الفصل 1

الحلقة الأولى

1,110 كلمة · 6 دقيقة للقراءة

إعلان

ساعات من العشق وسنوات من الجنون

::><>< :: الحلقة رقم 1 -- EPS NO. 1 ::><>< ::

\/\/\/\/\/ ------ \/\/\/\/\/

.

بعد خصومة دامت شهراً كاملاً، قرر السيد عارف أن يُبادر بمصالحة زوجته وابنة عمه ريڨان هذا الصباح، وقد جاءها إلى غرفتها وبدأ بالحديث عن أساسيات الشجار الذي جرى بينهما قبل شهر، وقد كانت تتحدث معه بكل هدوء وبكلمات مُقتضبة كونها نسيت بالضبط لماذا تشاجرت معه! فكان يتحدث وهي تنظر إليه بإمعان وتستمع جيداً حتى تقتنص من كلامه ما يُمكّنها من الرد.

لكنها لم تُشعره بأنها نسيت حقيقة الخلاف الذي دبّ بينهما، وبدأت تتجاوب معه وتأخذ من كلامه وتُلقي عليه الاتهامات، وبعد القليل من النقاش، أبدت له بأنها رضيت عنه، فتم الصُلح على أن يسهرا هذه الليلة. وقد طلب منها أن تحدد فلم السهرة فاختارت فيلم تايتانيك.

توجه إلى عمله بعد انتهاء الصُلح، وهي سار يومها بشكلٍ طبيعي كأي يومٍ آخر، أما هو فقد كان في قمة الاشتياق، وكان يعتبر سهرة هذه الليلة بمثابة عقد قرانه عليها من جديد، لذلك كان طوال الوقت في سعادة غامرة.

.

عمَّ المساء، وكانت تجلس في غرفة الأولاد ريثما ينامون، أما هو فقد عاد من الخارج ومعه أكياس مُنتفخة من حاجيات السهرة، وضعها في المطبخ، وجاء لزوجته التي كانت تعبث بهاتفها النقَّال بعد أن نام الأولاد. وحين فتح الباب وشاهدها، نطق وهو واقفٌ على الباب بابتسامة قائلاً:

.

- ( نحن على اتفاقنا هذا الصباح يا ابنة عمي! )

- وبعد أن انتبهت لقدومه، ابتسمت ابتسامة مُفتعلة قائلةً: ( بكل تأكيد! ) ونهضت وتابعت كلامها: ( هيا نُشاهد الفلم الآن. ) واتجهت نحوه.

- فقال في توتر: ( هل ستبقين بنفس هذه الملابس؟ )

- فقالت في حيرة: ( ماذا أرتدي لك! )

- فأجاب سريعاً: ( أي شيء مُناسب للسهرة. )

- فنظرت لنفسها وللخزانة، وقالت في خجل: ( حسناً اخرج الآن! )

- فقال مُنتشياً: ( سأذهب لأستحم تكونين قد جهزتِ. )

فتحت خزانتها والحيرة تعلوها، فلم تكن بتلكم الحماسة التي يعيشها زوجها الآن، تُحاول افتعال السعادة وتمزيق تلك الأقنعة والمُلصقات التي تغلفت بها، تُحاول جاهدة مُسايرته، تُحاول عدم كبح جماح تلك الفرحة التي تغمره، فهي مُعتادة على ذلك.

وضعت بعض المساحيق على وجهها خلَّاب الملامح والتقاطيع، ارتدت فستاناً أبيضاً مفتوحاً بلا أذرع، نفثت عطرها الأخاذ على كامل بدنها، خرجت من الغرفة إلى الصالة وقد كان في استقبالها، قبَّلَ يدها ورأسها، وغمرها في أحضانه بكل دفئ، تفاعلت معه قليلاً، ثم قالت بعد أن حاولت سحب نفسها من بين ذراعيه بكل رقة:

- ( ألن نُشاهد الفلم! )

- ردَّ بابتهاجٍ بالغ: ( بكل تأكيد حياتي! ) بعد برهة صمت وهو يُحدق في عينيها، تابع: ( سأجعلك أسعد امرأة في العالم! ) وأمسك أطراف أصابع كفها وقبلها قبلة راقية.

تقدم بها تجاه الجلسة، غمرها بذراعه حول خصرها بينما يسيران، جلس الاثنان على كنبة عريضة لونها كلون الخشب المُعتم، وبالأمام طاولة مُستديرة من الزجاج اللامع المتين، شاشة عريضة مُعلقة على الحائط مقابلهما، وقف وتقدم نحو الشاشة، وضع الفلاشة في خاصرتها، فاشتغل الفلم ثم داس على أيقونة الوقف، وقال: ( سأجلب الحاجيات من المطبخ ) فأبدت أنها ستنهض لتُساعده في جلب الحاجيات، فأشار بكفي يديه الاثنتين بابتسامة عريضة بأن تجلس قائلاً: ( ابقي جالسة، سأعد كل شيء بمفردي، أنتِ اليوم أميرة الجلسة يا قمري! ) فجلست بابتسامة مجاملة مع هزة رأس ممتنة.

الأجواء هادئة، سكونٌ كامل إلا من صوت جلبة زوجها داخل المطبخ، ربما صوت أنفاسها تسمعه بسبب هذا السكون المُريح بالنسبة إليها والمُريب بالنسبة لغيرها.

وبينما زوجها مشغول بترتيب أطباق المُكسرات وأكواب المشاريب، وهي جالسة تعبث بهاتفها، وصلتها رسالة على الواتس، برقم غريب، فتحتها وقرأت! فاختفى صوت أنفاسها، وكأنَّ السكون قد تبدد! انفلجت عيناها انبهاراً ودهشة وخوفاً ورُعباً وألماً، كان مكتوبٌ فيها كلمتين: ( الخاتم الأزرق! )

بدأت الأعماق بالحركة، نهضت رجفة بأصابعها، عيونها تلألأت، صعدت الدماء من كافة أنحاء الأحشاء لتصل حتى ماضيها قبل ستة عشر عاماً، وبأصبعٍ يرتعش أجابت: ( مَن؟ )

.

إعلان

فكان الرد سريعاً: ( لن أقول، عليك معرفتي بنفسك! )

بدأ زوجها عارف بالقدوم على مراحل، في كل مرحلة كان يضع بعض الأطباق على الطاولة ويقوم بترتيبها بشكلٍ أنيق، ويوزع ابتساماته مع كلمات الحب والاشتياق ثم يعود للمطبخ لجلب باقي الحاجيات.

.

كانت تُجامله في كل مرة بابتسامة مُفتعلة.

.

أجابت على الواتس:

.

- هي: ( حسن؟ )

- هو: ( نعم! حسن. )

.

قبل ستة عشر عاماً. وبالتحديد في خريف عام 2001م..

كان يدور بعربته في منطقة الجامعات بقطاع غزة يُحاول التقاط الركاب الكثر من الطلبة والطالبات، إنه الشاب حسن ذو الثالثة والعشرين ربيعاً، اصطف بعربته مقابل البوابة وبدأ مع باقي السائقين بمد عنقه هنا وهناك، يهتفُ لمن يحتاج توصيلة، فخرجت من البوابة فتاة كأنها اللؤلؤ تقشر من صدفه في التو، وقدمت تسير وتتأرجح باستقامة أميرة وكأنها قصيدة غزلٍ لشاعرٍ ماجن، فشاهد حسن ذلك مذهولاً، فقد سحرت عقله! فاستقبلها على الفور وقال: ( الوسطى؟ الجنوب؟ ) فطوت عنه كشحاً قائلةً بكل هدوء: ( منطقة الرمال.) رغم أنه يعمل كسائق عمومي بين المحافظات، وأن الرمال منطقة راقية داخلية قريبة من الجامعات لا يعمل بها، إلا أنه بادر بالقول سريعاً: ( تفضلي! ) وأشار إلى عربته. فركبت بعد قليل تردد، وركب، ولم يأخذ غيرها، قاد على الفور، ومن هنا بدأت الحكاية.

جلس عارف الآن بعدما جلب كل حاجيات السهرة، ارتخى على ظهر المقعد الكنبي، مد ذراعه خلف رقبة زوجته ريڨان وانفردت على ظهر مقعد الكنب من خلفها، أمسك الريموت وأعطى إشارة التشغيل، فابتدأ الفلم.

• سفينةٌ عملاقة مهيبة المظهر، التصوير من الأعلى بدا وكأنها كوكب يعوم على سواحل المحيط الأطلسي، الناس على متنها كأنهم حُبيبات رملٍ بكف اليد. فاز الآن جاك بدور مهم في لعبة الكوتشينة، وحصل لأجل ذلك على بطاقة سفر في رحلة على ظهر أضخم وأكبر سفينة تُبحر في مياه كوكبنا الأزرق.

بالعودة لما قبل ستة عشر عاماً، بعد التوصيلة الأولى والثانية والثالثة والتي تخللها بعض الحديث المُقتضب من حسن بالذات، جاء ينتظرها في المرة الرابعة، خرجت من البوابة فإذا به أمامها، فقالت: ( أنت ما قصتك؟ كيف تعرف مواعيد خروجي! ) نظر في عينيها وقد لمعت عيناه الذهبية، وقال: ( أخمن تخميناً! ) فأجابت: ( هل تعلم بأنك تُضايقني! ) فقال سريعاً: ( لا أبداً، لا أُضايقك، أنا فقط في خدمتك، صدقيني أنا .. أنا .. ) وسكت. ( أنت ماذا؟ ) فرجع خطوتين إلى الوراء، وقال: ( إذا أردتِ الركوب معي، فعربتي تحت أمرك. ) وعاد إلى عربته، وقف على بابها وعيناه ما فارقت ريڨان أبداً. نظرت إليه نظرة طويلة وكانت تخطو باتجاه باقي السائقين، وركبت مع غيره فعلاً.

أمسكت هاتفها مُنخفضاً بجانب فخذها الأيمن، وكانت تُعطي نظرة خاطفة على شاشته دون ملاحظة زوجها، وتُبدي بأنها مُهتمة بمشاهدة الفلم، وتُرسل يدها الأخرى نحو هاتفها الممسوك باليُمنى كلما أرادت الكتابة، فكتبت:

.

- أرسَلَت له: ( كيف عرفت رقمي؟ )

- هو: ( المهم أني وصلت إليك يا ريڨان! لقد اشتقتُ إليك كثيراً! )

.

نظر عارف صوبها حين وجدها مُنشغلة قليلاً عن مشاهدة الفلم، ولاحظ توتراً يسكنُ تقاطيع وجهها، وكأنه مد عُنقه جهة فخذها الأيمن حين لاحظ عينيها تتجه هناك، فأومأ إليها، فلاحظت ذلك، فتفلتَ الهاتف من يدها برجفة و....

.

....................يتبع

............................. يتبع

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق