الفصل 4

الحلقة الأخيرة

1,366 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

إعلان

( ساعات من العشق وسنوات من الجنون)

::><>< :: الحلقة الأخيرة -- THE LAST EPISODE ::><>< ::

\/\/\/\/\/ ------ \/\/\/\/\/

.

وبينما الدموع تسري فوق خديها وقد غابت داخل هاتفها ولم تعد ترى ولا تسمع شيئاً من حولها، وكأنَّ شيئاً استلها من عالمها الواقعي وسحقها داخل ذلك العالم الرقمي، وفجأة سحب زوجها عارف الهاتف من يدها، إذ كان يقبع خلفها واقفاً منذ نصف دقيقة، اهتز بدنها والتفت إليه، وهو مُنغمسٌ في قراءة محادثة الواتس، مدت يدها محاولةً انتزاعه منه، فرفع يمينه عالياً، ودفعها بيده الأخرى صائحاً: ( ما هذا يا ريڨان؟! ) فصاحت محاولة التماسك وعدم إبداء أي ضعف: ( لا تمسك هاتفي، أعده لي قلتُ لك! ) وبينما هي هائجة وهو يقرأ، نظر نظرة ثاقبة تجاها، وصفعها على وجهها صارخاً: ( مَن هذا يا شيطانة؟! ) فهدأت، وتركت مقاومته، واتجهت لغرفتها تجر غضبها وخوفها، فانتزعها من ذراعها بينما كانت في طريقها إلى هناك، وعيناه ما زالت تتفحص تلك المحادثة الطويلة، وقذفها فوق الكنبة صارخاً: ( ابقي هنا؟ أين تعتقدين أنك ستذهبين؟! )

.

واصل القراءة وتواصلت رسائل حسن، انفجر وجهه ألماً وغضباً، فصاح بها بعد أن شدها من شعرها:

.

- ( ويحك أنظري وجهك كيف أهلكته الدموع! كل هذا الحب لهذا الصرصار! مَن هذا قولي الآن! )

- فأجابت وهي ترتجف بينما تستجمع في عقلها كل كذب العالم لتُعيد تركيبه من بين شفتيها: ( هذا لا أحد.. لا أعرفه.. إنه شخصٌ يُطاردني دائماً، وأنا أجاريه فقط لكي أعرف مَن هو.. )

- فصاح: ( بل تعرفينه! مَن هذا الذي تُحبينه أكثر من أبنائك! )

- ( قلتُ لك لا أحد.. أقسم لك! )

- وصار ينقب في هاتفها كالمجنون، ففتح معرض الصور ورسائل الهاتف وسجل المكالمات، وفجأة! بصق في وجهها، وطرحها أرضاً: ( ها أنتِ كنت قد اتصلتِ عليه قبل نصف ساعة! مَن هذا يا فاجرة يا ابنة الفاجرة! )

- وعند هذه الإهانات، وثبت واقفةً ببطء، استجمعت قواها، سحبت طاقة الكون بين فكيها، جسدها يهتز من أثر البُكاء، برقت عيناها في وجهه كصقرٍ يُبصر كالحديد، ونطقت بصوتٍ ثابتٍ مُرتفع غطى على صوت نحيبها: ( هذا حبيبي الذي أجبرني أهلي على تركه كي آخذك أنت! )

- فأمسكها من كتفيها ووجهه يرتجف، وشعره يهتز، وتكلم بصوتٍ ثقيل مكتوم وكأنه يتحدث من أحشاءه: ( حبيبك! )

- فقاطعته على الفور: ( نعم حبيبي، كان وما زال وسيبقى، اتركني إنك تُؤلمني، ابتعد عني! ) فتركها. عيناه حمراوان، عرقه يتصبب على شعر صدره العاري. رنت رسائل الواتس مجدداً!

فانتبه للهاتف من جديد، وقد كانت يداه ترتجف: ( أين أنتِ يا حبيبتي؟ ) هكذا قرأها وقرأ غيرها من كلام لا يصدر إلا من شخصين قد واقعا الحب فعلاً. فصاح بها:

.

- ( ماذا عساي فاعلٌ بك؟ سأخبر والديك أول شيء..)

