ابن العنقاء

الفصل 1

القمر الذي لا ينام

860 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

إعلان

قبل غروب الشمس ظهر القمر

لم يكن القمر في تلك الليلة كما عهدته سيرافيل منذ تسعين عامًا.

بدأ الأمر بخيطٍ رفيع من الحمرة يتسلل إلى حافته الفضية، كأن يدًا خفية تغمس طرف القمر في دمٍ قديم، ثم تتركه ليجف ببطء أمام أعين القرية بأكملها. لم يكن كسوفًا، ولم يكن أحد قد رآه من قبل بعينيه، لكن الجميع كان يعرف اسمه منذ الطفولة: القمر القرمزي. الظاهرة التي لا تُحسب بالفصول، بل بالأجيال؛ ثلاثة أجيال، تسعون عامًا، ثم يعود ليذكّر الجواهر الثلاث أن ثمة ميزانًا لا ينام.

في البيوت الطينية المتراصة على منحدر التل، أطفأت النساء المصابيح واحدًا تلو الآخر، لا خوفًا من الظلام، بل خوفًا من أن يرى القمر وجوههن. كان هذا ما تقوله الجدات: "لا تنظري إليه مباشرة في ليلة الاحتشاد، فقد يظن أنك تسأليه شيئًا." وسورين — لا، لم يكن اسمه بعد. لم يكن بعد سوى حركة عنيفة في بطن امرأة تتشبث بحافة سريرها في أحد تلك البيوت، بينما يتصبب العرق من جبينها كأنها تُقاوم شيئًا أكبر من الألم وحده.

كانت تُدعى نايرة.

جلست القابلة العجوز بجانبها، تمسك بيدها بقوة أكثر مما يقتضيه الأمر، وعيناها تتقافزان بين وجه نايرة والنافذة الصغيرة التي تسرّب منها ضوء القمر الملطخ بالأحمر. لم تكن تلك القابلة امرأة تخاف بسهولة؛ فقد أدخلت إلى هذا العالم أطفالًا لا يُحصى عددهم. لكنها هذه الليلة، شعرت أن يديها تعرقان، وأن قلبها يدق بإيقاع لا يشبه إيقاع التوليد المعتاد.

"تنفسي," قالت بصوت أراده هادئًا فخرج مشروخًا قليلًا. "تنفسي معي."

لم تجب نايرة. كانت عيناها مثبتتين على السقف الخشبي، وشفتاها تتحركان بصمت، لا صراخًا بل تعويذة قديمة تتمتم بها كل أم في سيرافيل حين يقترب المخاض من ذروته. كانت تدعو ألا يكون الأمر ما تخشاه. كانت تدعو أن يكون طفلها كسائر الأطفال.

خارج البيت، بدأت الرياح تتغير. لم تكن عاصفة، بل شيئًا أهدأ وأكثر غرابة: سكون مفاجئ، كأن القرية بأكملها حبست أنفاسها في اللحظة ذاتها. توقف نباح الكلاب. توقف صرير الأبواب الخشبية التي عادة ما تئن مع كل نسمة. حتى النار في المواقد بدت وكأنها تتلعثم، ترتجف دون أن تنطفئ.

ثم جاء الصراخ.

لم يكن صراخ الأم وحدها، بل صراخ الوليد الذي شق الصمت كأنه يعلن حضوره للعالم بأكمله، لا لأمه فقط. أمسكته القابلة بين يديها المرتجفتين، ونظرت إليه لثانية طويلة قبل أن تلتفت نحو الأم.

كانت العينان مفتوحتين.

هذا وحده لم يكن غريبًا؛ فبعض الأطفال يولدون بعيونهم مفتوحة. الغريب كان لونهما: رمادي فاتح، كرماد بارد بعد حريق قديم، وفي عمق ذلك الرماد، خيوطٌ رفيعة من الحمرة تتحرك كأنها حية، كأنها امتداد صغير لذلك القمر المعلق في الخارج.

ارتجفت يد القابلة. لم تُسقط الطفل، لكن أصابعها تصلبت للحظة كأنها تتردد بين الاحتفاظ به وإبعاده عنها. ثم تذكرت واجبها، فلفّته بقطعة قماش بيضاء ووضعته على صدر أمه.

"إنه..." بدأت القابلة، ثم صمتت.

نظرت نايرة إلى وجه ابنها للمرة الأولى، وشيء في صدرها انكسر وامتلأ في اللحظة ذاتها. لم تر اللعنة التي تحدث عنها الجميع. رأت طفلًا. رأت بشرة بيضاء ناعمة، وخصلة شعر شقراء داكنة ستبدو عادية تمامًا تحت أي ضوء عدا ضوء الشمس، ورأت — رغم كل شيء — عينين تنظران إليها بهدوء غريب لا يليق بمخلوق وُلد للتو.

إعلان

"سورين," همست، دون أن تعرف من أين جاء الاسم، وكأنه كان ينتظرها منذ زمن طويل لتقوله.

انتشر الخبر في القرية أسرع من الريح نفسها.

لم يكن أحد قد أعلن شيئًا رسميًا، لكن نساء سيرافيل يعرفن كيف يتناقلن الحقيقة دون كلمات: نظرة مطولة عند باب أحد البيوت، توقف مفاجئ عن الحديث حين تمر إحداهن بجانب الأخرى، إشارة خفية بالعين نحو السماء حيث لا يزال القمر يحتفظ بخيوطه الحمراء.

"وُلد الليلة," قالت امرأة عجوز لجارتها وهما تقفان عند البئر، صوتها أخفض من همسة. "في ليلة الاحتشاد نفسها؟" "في ليلة الاحتشاد نفسها."

صمتت الجارة طويلًا، ثم رسمت على صدرها إشارة قديمة يتوارثها أهل الجواهر الثلاث، إشارة يُقال إنها تصد نظر الآلهة إن كانت غاضبة. "الآلهة لا تمنح اللعنة عبثًا," قالت أخيرًا. "لا بد أن ثمة خللًا يريدون كشفه."

لم تكن هذه كلمات قسوة بقدر ما كانت كلمات خوف. فأهل سيرافيل، رغم تشددهم الديني وإيمانهم العميق بالتوازن، لم يكونوا قساة بطبعهم؛ كانوا فقط يعرفون التاريخ. كانوا يعرفون أن اللعنة لم تظهر إلا مرة واحدة منذ أن بدأ العد، وأن عاقبتها كانت وخيمة إلى درجة أن الكهنة أنفسهم امتنعوا عن ذكر تفاصيلها بصوت مرتفع، مكتفين بلفظ الاسم القديم همسًا بين الجدران: فارثمرا. عين الميزان المحترقة.

في بيت آخر من بيوت سيرافيل، جلس رجل يُدعى آرين لم يكن اسمه سيُذكر كثيرًا فيما بعد، لكنه كان وقتها مجرد أب جديد يمسك بورقة رقيقة بين يدين ترتجفان قليلًا، لا من البرد، بل من ثقل ما يحمله. كان قد سمع الخبر منذ ساعة، وكان يعرف — كما يعرف كل رجل في سيرافيل — أن القانون لا يرحم ولا ينتظر.

كانت الوثيقة تحمل عنوانًا واحدًا مطبوعًا بحبر داكن: سجل المواليد — قرية سيرافيل.

وتحت العنوان، جملة واحدة يعرفها كل أب وأم في القرية عن ظهر قلب، جملة تُقال للأطفال قبل أن يفهموا معناها الحقيقي:

"لكل مولودٍ جديد، مهلة ست ساعات لتسجيله في سجل القرية. فإن انقضت الساعات الست دون تسجيل، تبقى المهلة الأخيرة خمس سنوات، بعدها يُسلَّم غير المسجَّل إلى معابد تاليسار، ليكون في خدمة الآلهة إلى الأبد."

نظر الرجل إلى الورقة، ثم إلى النافذة حيث لا يزال القمر يرقب القرية بخيطه الأحمر الرفيع، وكأنه ينتظر ليرى ماذا سيفعل.

ست ساعات.

كانت هذه كل ما تبقى قبل أن يتقرر مصير ابنه إلى الأبد.

طوى الورقة بحذر، وارتدى معطفه، وخرج إلى الليل الذي لم يعد يشبه أي ليلة عرفتها سيرافيل من قبل.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق