( ساعات من العشق وسنوات من الجنون )
....
::><>< :: الحلقة رقم 2 -- EPS NO. 2 ::><>< ::
\/\/\/\/\/ ------ \/\/\/\/\/
نظر عارف صوبها حين وجدها مُنشغلة قليلاً عن مشاهدة الفلم، ولاحظ توتراً يسكنُ تقاطيع وجهها، وكأنه مد عُنقه جهة فخذها الأيمن حين لاحظ عينيها تتجه هناك، فأومأ إليها، فلاحظت ذلك، فتفلتَ الهاتف من يدها برجفة وقالت: ( أتكلم مع أختي، آسف! ) فقال: ( لا عليك. ) فجعلت ريڨان تكتب بحذر شديد.
.
- أرسلت على الواتس: ( وماذا تُريد يا حسن! )
- فكتبت بعد ثلاث دقائق لم يُجبها فيها: ( ؟ )
- فكتب حينها: ( لا أعرف ما يجب أن أقول! )
- بعد تردد، كتبت: ( ماذا تريد! )
- ( أنا لا أريد شيئاً.. – وأرسل – ) ثم تابع: ( أنا فقط أردتُ أن أتحدث إليك.. - وأرسل- )
- ( حسن! اسمعني أنا متزوجة.. – وأرسلت –) ثم تابعت: ( وحياتي مُستقرة – وأرسلت –) ثم بينما تكتب، قاطعها...
- ( أعلم.. أعلم .. – وأرسل - سكتَ قليلاً ثم تابع وهو يحترق ألماً: تريدين أن أبتعد؟! – وأرسل- )
لحظة صمت، بل لحظات، كتمت صوت الاشعارات، وضعت الهاتف بجانبها بعد أن قلبته على شاشته، نظرت لزوجها مُبتسمة، والماضي يتقشر ويندلق من أعماقها رشفةً رشفة، ويطرق ببطء كافة أبوابها المُغلقة.. لحظة صمتٍ تلتها لحظات، فبدأ ينصهر كل ذلك بمشاهد الفلم الذي وصل حتى:
• وبفستانها الأحمر الطويل، الذي علاه دانتيل أسود يغطي نصف صدرها ويصعد من الجنبين على الساعدين نحو كتفيها، ركضت روز في ردهات السفينة متخطية كل الواقفين والسائرين، كان وجهها مسحوباً من شدة الألم، كوجه غزالٍ بائس باشرت الضباع بنهش لحمه حياً، وصلت سطح السفينة، فمرت بجانب جاك المُلقى على مقعدٍ خشبي طويل، فسمع صوت حذائها يطرق على سطح الأرضية الخشبية، فاعتدل وشاهدها تتجه نحو مقدمة السفينة، لوت جسدها تنظر إلى الأسفل في المياه الهائجة، عيناها حمراوان تنزف دمعاً ارتسم كخطين واضحين على خديها، تسلقت على القضبان الحديدية وهي ترتجف، صدرها يعلو وينخفض، والأنفاس مُتسارعة، لم يستطع هواء الأطلسي المُتجمد خفض حرارة غضبها ويأسها، صارت باتجاه الهاوية، بقي أن تفلت كفيها من قضبان الحديد فتُعلن السقوط وتُنهي حياتها.
.
- أرسل حسن رسالة أخرى: ( هل تُريدين أن أبتعد؟ ) لم تُجب، فعاود الكتابة: ( لا تتهربي، أين أنتِ؟ )
.
مدت ذراعها الأيسر تتمسك بيد زوجها وتميل عليه، فانتشى فرحاً، وبحركة من يدها اليُمنى، حركة مترددة، ترتعش، امتدت على هاتفها وقد منحته نصف نظرة عين، فعدلته، فرأت الاشعارات، لم تستطع المقاومة، فقبَّلت عارف على خده وابتسمت قائلةً: ( سأذهب إلى المرحاض قليلاً! ) فأجاب عارف: ( سأوقف الفلم ريثما تعودين. ) فابتسمت على مضض، كانت تود أن تقول له أكمله لا توقف شيئاً كي يشغله عنها، لكنها خشيت أن يغضب أو يشعر بأنها غير مهتمة بجلستها معه.
.
وفي الحمام، أجابت:
.
- هي: ( قلت لك ماذا تُريد! )
- هو: ( أرجوكِ اسمعيني فقط. )
- هي: ( تكلم. )
- هو: وبمشاعرٍ جيَّـاشة قطَّعت قلبه وكسَّرت أصابعه بينما يُباشر الرد: ( أستحلفك بالله هل تريدين حقاً أن أبتعد! )
قبل ستة عشر عاماً..
في اليوم الخامس، كان في انتظارها ولكنه لم يتحرك نحو البوابة، بل كان يقف أمام عربته، فقد قرر أن لا يخطو صوبها، فإما أتت من تلقائها أو سيبقى مكانه. خرجت من البوابة وشاهدته، وحين شاهدها رغم أنفه وجد قدميه تتجه صوب هذا الملاك السائر كما الماء على البلور، اتجه نحوها، وحين وصل، قال من فوره: ( هل تريدين توصيلة؟ ) ونظر إليها بحنينٍ بالغ الأثر، وبعد قليلٍ من الصمت والتوتر، هزَّت رأسها بالموافقة بعد أن سحقتها لهفة عينيه الذهبية.
في العربة، بدأ يتحدث معها، بعضاً من العبارات المتناثرة هنا وهناك عن مواضيع شتى، وهي تتجاوب معه نوعاً ما، كان كلامه تشوبه روح الفكاهة والعفوية والحذر، وبعد أيام سألها عن اسمها، فقالت: ( ريڨان ) فقال في دهشة: ( ماذا؟ ) فأعادت بامتعاض: ( قلتُ ريڨان! ) فضحكَ ملئ شدقيه، قائلاً وما زالت آثار القهقهة لم تُفارقه: ( وما ريڨان أهو دواء للمعدة؟! ) فصمتت وأشاحت بوجهها عنه، فسكت، والتفت إليها لفتة سريعة، وقال في توتر: ( كنت أمزح فقط! ) فقالت مع ابتسامة ممتعضة: ( معك حق أن تضحك، لقد كانت خالتي الكُبرى هي من أطلقت عليَّ هذا الاسم العجيب، إنها تعيش في السويد منذ ثلاثين عام، هي طاعنة في السن الآن، سامحها الله! ) فأجاب: ( بالعكس، يُفترض أن تشكريها! فهو بصراحة اسم نادر وفريد.. ويليق بفتاة فريدة من نوعها مثلك! ) فصعد على خديها احمرار الإناث في مثل هذه الحالات.
ويوماً بعد يوم، شهراً بعد شهر، تطورت هذه العلاقة بشكلٍ بالغ، فعرف جدول محاضراتها، وبات يخرج برفقتها كل أسبوع مرة أو مرتين، يتجول معها بعد محاضراتها ساعة أو اثنتين في عربته، وأحياناً يتوقفون في أماكن خالية من المارة.
أصبحت ريڨان تعشقه حد الجنون، وذات مرة، بينما كانت تتمسك بذراعيه، قال لها: ( أنا أُحبك كثيراً يا ريڨان، وأريد أن أبقى معك طوال الوقت، لكن ظروفي الحالية لا تسمح لي بأن أتقدم لخطبتك. ) فقالت: ( لن أتخلى عنك أبداً، أنتَ لي، في فلم تايتانيك أنا جاك وأنت روز، سأموت من أجلك إن تطلب الأمر. ) فقال: ( لا تتحدثي عن الموت، تباً لك! ) بعد قليل من الصمت قال: ( سمعتُ عن فلم التايتانيك كثيراً لكن هل تصدقين بأني لم أشاهده! ) فقالت: ( ماذا؟ لقد اكتسح الدنيا قبل عامين! ألم ترَ صور جاك وروز والسفينة العملاقة على جدران مدارسنا وعلى أغلفة كراريسنا؟ اسمع أهم ما في الفيلم أنه قال لها: حين تقفزين سأقفز، وهذا ما حصل بالفعل!) فقال: ( لم أفهم. ) فظلت على مدار ساعة تحكي له أحداث الفلم من أوله حتى النهاية.
• لحقها جاك بينما كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط، فطلب منها أن تهدأ وتفكر جيداً، هددته بأن يبتعد أو ستقفز في المياه، فخلع سترته، وحذاءه فقالت: ( ماذا تفعل؟ ) فقال: ( لقد تورطت معك وانتهى الأمر، رغم برودة المياه في الأسفل، لكن لا خيار أمامي، إن قفزتِ سأقفز، ( u jump I jump ) فقالت بعد توتر: ( لأي درجة هي باردة؟ ) قال: ( حد التجمد، ستشعرين بألف سكين ينغرس في جسدك، لن تُفكري في أي شيء سوى الألم!) فخافت، مد يده إليها وشجعها على أن تُمسك به للنجاة، فأمسكت، فرفعها وشدها وسقط داخل حوض السفينة وهي في أحضانه.
كتبت له: ( أنا مشغولة الآن. ) ثم خرجت من الحمام، غسلت يديها ونظرت إلى المرآة بإمعان بينما تمسح يديها. اتجهت نحو زوجها الذي وقف مذ شاهد قدومها، فأمسك بكفيه أطراف أصابع كفيها، وقال بعد أن نظر في عينيها بثبات: ( أحبك كثيراً.. ) ثم قبَّل أصابعها، وجذبها نحوه، فغمرها بأحضانه، وأخذ يتلمس جسدها فأبعدته عنها بلطف قائلةً: ( نُكمل الفلم حبيبي ما زالت السهرة في بدايتها. ) وجلس الاثنان، فداس على التشغيل.
• بينما كانت أم روز في توتر بالغ بسبب نشوب علاقة الحب بين ابنتها وبين ذلك الشاب البائس جاك، كانت تربط ملابس روز من ظهرها وقالت: ( لابد أن تبتعدي عن ذلك الفتى يا روز! أنا أمنعك من لقائه.) فأجابت ابنتها في غضب: ( احذري يا أمي ستتسببين لنفسك بنزيفٍ في الأنف! ) فجذبتها الأم تجاهها ونظرت إليها بحدة بالغة، قائلةً والدموع تكاد تنفجر من عينيها الثاقبتين: ( تعلمين أن والدك لم يدع لنا سوى اسم نظيف نختبئ وراءه، لم يترك لنا سوى إرث محمل بالديون، لا حل سوى مع هوكلي، - صمتت قليلاً في حُرقة، ثم واصلت- لا تكوني أنانية! ) فأجابت روز في قهر: ( أنا الأنانية؟ لماذا تُحمليني هذا العبئ؟ ) فنزلت دموع أمها في حزن، ولوت رقبتها في أسى بالغ، وقالت بنبرة استجداء قاهرة: ( هل تريدين أن تُشاهديني أعمل كخياطة، هل تُريدين أن نبيع حاجياتنا الفاخرة بمزادٍ علني؟ ) فحزنت روز عليها.
.
وعند هذا المشهد نزلت دموع ريڨان، وقد ضغطت بكفها المُتعرقة على هاتفها القابع بجانب فخذها الأيمن، لاحظ عارف ذلك بينما كان يقضم بعض مكسرات الكاجو، فأوقف الفيلم، فقالت سريعاً: ( أعد تشغيله، لماذا أوقفته؟ ) فقال: ( لا عليكِ حبيبتي، إذا كان سيجعلك تبكين فلا نُريده. ) فردت بغضب وصوت عال نوعاً ما: ( قلتُ لكَ أعد تشغيله حالاً! ) فقال في توتر: ( حسناً.. حسناً.. )
شغَّل الفلم، ثم بعد بُرهة، أرسل يده نحو يدها، وأخذ بأصابعه يتلمس ظهر كفها الممدودة بجانبها، فمرر أصابعه بين أصابعها، ثم على ظهر كفها مُجدداً، ثم صعد برقة نحو الساعد، فأبعدت ذراعها عنه بالكامل! فأبعد يده، وفي توتر قال لها: ( يبدو أنك لست على ما يُرام.. ) فقالت في لعثمة: ( لا.. أنا بخير! ) فوجه وجهه تجاهها، وقال بغضبٍ مكتوم: ( أرى أنك ما زلت غير راضية، ولم يصفُ قلبك لي بعد؟ ) هنا شعرت بأن الأمور ستخرج عن السيطرة، فطبعت بسمة خرقت وجهها بصعوبة، ووجهت وجهها نحوه، وجذبته بيديها وطبعت قبلة على خده، وقالت في أذنه: ( أنا أحبك كثيراً، وهذا الفيلم يجعلني رومنسية أكثر من اللازم، فلابد أن نُكمله إذا كنت تُريد أن تراني كما تُحب؟ ) فاتسعت عيناه سعادةً، وقال بلهفة بالغة: ( حسناً.. حسناً .. ) وعادت أحداث الفيلم على الواجهة.
.
- أرسل حسن إليها على الواتس: ( ؟ )
- فأرسلت في خفية عن زوجها: ( ماذا؟ )
- هو: ( أبتعد؟ )
- هي: ( لماذا عُدت؟ )
- بعد صمتٍ دام ثلاث دقائق أرسل: ( لا أعرف ما يجب أن أقول! )
بالعودة لما قبل ستة عشر عام:
.
بدأ والدها يطرح اسم عارف ابن عمها بأنه سيأتي هو وأهله لخطبتها قريباً، فاعترضت فرفض اعتراضها، فطلبت تأجيل كل شيء ريثما تنتهي من امتحاناتها. لم تُخبر حسن بكل ما يجري في منزلها بسبب ضغط والدها عليها لقبول عارف، حتى انتهت الامتحانات فعاد والدها لنفس الاسطوانة مجدداً.
وحين كانت مع حسن في عربته قالت له بينما كانت تتمسك بذراعه بقوة، حدَّثته عن ضغوط والدها التي بدأت من شهرين قبل امتحاناتها. وطلبت منه أن يظهر في الصورة ويأتي منزلهم هو وأهله كزيارة تعارف، فقال بأنه لا يمتلك أي شيء حالياً سوى هذه العربة مصدر رزقه الوحيد. فأخبرته بقصة ابن عمها، فلم تكن لديه أية حلول آنية، فقط طلب منها الاصرار على الرفض. وبعد أيام وفي جلسة لاحقة قالت له:
.
- ( لا أريد منك شيء، تعال وأنا سأرتب الأمر كله. )
- فقال: ( ماذا سأقدم لك؟ حتى ثمن خاتم حقير لا أمتلك. )
- نظرت إليه بأسى، وأخرجت من حقيبتها الفارهة، قلم بحبر أزرق، وقالت: ( امسك! )
- ( ماذا؟ )
- فناولته القلم ويدها اليُمنى وقالت: ( ارسم خاتمك بهذا هنا! )
- فأخذ القلم، وأمسك يدها، وابتسم وهو يحترق ألماً قائلاً: ( في أي أصبع يضعونه؟ )
- فقالت وهي في كامل سعادتها: ( في الأصبع الرابع يُقال له البنصر. )
- فأمسك أصبعها الناعم، ورسم في نهايته خطين متوازيين على دوران الأصبع ثم لوَّن ما بينهما، فظهر خاتماً بحبرٍ أزرق، وقال إذ سقطت دمعاته: ( أنا أحبك كثيراً، صدقيني أكثر من أي شيء في هذا الوجود. )
- ( وأنا أيضاً، سأبقى لك ما حييت. ) ثم نظرت لخاتمها المرسوم وابتسمت قائلةً: ( الخاتم الأزرق.. هذا أفضل خاتم لبسته في حياتي! )
فاحتضنها بقوة، وأخذ يُقبلها في كل مكانٍ في وجهها، حتى فمها وشفتيها، فتركت نفسها له وارتخت تماماً، وحين شعر بأن الأمر سيخرج عن السيطرة توقف وابتعد عنها، وشغَّل العربة قائلاً: ( لقد تأخرنا.. لابد أن تعودي.. )
- بعد صمت أطبق على كليهما لخمس دقائق بينما يقود، نطقت قائلةً: ( اسمع، لا أخفي عليك، أنا قلقة كثيراً من قصة ابن عمي الذي يُريد والدي فرضه عليَّ، لذا عليك أن تتقدم لي بأسرع وقت وأنا سأتدبر الأمر كله وسأرتب كل شيء.)
أخذ التشجيع منها, قوَّى قلبه، جمع حطام الدنيا، أقنع والديه، طلب المساعدة من الجميع، شجعه الجميع، أخبرها بقدوم أبيه وأمه واثنين من أعمامه إليهم، فحاولت ترتيب الأمر مع والديها بعد أن أخبرتهم بأن هناك شاب معها بالجامعة يُريد أن يُرسل أهله للتعارف على أمل أن يتفقوا على موعد خطبتهم لها، لكن والدها رفض رفضاً قاطعاً دون حتى أن يعرف مَن هو هذا الشاب وكيف وصل الأمر بينهما لهذا الحد. مما صدمها صدمة عنيفة، فأبلغت حسن بأن يمنحها بعض الوقت.
وبينما يُشاهدان الفلم رن هاتف زوجها عارف، فأبصرته برعدةٍ وخوف، فأمسك هاتفه وأجاب، كان أحد أصدقاءه، فانشغل بمحادثته بينما يقضم بالمكسرات أمامه، وما زال الفلم تسيرُ أحداثه دون أن يلقى اهتمام أحد، فقد نقلت يدها اليُسرى تجاه هاتفها الممسوك باليُمنى الملتصق بانخفاض بفخذها الأيمن وكتبت:
.
- هي: ( أما زلت موجوداً؟ )
- هو: ( نعم. اشتقتُ إليكِ كثيراً. )
- هي: ( الآن؟ أين كنت غائباً؟ )
- هو: ( لم أغب! أهلك لم يقبلوا! )
- هي: ( أنسيت ما فعلته لأجلك حتى نبقا سوياً؟ )
- هو: ( لم أنسَ شيئاً. )
- هي: ( بل نسيت! )
- هو: ( لم أنسَ، كان الأمر مُعقداً! )
- هي: ( لقد غامرتُ بكل شيء حتى ينجح ما بيننا لكنك جبُنت. )
- هو: ( لم أجبن! )
- هي: ( لا أريد أن أتذكر شيئاً من الماضي! )
- هي: ( قلي الآن. ماذا تُريد؟ )
أراد والدها مُجدداً أن يفرض عليها ابن عمها عارف، لكنها أبت بكل شجاعة، واحتدم الموقف وتشاجرت مع الجميع، ولأول مرة يمد يده عليها، وهددها بمنعها الذهاب إلى الجامعة، وبأنها لابد أن تترك فكرة الزواج من خارج العائلة، لكنها لم تأبه به، ولم تتراجع عن موقفها قيد أنملة.
التقت بحسن بعد أيام في عربته وانطلق بها في مكان خالي كالعادة، وأخبرته بكل ما حصل وبأنها في حربٍ ضروس ضد أهلها كلهم، وطلبت منه أن يجد حلاً، فقال في حُزن:
.
- ( لا يوجد حل آني، لابد أن تتمسكي برفض أي أحد يتقدم إليكِ، لعل الأحوال تتغير.. )
- فقالت في غضب: ( هذا كل ما تقوى عليه؟ لماذا لا تتصرف؟ ألست أنت الرجل! )
- ( ماذا تقصدين؟ )
- فأشاحت بوجهها عنه وقالت بحزنٍ وغضب: ( لا أعلم، أقول لك بأنهم سيفرضون عليَّ غيرك، لن أستطيع مقاومتهم أكثر من ذلك، لابد أن نتصرف! )
- فقال بغضب وحرقة: ( ماذا تُريدين مني أن أفعل؟ ليس أمامي أي حل، حاولتُ أن أتقدم لك رغم أني لا أملك شيئاً، ولكن نزولاً على رغبتك استطعت تدبير بعض الفتات وأخبرت أهلي وكنا سنأتي لكن أهلك رفضوا استقبالنا أصلاً! أنتِ لا تعلمين كيف كان منظري أمام الجميع حين أبلغتهم بأن الموضوع تأجل! )
- فأبصرته بغضب: ( ماذا تقصد؟ هل أحرجتك أمام الجميع وأصبح الذنب ذنبي! )
- فنفخ في الهواء بأسى وحيرة: ( لا أقصد شيئاً! – ثم رفع رأسه عالياً وأكمل: وحتى لو استقبلونا وبدأوا بمناقشة التفاصيل لن نقوى على طلباتهم!)
- ( هكذا إذن! )
- ( ماذا عليَّ أن أفعل أخبريني! )
- فتمعر وجهها، واغرورقت عيناها، وقالت بعنف: ( لا أعلم.. لا أعلم.. )
- فغمرها بين ذراعيه وقبَّلها على جبينها، ثم أمسك وجهها بكفيه وقبلها على خدها، وضم رأسها على صدره، واستأنف مُبتسماً وعيناه تلمع وقال: ( لو شاهد والدك أحضاني لكِ وقبلاتي سيُوافق مباشرةً.)
- فتحركت قرون استشعارها وقالت: ( هذا هو الحل؟ )
- فقال: ( ماذا تقصدين؟ )
- فأجابت سريعاً: ( أن تذهب لوالدي وتقول له بأنك تُريد الزواج مني، وبأنك دخلت بي، وبأني لم أعد عذراء.. )
- فقال سريعاً: ( ماذا؟ لا يُمكن! )
- فقالت: ( بل هو الحل الوحيد. )
- فقال: ( قد يقتلونك ويقتلوني، ثم إني لم أدخل بك! )
- فحدقت في عينيه، وعيناها قد نقعت دمعاً يأبى السقوط وقالت: ( ادخل عليَّ الآن! ) ومدت يديها أسفل تنورتها الطويلة وشرعت في رفعها للأعلى فبدأت ساقيها اللامعة بالظهور!
- فأمسك يديها وهو يرتعش وقال: ( على رسلك! ماذا تفعلين؟ لن يحصل هذا الأمر، ليس هنا، وليس بهذه الطريقة! أنتِ أغلى من ذلك بكثير يا ريڨان!)
- فقالت في ألم بالغ ودمعاتها انهارت على وجهها: ( لماذا؟ ) وتنهدت قليلاً ثم واصلت: ( أنت لستَ رجلاً! )
- فقال في توتر وغضب عارم: ( لو أردتُ فعل ذلك لفعلته من أشهر، هذه ليست هي الرجولة! أنا فقط لا أريد أن أدنس شرفك وقد لا يحصل نصيب ونندم! )
- فانتحبت واهتز جسدها باكية، وبدأ الكلام يخرج مُتقطعاً: ( بل لستَ رجلاً؟ )
- فرفع يده وهوى بها على وجهها وكاد يُصيبها لولا أن توقف في آخر لحظة صائحاً: ( اخرسي! )
- فقالت في أسى: ( لا أتدنس منك، أنت تزيدني شرفاً إن فعلتها، ولن أندم، لا أريد لأحد غيرك أن يمس جسدي.. )
- فقال في غضب بعد أن شغَّل العربة: ( قلتُ لن يحصل هذا الأمر بهذه الطريقة! )
فضربت بقبضتيها باب العربة والنافذة صارخة بأن يُوقفها، فتوقف، فصرخت في وجهه وسَبَّته ولعنته، وفتحت الباب وخرجت، ومشت بخطوات سريعة مُبتعدة عن العربة! فلحقها وأمسك ذراعها، فالـتَـفَّـتْ نحوهُ بقوة وصفعته على وجهه وقالت: ( لا أريد منك شيئاً، ابتعد عني! ) فانصدم! ولم يستطع فعل أي شيء. ما زال يقفُ مُتسمراً أمامها والدهشة من صفعتها له شلَّت تفكيره، وحين شاهدته بهذه الحيرة والألم، لقفته في أحضانها، وجذبته نحو جسدها بقوة كاسحة كادت تُكسر أضلاعه، فنظر ميمنة وميسرة، لا يوجد أي أحد، فأمسك كتفيها وقال: ( أرجوك اهدأي وتعالي نركب العربة نحن في الشارع! )
• وبينما كان في أحضانها، اهتزت السفينة العملاقة بأكملها، لقد ارتطم بدنها السُفلي بقاع جبلٍ جليدي ضخم، فتحطم جزء كبير من قاعها بالأسفل، كان الأمن حينها يُطارد جاك الذي كان مع روز في عربة كلاسيكية يغمر بخار الماء نوافذها، التصقت يدها على النافذة وأزالت بخار الماء، فطُبِعَ أثر كفها، ورغم البرودة القاسية كان العرق يملأُ أجسادهما العارية.
كان عارف قد أنهى المكالمة، فضم زوجته بيمينه عليه، فتركت هاتفها مقلوباً على شاشته، واتجه بوجهه نحوها، ونظر في عينيها بابتسامة غامرة، بينما هي كانت تنظر وأفكارها قد سحقتها، فقـبَّـلها على خدها بعدما مد وجهه عليها، فابتسمت مجاملةً، فأمسك وجهها بكفي يديه الاثنتين، وقربها عليه، وقـبَّـلها من فمها قبلة طويلة، وقد أدارَ بهذه القبلة وجهها ميمنة وميسرة، ولم تستطع فعل أي شيء فقد خشيت أن تبتعد عنه فينتابه الشك أو الغضب. شعرت بقرف وبأذى بالغ، ولمَّا رأت بأنها عاجزة عن منعه، بكت! وبينما كان مُنهمكاً في فمها أحسَّ على خده ماءً حاراً، كان دمعها، فابتعد عنها، واشرأب غضباً، إلا أنه كتم غيظه، وقال في حنق: ( ما خطبك؟ كل هذا من فيلم! ) فقالت سريعاً بينما تمسح بكفيها وجهها: ( أبداً يا حبيبي، أنا على ما يُرام، سأذهب إلى الحمام أمسح وجهي، لا تغضب مني، هذا الفيلم له ذكريات المراهقة فمشاهدته تسحقني، لكن لم أكن أتوقع بأنه سيكون بكل هذا الأثر! ) فأومأ ببسمة غير راضية، يبدو أنه بدأ يغضب ولا يُريد أن يقتنع بمبرراتها.
وقفت وانسحبت من أمامه تجاه الحمام ومعها هاتفها، فنظر إليها وهي تسير، والغضب يكاد يأكله، شعر بأن الليلة سيُفسدها هذا الفيلم، فداس على أيقونة الوقف في غضب.
بالعودة لما قبل ستة عشر عاماً، احتدم الموقف، وبالفعل جاء عمها والد عارف مع مجموعة من الأقارب وتقدموا لخطبتها من والدها الذي وافق على الفور، وأجبرها على الجلوس مع عارف في اليوم التالي. كانت تعتصر ألماً، وحُزناً، فقالت لعارف وقتها: ( أنا أهلي أجبروني على القبول بك، وأنا في الحقيقة لا أريد الزواج منك ولا من غيرك حالياً. ) فقال مُبتسماً: ( كل الفتيات يقلن هكذا في البداية، لا تقلقي كل شيء سيتغير بعدما تعرفيني جيداً. ) فاستشاطت غضباً منه، وقامت وتركته داخلةً غرفتها.
فاتصلت بحسن وأخبرته بأنهم أجبروها على خطبة ابن عمها، فغضب كثيراً، وقال: ( كيف تقبلين؟ يبدو أن ما بيننا انتهى! ) فبكت وانتحبت وصاحت به: ( لم أقبل، لم أقبل صدقني، ذلك كان رغماً عني! ) فقال بأسى حين سمع بُكاءها: ( لا تبكي، حسناً.. أرجوك لا تبكي، كفى! ) فقالت والخوف والتنهيد يبتلع صوتها بالكامل: ( سنلتقي غداً صباحاً، قد يكون لدي حلاً..) توقفت ثم تابعت وقد تنهدت أكثر، وتكلمت بخوف أكبر، وكلماتها ترتجف رُعباً فائقاً: ( لابد أن نفعل شيئاً، بالتأكيد سنجد حلاً، أليس كذلك يا حسن؟ ) فأجاب سريعاً كي تتوقف عن البُكاء: ( أكيد.. أكيد يا حياتي كلها.. )
في اليوم التالي اتصل بها صباحاً بعدما تأخرت عن موعدها، فأخبرته بأن ينتظرها نصف ساعة إضافية. وحين قدمت ركبت معه وانطلقا، فقالت بعد أن الـتَـفَّـتْ إليه وهو يقود:
.
- ( اسمع، وركز في كلامي جيداً.. ) بدأت تتحدث وهي ترتجف: ( لقد تأخرت عليك صباحاً لأني ذهبت لـ ...
.
............ يتبع
💬 التعليقات