- برقت عيناها اللامعة في وجهه من جديد، وصرخت: ( أخبر العالم كله، لا أخاف لا منك ولا من غيرك؟ )

- ( سأريهم ما كتبتِ له وما كتبَ لكِ! )

- ( يا أخي أنت لا عقل لديك؟ قلت لك أحبه وأعشقه، طلقني يا عارف طلقني! )

- وبدهشة: ( أطلقك؟ )

- ( نعم لا أريدك، لا أحبك، أكره وجهك، أكره رائحتك، أكره نفسي حين أراك! )

إعلان

- فغضب غضباً قوياً: ( حسناً.. سأحرمك من أبنائك، سأتزوج غيرك يوم طلاقك! )

- ولكي تقهره وتزيد من إهانته وقتله معنوياً، صاحت: ( أكره أولادي لأنهم منك، خذهم، لا أريد منك أي شيء! )

- وبأسى وحُرقة: ( تكرهينني؟ ) تابع وفمه يرتجف: ( حتى حين أتيتك صباحاً كي أصالحك بدا وكأنك نسيتِ لماذا دب الخلاف بيننا قبل شهر! )

- وبدمعات الامتعاض والغضب، وبنشوة انتصار المهزوم: ( نعم كنتُ قد نسيت فعلاً! لأنك لم تكن يوماً ذا أهمية بالنسبة لي! لا غضبك يهمني ولا أحزانك تهمني ولا أفراحك تهمني، لا يهمني أي شيء يخصك! )

- ( كم كنتُ أحمقاً! )

- ( لم أحبك يوماً، أكرهك من قبل أن أتزوجك! هيا طلقني.)

- فأصابه غضب جارف: ( أطلقك كي تذهبين إليه! )

- وعلى رأس خديها سواد كحلها الذي أزاله دمع الليلة أجابت بكل تكبر وعنجهية: ( نعم سأذهب إليه! )

لقد سحقته بهذه العبارة، شعر بأنه لا يسوى في نظرها فلساً واحداً! احمرت عيناه، اشتدت أعصابه، برزت عروق رقبته، وقد اكتمل مشهد الغضب حين انقضت عليه وسحبت هاتفها من بين يديه، وأشاحت عنه إذ أعطته ظهرها! وبينما كتفاها تهتز من أثر البكاء، وهي تكتب لحسن وزوجها ورائها، ثارت ثائرته، ومن غير وعي رفع الطاولة الزجاجية وبكل ما أوتي من قوة وعزم هوى بها على مؤخرة رأسها فانشق ينضح دماً! وارتج دماغها رجة سُمع صوتها مدوياً! تناثرت أطباق المُكسرات، وأكواب العصائر، انفلجت عيناها، دارت بها ألوان الصالة، واختفت الرؤية ثم عادت ثم اختفت ثانيةً! هوت وكأنها شجرة عملاقة شقها منشار من أسفلها فسقطت وأحدثت جلبةً هائلة لبهائم الغاب!

رأت تاريخها يمضي أمامها كاملاً، تاريخها بأكمله منذ الولادة حتى هذه اللحظة، وقد تربع حسن فوق كل أحداثه، لم يُفارق حتى لحظات طفولتها التي ما كان يوماً فيها، لقد بدت وكأنها خُلقت من أجله، وعاشت من أجله، وماتت من أجله.

كانت مُلقاةً على الأرض وجسدها ينتفض بهزاتٍ خفيفة مُعلناً اقتراب خروج الروح، وهاتفها بيدها، وآخر ما كتبت له بعد رسائل كثيرة منه كلها ( أين أنتِ يا حبيبتي؟ ) ( هل ستعودين؟ ) ( ؟ ) ( ألن تُكلميني مجدداً؟ ) ( أين ذهبتِ؟ ) ( أرجوك تعالي! ) فكتبت قبل أن تقع أرضاً: ( معك.. سأعود بعد قليل، انتظرني...)

• وبينما العتمة تخيم على كامل المحيط الأطلسي، وهدوءٌ مخيف يحل على مكان غرق سفينة التايتانيك، ما زالت روز فوق الباب الخشبي مُمسكةً بيد جاك وكأنها تُمسك بقلبها خشية أن يخبو متجمداً في الأعماق، نظرت له وعيناها ترتجف صقيعاً، وأخرجت كلماتها الراجفة: ( أحبك يا جاك، أحبك كثيراً.. ) فاستجمع آخر قواه وحرك جسده قليلاً، جسده المغمور في المياه المُتجمدة، وأجاب بكلمات متقطعة إثر التجمد الذي أبطأ من خروجها: ( لا تقولي هذا يا روز.. لا تقولي وداعاً، ليس الآن.. لن تموتي الليلة! ستأتي قوارب الانقاذ وستعيشين، وستنجبين الأطفال، وسترينهم يكبرون.. ستموتين عجوزاً تشعر بالدفء في سريرها.. ) فقالت: ( أشعر ببردٍ شديد وكأني لا أحس بجسدي.. ) بدأ يرتجف بشكل أكبر ونطق وكأنه يُخرج سكاكيناً من قلبه لا من حنجرته: ( فوزي بالبطاقة كان أفضل شيء حصل لي في حياتي... فقد أوصلني إليكِ... روز.. عديني أن لا تموتي هذه الليلة.. عليك أن تعديني أن تبقي على قيد الحياة.. عديني يا روز.. ) خرجت دموع متجمدة من كليهما، وقالت: ( أعدك.. أعدك يا جاك .. )

الدماء تتسحب من تحت رأسها، الألوان تداخلت، عتمةٌ وشواش سيطر على بؤرة الإبصار، الصوت انقطع، الأنفاس همدت وكأنها تختفي، ما زال الأمر كما القمار بالنسبة لها، رهان كسبته ورهان خسرته، وما بين يديها في حالة غياب! إلا أنَّ كل شيء حاضر أمام موتها، كان أفضل شيء حصل لها في حياتها هو تلك التوصيلة التي ركبتها في عربة حسن أمام الجامعة خريف عام 2001م، هكذا يُخبرنا موتها إذ تعج لزوجة الدماء من أسفل رأسها فيخرجُ بُخاراً ساخناً يتراقص داخله اسم حسن حبيبها الأوحد! كتلك البطاقة التي أوصلت جاك لروز ولحتفه، هي نفس التوصيلة التي أوصلتها لحسن ولحتفها!

.

كل الأحداث، كل التفاصيل تتدحرج ككرةٍ ببطء على مدى ناظريها، أطفالها يبكون عند رأسها، زوجها تقرفص وأخذ بالنحيب، حسن ما زال يُرسل ولا يدري بأن المُرسَل إليه ترك الدنيا كلها.

مَن سيدفع فاتورة الدماء؟! ليس الذنب ذنبها، ولا ذنب حسن، ولا ذنب والدها ولا حتى ذنب زوجها!

.

إنه قانون الحياة! البقاء للأكثر تأقلماً مع هذه الحياة ذات الحسابات شديدة القسوة، حسابات لا يُمكن تجاوزها، صارمة، عنيدة، كالتيار الجارف، إما أن تسير في ركبه، أو تُعاكسه وتقضي كما قضى أولئك الذي تحدوا القانون!

المشهد من الأعلى؛ أيام العزاء قيد الإنشاء، الناس كثيرة يُجاملون تلك العائلة العريقة، الأبُ محروق يأكل في نفسه كون ابنته قُتلت على يد زوجها الذي زُج في الحبس، ولن يرحمه لسان الناس، حتى وإن لم يُخبروا أحداً بحقيقة تلك الرسائل التي قتلها زوجها على إثرها. حسن جاء يُعزي بعد أن سمع بالأمر، جاء يحملُ نفسه حملاً، جاء كعابر سبيل، لم يعرفه أحد، سيشرب فنجان قهوته ويُحلي بتمر الموت ويمضي كما الجميع، لكن الحقيقة لها وجه آخر، فقد جاء وأحشاؤه مُلِئت بكاءً، جاء وقد شاخ عشرين عام، بدا كل شيءٍ أمامه كسوادٍ تلون داخل عينين مُغمضتين!

• فكت روز يد جاك عن يدها كي تسبح لتصل حتى صافرة معلقة في فم أحد الموتى، لأن قارب الانقاذ بدأ يبتعد، فكَّت يدها عنه فغاص في الأعماق، وهذا من أصعب المشاهد على الاطلاق، أن تُقرر بأن تُنفذ وصية حبيبها الذي طلب منها البقاء على قيد الحياة, ولابد لتنفيذ هذه الوصية أن تتركه من يدها وتُشاهده يغوص عميقاً... يغوص بعيداً نحو الأسفل، ليس لدفنه بتأبينٍ مهيب، إنما لتتغذى على جثته بهائم مياه الأطلسي!

.

.............. النهاية

إعلان

كيف وجدت الرواية؟

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق