الفصل 3

الحلقة الثالثة

3,188 كلمة · 16 دقيقة للقراءة

إعلان

( ساعات من العشق وسنوات من الجنون )

..

::><>< الحلقة رقم 3-- EPS NO. 3 ::><>< ::

\/\/\/\/\/ ------ \/\/\/\/\/

.

في اليوم التالي اتصل بها صباحاً بعدما تأخرت عن موعدها، فأخبرته بأن ينتظرها نصف ساعة إضافية. وحين قدمت ركبت معه وانطلقا، فقالت بعد أن التفت إليه وهو يقود:

.

- ( اسمع، وركز في كلامي جيداً.. ) بدأت تتحدث وهي ترتجف: ( لقد تأخرت عليك صباحاً لأني ذهبت لمحلات الصاغة وباعة الذهب بمنطقة الساحة، وقد قُمتُ ببيع كل ما أمتلك من ذهب، وجمعت كل ما أملك من نقود، وهذا ما تحصل لدي ألف ومئتي دينار أردني!)

- فأبطئ من سرعته ونظر إليها بينما ما زال يقود: ( ما الذي يخطر في بالك؟)

- ( اسمع، أنا فهمت منهم بأنهم سيكتبون كتابي على ابن عمي بعد ثلاثة أسابيع وسأحاول تأجيل الأمر لأكبر وقت ممكن، وستكون هذه فترة مناسبة حتى نُجهز أوراقنا ونُسافر أنا وأنت إلى مصر. معنا مبلغ جيد، ويُمكنك بيع عربتك، وهناك نستطيع عمل أي مشروع بالنقود التي نمتلكها.. )

- فأوقف عربته، نظر إليها وقال: ( سأشتري سجائر وآتي! )

- وصل إليها والسيجارة مُشتعلة، دخل عربته، شغل المحرك، وبدأ بالسير، لم ينطق بعد، فقالت وهي ترتعش خوفاً وتوتراً: ( ما بك؟ قلت لك سابقاً لن أعيش إلا معك، إن قفزت سأقفز خلفك! )

- فرد سريعاً: ( ريڨان أرجوك كفى! نحن لسنا على سفينة التايتانيك، ما تقولينه ليس إلا ضرب من الجنون! )

- وبدهشة بالغة: ( ضرب من الجنون أن لا نفترق ونبقى سوياً إلى الأبد؟! )

- ( نعم، هذا جنون! )

- فنظرت إليه بحرقة بالغة، وقالت: ( أنت لا تُريدني! )

- وسريعاً: ( لا أريد غيرك أقسم لك! )

- ( إذن ماذا؟ هذا أفضل حل! )

- ( هذا ليس بحل، لن أفعل ذلك! )

- مع احمرار العينين، وتشبعها بالدموع الذي نزل الكثير منها على الخدين، تتنفس تنهيداً فيعلو صدرها وينخفض، وصوت أنفاسها توحي بأنها تتمزق، قالت: ( أنت لا تعرف معنى أن يُحبك شخص مُتعب حد الموت، أنا يا حسن في بيت أهلي لا أجدني، أتقطع لأجلك، أنا داخلي يتموت كل لحظة.. ) ثم زاد التنهيد وهرع البُكاء بلا توقف. ولم تكن لديه ردة فعل سوى الصمت بغضب!

فصاحت به وثارت ثائرتها، وسَـبَّـته مجدداً، وقد تقطعت حبالها الصوتية واحمر وجهها، وانقطعت أنفاسها، وبدأت تضرب مقدمة العربة وتصرخ بشكلٍ هستيري، فأوقف العربة وخشي أن يُصيبها مكروه أو أن تقع مغشياً عليها، فأمسكها قائلاً: ( سأفعل كل ما تُريدين، كفي عن ذلك، سنسافر مصر وسنعيش سوياً، أرجوك اهدأي.)

- فخرجت الكلمات متقطعة: ( أنت تكذب، لن تفعل شيئاً، أرجوك يا حسن أنا سأموت من دونك! )

- ( أقسم لك سأفعل كل ما تطلبين، وسنبقى سوياً للأبد! اهدأي أتوسل إليك، كل شيء سيجري كما تُريدين.)

• وقف جاك بجانب هوكلي وروز بينهما، فقال لها جاك: ( اركبي في قارب الانقاذ يا روز! ) فقالت في توتر وخوف وقلق: ( لن أركب من دونك! ) فقال: ( لا يركب إلا النساء الآن، أرجوكِ اركبي وسأركب في القارب التالي وألحق بكِ. ) فقالت: ( أبداً لن أركب! ) فتقدم هوكلي وقال في توتر وخبث حاول جاهداً أن يُخفيه: ( لقد اتفقت مع أحد الضباط بأن يحجز لي قارباً، اركبي الآن في هذا، وسآخذ جاك معي في ذلك القارب. ) فقال جاك سريعاً: ( أرأيتِ، سألحق بكِ. )

ركبت روز ويدها مُتمسكة بجاك لآخر لحظة حتى قال الضابط أنزلوا القوارب فانفكت الأيدي، ونزل قاربها وما زالت تنظر لجاك من الأسفل وهو وهوكلي يُبصرانها من الأعلى، فقال جاك لهوكلي دون أن ينظر إليه: ( لم تتفق على أي قارب مع أي ضابط أليس كذلك؟ ) فرد عليه دون أن يُلقي عليه بصره أيضاً: ( لا بل يوجد اتفاق، لكنك لن تستفيد منه! ) فنظر إليه جاك بقهر بالغ، ثم نظر الاثنان ببعضهما البعض، فأكمل هوكلي: ( أنا أفوز دائماً يا جاك، بطريقةٍ أو بأخرى! ) فعادت أنظار جاك تُشاهد هبوط قارب روز وقد أصاب أحداقه ألماً بالغاً حتى اغرورقت عيناه، وبرغم بعد مسافة روز عنه في هبوطها كانت تنظر إليه بإمعان وكأنها شعرت بحزن قاتل في وجهه، لقد بلع ريقه، وأمسك دمعاته من الانفلات فلمعت عيناه، وتغيرت تقاطيع وجهه وهي تُبصر ذلك كله، شعرت بأن جاك لفظَ أنفاسه الأخيرة نحو عينيها، شعرت بأنها ستموت حالياً، مجرد أحزان وجهه البادية عليه وبجانبه ذلك المسخ هوكلي جعلتها تنتحر داخلياً، ورغم الأهوال الدائرة حولها وكأنها القيامة نزلت على هذه البقعة من الكوكب، إلا أن مشهد عيني جاك كان يحمل أهوالاً أعظم، وأكثر ألماً، وبينما هي في هبوطها شعرت بأن السماء تنهار على أرضها فوق رأسها، ومن دون وعي، قفزت من القارب إلى السفينة مُجدداً، فمد جاك يده وجسده للأسفل وصاح بصوت خارق: ( روز, يا مجنونة! ) فانطلق من مكانه إلى الأسفل باحثاً عنها. بينما يركض نازلاً في الطوابق السفلية، وهي تصعد بكل عزمها باحثةً عنه، يتخطى الناس الهائجين من هول ما يحدث، ويدفعهم عن طريقه وكأنه ينتزعهم من جذورهم كي تصفى له الرؤية من أمامه، حتى التقى بها أخيراً! وفي أحضانٍ مهيبة هزت عرش السفينة بأكملها التحم الطرفان، دار بها وهي في أحضانه وقد أغرقها بقبلاته ودموعه وأغرقته هي بعويلها وبُكاءها الساحق، وقال لها في لهفة وشوق وحزن وصياح وبكاء حارق وصوت شققته بحة النحيب الجارف: ( أنتِ مجنونة يا روز! لماذا خرجتِ من القارب، لماذا قفزتِ يا حمقاء؟ ) فقالت وهي تنتحب: ( حين تقفزين سأقفز! هذا كلامك يا جاك، كلامك يا جاك! )

.

كتبت له وهي أمام المغسلة:

.

- هي: ( أنت لا تعرف ما حصل لي من بعدك – وأرسلت - ) ثم تابعت: ( لكن قلي أين اختفيت؟ لقد وعدتني في عربتك بأنك ستفعل ما طلبته منك، رغم أني وقتها لم أصدقك. )

- بكى حسن، وكتب: ( أنا حين رأيتك تتصرفين بجنون، قررتُ أن أبتعد ويترك كل منا الآخر، فغيرت رقمي، وعقدتُ العزم على أن لا أقود عند الجامعات ولا في منطقة سكنك كي لا أراكِ ولو صدفة.)

- هي: ( لقد اتصلت عليك كثيراً، وسألت عنك السائقين الذين يعملون عند الجامعات، لم يدللنِ عليك أحد، ثم ذهبتُ لمنطقة سكنك كما وصفتها لي في إحدى المرات، وقالوا لي بأنك تركت البلاد!)

- انتحب حسن الآن وكتب وأصابعه تكاد تُشل: ( رأيتُك حين أتيتِ منطقتنا يا حبيبتي، وقلتُ لأحدهم بأن يُخبرك بأنني هاجرت! )

- هي: ( أهكذا فعلتَ حقاً! سُحقاً لك! )

أرادت أن تكتب أيضاً، ففوجئت بزوجها عارف يقف أمامها، فارتجفت وسقط الهاتفُ من يدها، فأراد أن ينحني ليلتقطه لها فسبقته، فقال: ( لقد تأخرتِ، هل حصل مكروه! ) فقالت في لعثمة: ( أنا أتأسف بشدة، كنتُ أتكلم مع أختي ونسيتُ نفسي! )

.

فمد يده وقبضَ على يدها المُمسكة بالهاتف، فارتعشت مرة أخرى، ضغط على كفها وجذبها وقال: ( هيا معي! ) وسار بها نحو الصالة لكنه لم يتوقف، ظل مُستمراً حتى غرفة النوم، كان جاك حينها قد تعلق مع روز أعلى مقدمة السفينة ينتظران انغماسها الأخير في المياه. ظلت ريڨان مُتمسكةً بهاتفها ويده فوق يدها، وحين تخطى الصالة توقفت، قائلةً: ( إلى أين؟ ) فنظر إليها في غضب قائلاً: ( ريڨان ألم نُنهِ الخلاف صباحاً؟ هيا نذهب للنوم! ) فابتسمت وجذبت يدها منه بخفة، واحتضنته قائلةً: ( لم يبقَ سوى القليل من الفيلم إنها اللحظات الأخيرة، أرجوك! )

.

- فرد عليها بعُنف وغضب: ( ولا دقيقة واحدة، لن أكمل هذا الفلم القذر! )

فوصلت رسالة لهاتفها من اشعارات الواتس فأنارت الشاشة، فوقعت عيناه على إضاءة الرسالة، وعيناها أيضاً لاحظته ولاحظتها، وقبل أن يتفوه بكلمة أو يُفكر بأية فكرة، رمت هاتفها على الكنبة، وأخذت يده واتجهت به إلى الغرفة، وقالت بينما تُحاول كتم أنفاس دموعها وألمها وإبداء السعادة والسرور: ( علمتُ أني لن أنجو منك الليلة، فليذهب الفلم إلى الجحيم يا حبيبي! ) وصلت الغرفة، وقفت مقابلةً له، فردت يديها كجناح طائرٍ على الجهتين قائلةً: ( ها أنا ذا أمامك! ) لم ينتظر حتى يكتمل هذا المشهد الذي يحوي في أعماقه تراجيديا مُبللة بالبُكاء المكتوم، لم ينتظر حتى يتمنع قليلاً وهو يرى الأسى تشبع في تقاطيع وجهها المُحطم، إنما انقض عليها يعتصرها من جميع أنحاء بدنها وهي تكز باشمئزاز على عينيها وفمها فترتسمُ على وجهها إثر ذلك تجاعيدٌ نقية كثيرة، ثم قام بطرحها على السرير بقوة. وبينما شرع في خلع كامل ملابسه على عجل كان ينظر إليها نظرة عربيدٍ لعاهرته!

كان المشهد أشبه بالاغتصاب والتعدي دون أدنى مقاومة منها!

.

انتهى الأمر أخيراً، فالتفَ بجسده العاري ماداً يده على الدُرج القريب من رأسه، فتحه، التقط علبة سجائره، عاد مُلقى على ظهره، أشعل سيجارته وارتخى، بدا عليه التعب والنعاس، لم ينطق الاثنان أية كلمة، أما هي فقد أنزلت قدميها على الأرضية، تحركت واقفةً وكأنها تترنح، ارتدت بعض ثيابها دون أن تُبصره، خرجت، اتجهت إلى الصالة، أخذت هاتفها، مسحت بقايا من شعرها العالق بوجهها الذي نشف عرقه، جلست، فوجدت الرسائل التالية:

.

- هو:( أنا آسف سامحيني؟ )

- هو:( لم أقصد إلا راحتك لأني كنت على يقين في حينها بأني لن أتمكن من الارتباط بك نهائياً! )

- هو:( يبدو أنك لن تُسامحيني! )

- هو:( أين أنتِ؟ )

- هو:( أرجوكِ تكلمي! )

- هو:( أين ذهبتِ؟ )

.

فكتبت له:

.

- هي: ( أما زلت موجوداً؟ )

- بعد دقيقة أجابها: ( بكل تأكيد. )

- هي: ( انتظرني، سأغيب نصف ساعة وأعود. )

- هو سريعاً: ( في انتظارك يا أغلى ما في الوجود! )

حملت هاتفها واتجهت ناحية الحمام، أخذت دشاً ساخناً، خرجت، ذهبت لغرفة نومها، دخلتها ببطئ وحذر، شاهدته نائماً، بدلت ثيابها، مشطت شعرها، وضعت بعض المكياج الخفيف، نفثت على عُنقها بعضاً من عطرها الخاص. اتجهت ناحية المطبخ، كانت تشعر ببعض الجوع، قامت بعمل ساندوتش من الجبنة الصفراء، صنعت كوباً ضخماً من الكابتشينو، اتجهت للشُرفة، أغلقت إضاءتها، العتمة الغامقة تغزو الأجواء، سحبت أنفاساً عميقة، حبستها لبرهة ثم أخرجتها، سحبت نفساً آخر وكأنها استنشقت عتمة المكان داخل أحشاءها فبدا النور يسطع في الأرجاء، نسمات من الهواء قليل البرودة تخللت المشهد، نزت بعض قطرات الماء من شعرها المُبتل وتزلجت على رقبتها من الخلف، فارتعشت رعشة خفيفة من أعلى أكتافها، وعادت العتمة تُسيطر على حيز الرؤية، فأخذت رشفة من كوب الكابتشينو فانزلقت سخونةٌ حلوة المذاق مطعمة بالقليل من طعم مرار القهوة في جوفها، فانتعشت، وكأنَّها اغتسلت من آثام جريمةٍ ما! تركت الشُرفة، اتجهت ناحية الصالة، جلست على مقاعد كنبها، داست على أيقونة التشغيل فاشتغل الفلم مُجدداً، عينٌ على باقي أحداثه وعينٌ أخرى تسلطت على شاشة هاتفها المحمول بيمينها.

• تعلق جاك مع روز على مقدمة السفينة عند قضبانها الحديدية في ذلك المكان الذي التقته به أول مرة حين كانت تنوي الانتحار. بينما شرعت السفينة في الترنح والتأرجح بعدما بدأ يتشقق بدن هيكلها من المنتصف، فقال لها وهو يرتجف برودةً وخوفاً: ( تمسكي جيداً! ) بدأ النصف الثاني من السفينة بالصعود عالياً، ثم ما لبث أن شرع بالانغماس غرقاً للأسفل، فقال جاك: ( انتهى الأمر، سنغرق! اسمعيني جيداً، اسحبي نفساً عميقاً حين أقول لكِ، حركي قدميكِ ركلاً كثيراً، لا تفلتي يدي أبداً! ) ثم نظر في عينيها وحدق بعمق قائلاً: ( روز ثقي بي! ) فأجابت وهي ترتجف: ( أثق بك جاك. ) وقد تسارعت أنفاسها، وخصلات شعرها تجمدت أطرافها، وبجانبها رجل بدين تعلق معهما في الأعلى، نظرت إليه وهي ترتعش، نظر إليها وقد غطت العتمة ملامحه إلا من شاربه الكثيف، سحب من جيبه الأمامي قارورة مربعة من الويسكي الأحمر، رفع فمه للأعلى ووضع فوهتها عليه، فاندلقت تلك الكحول في أمعاءه لعله يُقنع نفسه بأنه في كابوس قميء.

.

- كتبت له: ( موجود؟ )

- هو: ( في انتظارك يا حياتي كلها. )

- هي: ( حياتك بالفعل؟ )

- هو: ( هل لديك أدنى شك؟ )

- هي: ( شكوك كثيرة! )

- هو: ( أقسم أني اشتقت إليك شوقاً بحجم هذا الكوكب! )

- بعد صمت بين الطرفين، أرسلت هي: ( لماذا تخليت عني؟ )

- هو: ( لم يحصل أن تخليت عنك بإرادتي! )

- هي: ( لقد قاومتهم كثيراً، لقد فعلتُ المستحيل.. حتى في المحكمة حين كان كل شيء مُعد مُسبقاً، حين سألني القاضي ذلك السؤال الروتيني هل تقبلين بالزواج منه قلت: لا.. لا أقبل! فتوقف الزواج وخرجنا من المحكمة.. وبعد تكسير عظامي من الضرب المبرح أخذوا هاتفي، وحجزني والدي في غرفة، ومنعني الخروج منها نهائياً، وبعد أسبوع لم أستطع تحمل هذه المعيشة، فقبلت بكل ما يُريدون.)

- سقطت دمعاته مجدداً وكتب وهو في أشد الحُزن: ( أنا آسف، سامحيني أرجوكِ، كان يجب أن لا أتركك وأبتعد! )

- كتبت باكيةً: ( لقد كنت في أمس الحاجة إليك. )

- هو: ( ها أنا ذا، أنا ملك يديكِ.. لن أتركك مجدداً. )

- بعد صمتٍ طويل، كتبت: ( لم أنسك لحظة، لم تغب عن بالي يوماً واحداً. )

- هو: ( يا حياتي! أنا أبكي أقسم لك، أما زالت مكانتي في قلبك كما هي؟ أما زلتِ تحبيني؟ )

إعلان

- هي: ( أنت ما رأيك؟ )

- هو: ( أريد أن أسمعها منكِ! )

- بعد توقف لبرهة عن الإرسال، كتبت: ( لماذا عُدت؟ )

- هو: ( لم تغيبي عني حتى أعود، كنتِ طوال الوقت في بالي، أعرف كل أخبارك عن مبعدة! )

- هي: ( تعرف أخباري؟ أنت تكذب! )

- هو: ( أقسم لك!)

- بعد صمتٍ مر لدقيقتين بينهما، هي: ( هل تزوجت؟ )

- هو: ( نعم! )

- هي: ( مَن؟ ومتى؟ )

- هو: ( من ثمان سنوات! )

- هي: ( مَن؟ )

- هو: ( لا تعرفينها! )

- هي: ( مَن؟ )

- هو: ( مثل زوجك.. ابنة عمي.)

- هي: ( هل لديك أبناء؟ )

- هو: ( نعم. خمسة أولاد وبنت. )

- هي: ( أنجبت ستة أطفال في ثمان سنوات؟ وهل كان لديك وقت للتفكير بي؟ )

- هو: ( هههههههه بالطبع! )

- هي: ( هل هي جميلة؟ )

- هو: ( مَن؟ )

- هي: ( زوجتك.)

- هو: ( ما لكِ ولها! )

.

فسَمِعَت صوتاً وجلبةً في الأرجاء، فارتعدت وكتبت: ( لحظة! ) وإذا بصيحة قوية!

أوقفت الفلم الذي شارف على النهاية دون أن تُتابع آخر أحداثه، وانطلقت ترى ما الأمر، فوجدت ابنها خرج من غرفته نحو المطبخ، فأمسكته وطبطبت عليه وعلمت بأنه يُريد كوباً من الحليب، فكتبت: ( دقيقة وأكون معك. )

عادت، وقامت بإعادة أجزاء كبيرة من الفلم، فعاد لما قبل ارتطام السفينة بالجبل الجليدي، وكتبت:

.

- هي: ( معك. )

- هو: ( أحبك كثيراً، ليتني الآن في أحضانك! )

- هي: ( لماذا لم تُجب؟ )

- هو: ( عن ماذا؟ )

- هي: ( أهي جميلة؟ )

- هو: ( مَن؟ )

- هي: ( زوجتك؟ )

- بعد انتظار لدقيقتين كتبت هي: ( ؟ )

- هو: ( طبعاً جميلة! )

- فتمعر وجهها، وانقبض فؤادها، وتابعت: ( مَن أجمل أنا أم هي؟ )

- بعد فترة صمت قليلة أخرى كتب هو: ( لماذا السؤال؟ )

- هي: ( أجب! )

- هو: ( أنتِ لا يوجد شيء أو بشر أجمل منك! )

- تناولت بعضاً من الفستق الحلبي من الصحن القابع أمامها، وارتخت على المقعد، ثم كتبت: ( شكراً.. )

- هو: ( اشتقتُ إليك كثيراً جداً. )

- هي: ( أرني صورتها! )

- هو: ( مَن؟ )

- هي: ( زوجتك. )

- هو: ( ريڨان كفى! )

- هي: ( لماذا؟ هل تغار عليها! )

- هو: ( هي زوجتي في النهاية.. ماذا حل بكِ؟ دعكِ منها! )

- هي: ( لم أطلب شيئاً عجيباً، أرني صورتها! )

- هو: ( ليست بحوزتي الآن! )

- هي: ( تكذب! )

- هو: ( ريڨان؟ )

- هي: ( نعم! )

- بعد خمس دقائق صمت بين الاثنين، كتب هو: ( أرجوك أخبريني الحقيقة لا تجامليني، أما زلتُ في قلبك كما كنت؟ )

- تأخرت قليلاً، ثم كتبت: ( لماذا تسأل؟ )

- هو: ( أعتقدُ أني فقدتُ كثيراً من حُبك! )

- ابتسمت وعيناها نقعت ولمعت، وكتبت: ( أنا يا حسن لا أحبك فقط، أنا لو يُصيبني العمى عن كل شيء في هذا العالم إلا عنك أنت لاكتفيتُ برؤياك! )

- وبدهشة وفرحة بالغة لمعت عيناه على إثرها، كتب هو: ( يا للهول! من أين تأتين بهذا الكلام! )

- ثم تابع وقبل ردها، كتب هو: ( أنا أعشقك حد الجنون، أنا أتمنى الموت في أحضانك يا قمر الدنيا كلها! )

- باكيةً والعرق جعل الشاشة لزجة، كتبت هي: ( هل لي أن أتصل بك! )

- هو: ( بكل تأكيد يا حياتي. )

.

• وصل الفلم الآن لـ .. بدأ النصف الثاني من السفينة بالصعود عالياً، ثم ما لبث أن شرع بالانغماس غرقاً للأسفل، فقال جاك: ( انتهى الأمر، سنغرق! اسمعيني جيداً، اسحبي نفساً عميقاً حين أقول لكِ، حركي قدميكِ ركلاً كثيراً، لا تفلتي يدي أبداً! ) ثم نظر في عينيها وحدق بعمق قائلاً: ( روز ثقي بي! ) فأجابت وهي ترتجف: ( أثق بك جاك. ) وقد تسارعت أنفاسها، وخصلات شعرها تجمدت أطرافها،...

- رنت عليه، فأجاب، لم تكن كلمة ألو هي أول ما قيل، بل تنهيد وقُبلات باكية مزقت الصوت المُنتقل منه إليها ومنها إليه، وكلامٌ بدا وكأنه غير مُتزن، ارتج الصوتُ بينهما فما عرفا تجميع جملةٍ واحدة، فقد كانت نبرة صوت كليهما لكليهما يعود بهما لعام 2001م، وتدور مع لكنة صوتيهما على مسامع كليهما أحداثاً جرت بينهما، تلك الأيام التي جمعتهما، وكأنَّ كل منهما يدلق في مسامع الآخر عبقاً من الفردوس! وشُعلةً من وهج الأشواق الذي يُمزق الأفئدة من شدة جماله الساحق!

اشتد الكلام والحنين، وكأنَّ أنهاراً من الجنة تلتف حولهما، فكيف ينجو الشوق من وهج الواقع إذا ما احتدم الأمل فاقعاً كما اللؤلؤ اللامع! لم تحتمل ريڨان كل هذا الألم اللذيذ، فأغلقت وكتبت من فورها:

- هي: ( أريد أن أراك حالاً.. – وأرسلت- ) .. ( أريد أن أبكي بين ذراعيك يا حبيبي.. - وأرسلت- ) .. ( أنا أعشقك عشقاً لا يُوصف.. – وأرسلت - ) .. ( لا توجد كلمات يُمكن أن تُخبرك ما أشعر به تجاهك يا حياتي كلها.. – وأرسلت - )

- فكتب هو: ( أريد تقبيلك في كل مكان في جسدك الجميل.. سألتقي بك قريباً وستُمزقك قُبلاتي.. - وأرسل -) .. ( ريڨان.. الذكريات تقتلني، أشـتَـمُّكِ في كل مكان، أينما أُبصر أرى وجهك حاضراً أمامي، أرى كل ما جرى بيننا كأنه يحدث الآن.. أنا أتقطع من داخلي لم أعد أحتمل .. )

- كتبت هي: ( أحبك.. أحبك.. أحبك.. أنا لك وحدك، أنا ملكك، شيءٌ من أشيائك، أحبك.. ! ) انغمس وجهها بالدموع وهي تتذكر كل ما حدث بينهما قبل ستة عشر عاماً، أوجعتها الذكرى فشعرت بدوار وحنين قاتل، فكتبت وهي تهتز حرقةً وشوقاً: ( حسن أنا أحبك أكثر من أي شيء في الوجود، أكثر حتى من أهلي وأبنائي وكل شيء، كل شيء يا حسن! )

• انغمس آخر جزء من السفينة، ومع سرعة الارتطام حاول جاك مقاومة الطبيعة، تمسك بذراعها وبياقةِ ستُرتها، وتمسكت به حتى كاد يتمزق، فتفلتت من يده، وغاص داخل المياه، وهي كذلك، وبينما تُحاول التماسك والناس من حولها في كل مكان، تعلق بها أحد الذين اقتربوا من الموت، فارتكز على ظهرها فغاصت في المياه المتجمدة، كادت تفقد أنفاسها، لولا أن قدم جاك وحاول انتزاعها من أسفله، لكنه كان قد تعلق بها بقوة بالغة، فضربه في وجهه مرتين ففقد توازنه وتركها، وأمسكها جاك بكل ما أتوي من عزمٍ وقوة، وصاح وهو يرتعش: ( اسبحي يا روز.. عليك أن تسبحي.. ) حاول الابتعاد عن تلك الجلبة من الرؤوس التي تطفوا وتغطس وتصرخ وتصيح، ظل مُمسكاً بها يجذبها ويسبح بها حتى وصل لباب خشبي مزخرف عائم، فوضع روز عليه، حاول الصعود معها، لكن الباب التف بهما فغطسا مُجدداً، فعاد ووضع روز عليه دون أن يصعد هو لأنه أيقن بأنه لا يتسع إلا لشخص واحد فقط!

شبك يده بيدها وقال وشفتاه ترتجف وجلد وجهه يميل للإزرقاق مع رعشة تهزه بالكامل، وكلامه يخرج محطماً كصوت أوراق الخريف بعد أن تُداس: ( إن القوارب تعود من أجلنا يا روز.. لابد أن يبتعدوا أولاً عن منطقة الشفط، ثم ستعود حتماً، عليكِ أن تصمدي يا روز.. ) كان وجه روز يرتعش وخصل شعرها المتجمدة تهتز، والصياح من حولهما يختلط مع صوت رطم الأيدي بالمياه، هذا الارتطام الذي يخف كلما امتد الوقت! وكلما خف كلما مات المزيد!

وبينما الدموع تسري فوق خديها وقد غابت داخل هاتفها ولم تعد ترى ولا تسمع شيئاً من حولها، وكأنَّ شيئاً استلها من عالمها الواقعي وسحقها داخل ذلك العالم الرقمي، وفجأة سحب زوجها عارف الهاتف من يدها ....

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق