة، همسة تتوقف فجأة حين تقترب.

لكن في أحد الأيام، حين كان الطفل في شهره الثالث، حدث ما جعل الأمر واضحًا لا لبس فيه.

كانت نايرة قد جلست عند حافة البئر، تُرضع ابنها في الظل، حين اقتربت منها امرأة عجوز، من أولئك اللواتي يُصغى إلى كلامهن في القرية أكثر من غيرهن. وقفت العجوز على مسافة، ونظرت إلى الطفل مباشرة.

انفتحت عينا الرضيع في تلك اللحظة، كأنه شعر بالنظرة قبل أن تصل إليه.

الرمادي. الخيوط الحمراء الرفيعة التي تتحرك في عمقهما كأنها حية.

ارتجفت العجوز، ورسمت على صدرها إشارة الحماية القديمة بسرعة، ثم استدارت وابتعدت دون أن تنطق كلمة واحدة. لكن نايرة رأت في عينيها ما لم يقله لسانها: خوفًا حقيقيًا، غير مصطنع، غير مبالغ فيه. خوفًا من طفل لا يتجاوز عمره ثلاثة أشهر.

ضمّت نايرة ابنها أقرب إلى صدرها، ونظرت حولها. لاحظت للمرة الأولى كم من العيون كانت تراقبها من بعيد، خلف النوافذ، من وراء زوايا البيوت، عيون لا تجرؤ على الاقتراب لكنها لا تستطيع أيضًا أن تنظر بعيدًا تمامًا.

فهمت حينها أن الخمس سنوات القادمة لن تكون مجرد عدّ تنازلي لموعد قانوني.

ستكون معركة صامتة، يخوضها طفل لا يعرف بعد أنه يخوضها، وأم لن تتوقف عن حمل صورة رجل غائب على صدرها، أملًا في أن يعود يومًا ليرى أن الاسم الذي لم يُكتب في السجل، كُتب على الأقل في قلبها.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق