كانت الشمس قد مالت عن كبد السماء، وأخذت تهبط على مهل نحو الأفق، فيما امتد ظل المساء الأول على وجه الصحراء.
وعلى مسافة بعيدة أمامهم، كان فارس وحيد يشق الفلاة.
امتطى فرسًا بنية هرمة، بدا عليها أثر السنين، لا تكاد تشبه في شيء فرس همّام السوداء الفتية، الناعمة الشعر، التي كان السواد يلمع على ظهرها كلما أصابتها الشمس.
أما الرجل فكان ملتفًا برداء أبيض طويل، قد عصب رأسه بلفافة من اللون نفسه.
والأغرب من ذلك كله...
أنه لم يكن مستعجلًا.
كان يسير على مهل، كأن الصحراء خالية إلا منه، وكأن الجائزة التي أخرجت بني طُهر من خيامهم دفعة واحدة لا تعنيه.
ظل سالم يحدق في ظهره.
وأخذ قلبه يسرع من جديد.
**ماذا يفعلون؟**
أيسرع همّام بفرسه حتى يتجاوزه؟
ثم ماذا؟
أيوقفه بالقوة؟
وماذا إن لمحهم الرجل فدفع فرسه إلى العدو؟
لعلهم لن يدركوه بعد ذلك أبدًا، ولعله يبلغ الغيث قبلهم.
أيقتربون منه خفية؟
لا.
لن يبلغوه على فرس من غير أن يسمع وقع حوافرها، ولو تركوا الفرس خلفهم وتقدموا على أقدامهم كانوا قد خاطروا بكل شيء؛ فإن سمعهم الرجل وفر بفرسه، بقيت فرسهم بعيدة عنهم، وضاعت فرصتهم.
وحتى لو بلغوه...
ماذا بعد؟
أيدفعونه عن ظهر فرسه؟
كأن إسقاط رجل بالغ من فوق فرس أمر هيّن.
سواء جاءوه راكبين أم ماشين، فلن يكون اقتلاعه من سرجه بيسير.
لعل...
لعلهم يستطيعون أن يقنعوه بأن يقاسمهم الجائزة.
كاد سالم يضحك من الفكرة.
أي رجل من بني طُهر سيقتسم ربع مال الشيخ معهم طائعًا؟
عاد الألم ينبض في رأسه.
وأخذ قلبه يخبط صدره أسرع.
ثم تسلل إليه خاطر صغير.
خاطر لم يرد أن يسمعه.
**لعل الأمر لا يستحق كل هذا.**
كلما خطا خطوة، نهضت أمامه عقبة أخرى.
لعل هذا الطريق لم يُخلق له.
لعل ما يرجوه لا يساوي ما يخاطر به.
كان يستطيع أن يعود الآن.
إلى المضرب.
إلى أمه.
لعلها تغفر بعض حمقه إذا علمت أنه رجع قبل أن يتمادى فيه.
ولعل...
عقابه يكون أخف.
وفجأة شد همّام ذراعيه حول خصر حُرّ.
وقال بصوت خفيض عاجل:
"سالم، ابق هنا."
رفع سالم رأسه إليه، وأنزل يده عن جبينه.
وسأله:
"لماذا؟ ماذا ستفعل؟"
أجابه همّام:
"لا تشغل نفسك."
ثم حرك الفرس من غير أن يزيد كلمة.
قطب سالم.
**ما الذي يفعله؟**
**ولماذا لا يخبرني؟**
ثم جاءه السؤال الأشد وقعًا:
**ولماذا يأخذ حُرّ معه؟**
أراد همّام منه أن يقف في مكانه.
وأن يثق به.
وقد حاول سالم دائمًا أن يثق بهمّام.
بل لعل همّام كان أكثر من وثق به في حياته.
لكن هذه المرة...
كان يطلب منه أكثر مما ينبغي.
كانت الخسارة أكبر من أن يغامر بها.
وكان أخوه الصغير بين ذراعيه.
أسرع سالم بمحاذاة الفرس.
ونادى صاحبه بحزم:
"همّام، أخبرني بما تنوي فعله."
نظر همّام إليه من علٍ.
كان وجهه باردًا.
نافد الصبر.
وفي عينيه شيء كأن سؤال سالم نفسه قد أساء إليه.
قال همّام:
"ما الذي أصابك يا سالم؟"
حدق فيه.
ثم تابع:
"حين طلبت مني قبل قليل أن أثق بك، وحين قلت إن حُرّ يعرف طريق الغيث... ألم أثق بك؟"
لم يجب سالم.
فقال همّام:
"ألم أمض وراء قولك؟"
ثم ضاقت عيناه.
"والآن تعجز أن تفعل لي مثل ذلك؟"
شد سالم فكه وقال:
"ألا يحق لي أن أعرف ما تنوي، وأخي الصغير معك؟"
أطلق همّام زفرة نافدة.
وقال:
"إن بلغ الرجل الغيث قبلنا، انتهى الأمر."
وأشار بعينيه إلى الفارس البعيد.
"تضيع فرصتنا."
ثم نظر إلى سالم.
"فأي شرح آخر تريده؟"
قال سالم بحزم:
"أعطني أخي إذًا."
كان لا يزال يساير الفرس.
"وافعل ما شئت."
تنهد همّام.
نظر إلى حُرّ لحظة.
ثم أعاد عينيه إلى سالم.
وقال:
"سأكلمه."
تغير صوته هذه المرة.
صار أهدأ.
"وجود الصبي معي سيجعله أقل حذرًا."
عبس سالم.
"تكلمه؟"
سكت لحظة.
ثم قال بسخرية مريرة:
"وهل ستقنعه بأن يترك الغيث لنا ويهبنا الجائزة؟"
هز همّام رأسه.
"لا."
ثم قال:
"سأطلب منه أن يقاسمنا منها."
وأشار إلى حُرّ.
"وسأحدثه عن مرض أخيك. لعل قلبه يرق."
نظر إلى سالم مباشرة.
"أليس حُرّ هو سبب خروجك أصلًا؟"
صمت سالم.
قال همّام:
"أليس كل هذا من أجله؟"
ثم اشتدت نبرته.
"فإما أن تبقى إلى جواري تبدد ما بقي لنا من وقت..."
وأشار إلى الرجل.
"وإما أن تدعني أحاول."
كان نفس حُرّ قد صار ثقيلاً.
وقد ظلت عيناه الكبيرتان، اللتان أحاط بهما سواد المرض، معلقتين بالرمل.
بدا كحيوان صغير أُخرج من جحره إلى أرض لا يعرفها.
نظر سالم إلى أخيه.
ثم إلى همّام.
لم يرتح إلى الخطة.
ولم يرتح أكثر إلى أن همّام، كعادته، لا يكشف له كل ما في رأسه.
لطالما أبغض فيه ذلك.
وكلما راوده الشك، قال لنفسه:
**هكذا همّام.**
**كان هكذا دائمًا.**
لكن المسألة لم تعد تخص همّام وحده.
إن أخفقوا...
فسالم هو من سيدفع الثمن الأكبر.
ومع ذلك...
كان همّام محقًا.
لقد وثق به قبل قليل.
صدق قوله حين جاء بحُرّ مدعيًا أن الصبي يعرف الطريق.
والآن...
جاء دور سالم.
وفوق ذلك كله، لم تكن خطة همّام حمقاء.
ظل يراقبه.
ثم وقعت عيناه على شيء.
يد همّام.
اليد التي أمسكت بالزمام...
كانت ترتجف.
ارتجافًا ضئيلاً، بالكاد يلحظ.
ولسبب لم يفهمه سالم، أراحه ذلك.
ذكّره بأن همّام لم يكن ذلك الرجل الذي يتخيله في رأسه.
لم يكن أهدأ منه دائمًا.
ولا أشجع.
ولا أعرف بما ينبغي فعله في كل حين.
كان فتى مثله.
خائفًا مثله.
يائسًا مثله.
ومتعلقًا بالغيث كما تعلق بها سالم.
وفي النهاية...
كان صديقه.
ألقى همّام عليه نظرة أخيرة.
ثم دفع الفرس إلى الأمام.
هذه المرة أسرع قليلًا.
لا بالقدر الذي يجعل الرجل يسمعهم من بعيد، لكن بما يكفي ليضيق ما بينهم وبينه.
بقي حُرّ جالسًا أمامه، مشدود الجسد، وهمّام يحيط خصره بذراعيه.
اقتربا.
ثم اقتربا.
وأخذ قلب سالم يضرب صدره.
وازداد وجع رأسه كلما رأى صاحبه وأخاه يدنوان من الرجل.
أسرع خلفهما بما استطاع.
لكن المسافة بينه وبين الفرس اتسعت.
**إن فشلا...**
كان سالم يعرف أثر حُرّ في الناس.
كثيرون رقوا له حين رأوه.
حتى القلوب القاسية تلين أحيانًا أمام جسد طفل أنهكه المرض.
لكن الشفقة شيء...
والمال شيء آخر.
وماذا يساوي صبي عليل إذا وقفت وراءه جائزة تغيّر حياة رجل؟
ذهب.
إبل.
خيل.
طعام.
وحين يحتاج الرجال إلى هذه الأشياء...
يكذبون.
ويسرقون.
وأحيانًا...
يقتلون.
اشتدت الريح.
وأخذت تحمل ذرات الرمل فوق وجه الأرض، حتى صار وقع حوافر الفرس أخفت.
كان الرجل لا يزال غافلاً عنهم.
قربوا أكثر.
وأكثر.
وكان سالم يكاد يركض الآن.
ثم...
أوقف الرجل فرسه.
فجأة.
شد همّام زمام فرسه في الحال.
وتوقف سالم مكانه.
للحظة رهيبة، أحس أن قلبه توقف معه.
دار الرجل بفرسه ببطء.
لقد رآهم.
واجههم صامتًا.
وكان شيخًا قد جاوز كثيرًا من عمره.
انسدلت من ذقنه لحية طويلة مهملة، اختلط سوادها بالشيب. وكانت له عينان مستديرتان مثقلتان، تكاد ملامحهما تكون حزينة بطبعها، حتى بدا وجهه كوجه رجل يحمل همًّا لا يعرف له أولًا.
نظر إلى همّام.
ثم إلى حُرّ.
ثم...
إلى سالم الواقف خلفهما.
ناداه همّام بابتسامة ودودة:
"السلام عليك يا عم."
عرف سالم تلك الابتسامة.
لم تكن حقيقية.
لف همّام إحدى ذراعيه حول حُرّ كأنه يحميه.
ظل الشيخ يرقبه.
ثم نظر إلى الصبي.
حرك همّام فرسه خطوة نحوه.
فقال الرجل:
"حسبك يا غلام."
توقف همّام.
وظلت بينهما مسافة.
ضيق الشيخ عينيه.
وبدا التعرف في وجهه.
قال:
"همّام... ابن زكريا."
أومأ همّام باحترام.
وقال:
"جئناك طالبين معروفًا يا عم."
لان صوته.
"لا أدري أتعرف هذا الصبي أم لا. هو أخو صاحبي الأصغر."
وضع كفه برفق على كتف حُرّ.
ثم قال:
"وكما ترى..."
سكت.
"أنهكه المرض."
لم يجب الشيخ.
رمق همّام آثار الغيث في الرمل.
ثم أشار خلفه إلى سالم.
وقال:
"أخوه..."
"لا يريد شيئًا من الدنيا قدر ما يريد أن يرى هذا الصبي معافى."
ثم تابع:
"لسنا نسألك أن تترك لنا الناقة."
"ولا أن تتنازل عن الجائزة."
"كل ما نسألك..."
خفض صوته.
"أنك إن بلغت الغيث قبلنا، جعلت لهذا الصغير شيئًا مما تناله."
كان في صوته حزن صادق.
أو...
هذا ما بدا لسالم على الأقل.
حوّل الشيخ عينيه إلى سالم، الذي كان قد لحق بهما ووقف إلى جانب الفرس.
قال الرجل:
"سالم... ابن مالك."
وقسا وجهه.
ثم قال:
"فهمت."
وسكت.
ثم سأله في هدوء:
"قل لي يا غلام..."
رفع عينيه إلى سالم.
"لماذا أعين الصبي الذي جر عليه أخوه لعنته؟"
أصابته الكلمات كأن ألف نصل دخل صدره دفعة واحدة.
صرخ شيء فيه أن يرد.
أن يدافع عن نفسه.
أن يقول للرجل إنه لا يعرف ما حدث.
إنهم جميعًا لا يعرفون.
لكن سالم بقي ساكتًا.
وترك همّام يتولى الكلام.
قال همّام مستعطفًا:
"فلا تعنّا نحن."
"أعن الطفل."
قرب حُرّ منه.
"إنه يتألم كل يوم."
"ولا ذنب له فيما فعله أخوه من قبل."
التفت سالم إلى همّام.
وللحظة لم يصدق ما سمع.
خرجت من فم صاحبه الكلمات نفسها التي يسمعها في المضرب.
الكلمات نفسها التي يهمس بها الناس إذا مر من بينهم.
قالها همّام.
كل جملة منها فتحت فيه جرحًا جديدًا.
لكنه فهم.
كان صاحبه يؤدي دورًا.
يقول ما يعلم أن الشيخ يريد سماعه.
**لا ذنب لحُرّ فيما فعله أخوه.**
ظل سالم يرددها في قلبه.
حتى ولو كانت حيلة...
فإنها آلمته.
حدق الشيخ في حُرّ.
ثم قال:
"أعرف الصبي."
لكنه أضاف:
"أما أنتما، فلا أأتمنكما على شيء."
وأشار إلى الآثار.
"إن عدت بالغيث، سلمت نصيب الصبي إلى أمه بيدي."
ثم عبس.
"ولماذا أخرجتما هذا المسكين إلى الفلاة من الأصل؟"
خفض همّام رأسه.
وقال:
"هو الذي طلب الخروج."
"قضى معظم عمره بين جوانب خيمة."
"لا يعرف لذة السفر."
"ولا فرحة العثور على شيء ظل المرء يدعو أن يجده."
نظر إلى حُرّ.
وقال:
"أراد أن يذوق تلك الفرحة مرة واحدة."
ثم عاد إلى الشيخ.
"فلا ترسله اليوم إلى خيمته محملاً بالخيبة."
كان صوته يزداد تأثرًا مع كل كلمة.
نظر الرجل إلى حُرّ.
ثم سأله برفق:
"أصدق ما يقول يا صغيري؟"
ابتلع حُرّ ريقه.
قال الشيخ:
"أتريد أن تجد الغيث؟"
رفع الصبي عينيه بخوف.
ثم أومأ إيماءة صغيرة.
طال نظر الشيخ إلى وجهه الغائر المنهك.
ثم ظهرت تحت لحيته ابتسامة وادعة.
وتنهد.
ظل لحظات يفكر.
وأخيرًا قال:
"آخذ الصبي معي."
ثم نظر إلى سالم وهمّام.
"وأنتما تعودان إلى المضرب."
وتابع:
"قولا لأمه إنه معي."
انقبض بطن سالم.
وكان أول ما تحرك فيه أن يقول:
**لا.**
كيف يترك أخاه مع رجل غريب؟
ثم صعدت ذكرى قديمة إلى رأسه.
كان يعرف هذا الشيخ.
لا يذكر اسمه...
لكنه رآه في المضرب مرارًا.
وتذكر طفلة صغيرة كانت تجلس في حجره يومًا وهو يضحك لها ويحملها بين ذراعيه.
لا يدري أكانت ابنته أم حفيدته.
لكنه تذكر الحنان في وجهه.
لعل...
لعل لذلك الحنان مكانًا لحُرّ أيضًا.
ولعل هذا الرجل هو آخر فرصة يخرجون بها من ذلك البحث بشيء.
حتى وإن كره سالم ذلك.
فأخوه عنده أولًا.
أو...
هكذا كان يردد لنفسه دائمًا.
أومأ همّام شاكرًا.
وقال:
"جزاك المعروف يا عم."
ثم تابع:
"لو علمت أم الصبي ما صنعت، ما نسيت لك ذلك."
"وأقسم أن يعرف الناس مروءتك."
لوح الشيخ بيده.
وقال بابتسامة خفيفة:
"دع عنك الثناء."
ثم مد ذراعيه.
"هات الصبي."
"وامدحني بعد أن أرجع بالغيث."
قاد همّام فرسه نحوه.
وكان حُرّ ساكنًا أمامه.
كان ينبغي لسالم أن يرتاح.
الرجل بدا مأمون الجانب.
ولعله إن وجد الغيث أعطى حُرّ من المال ما يبلغ به مكة، وما يطلب به دواءً لمرضه.
ومع ذلك...
شيء ما في صدر سالم لم يهدأ.
لم يكن يريد أن تنتهي الأمور هكذا.
كان يريد أن يجد الغيث بنفسه.
كان يريد أن يعود بها.
أن يدخل بني طُهر وهو يقود الناقة.
أن يراهم ينظرون إليه...
لا إلى ابن مالك.
بل إلى سالم.
اقترب همّام من الشيخ.
حتى لم يبق بين الفرسين إلا خطوات قليلة.
أجبر سالم نفسه على القبول.
**لعل هذا يكفي.**
مد الشيخ ذراعيه إلى حُرّ.
وقف همّام إلى جانبه.
وكان في جسده توتر غريب.
ثم—
حدث كل شيء في مقدار خفقة قلب.
اندفعت يد همّام تحت ردائه.
ولمع الحديد في ضوء العصر.
سيف.
ولم يكد سالم يفهم ما تراه عيناه...
حتى هوى همّام به.
شق النصل لحم الفرس العجوز فوق قائمته الأمامية.
صهلت الدابة صهيلاً مفزعًا.
وارتفعت قائمتاها الأماميتان في الهواء، وتناثر الدم فوق الرمل.
اتسعت عينا الشيخ.
وصرخ.
جن جنون الفرس من الألم.
انتفضت بعنف.
وقذفت صاحبها عن ظهرها.
هوى الرجل إلى الأرض.
وجاء صوت سقوطه قاسيًا.
وانطوت ساقه تحته.
وبرز عظم أبيض من اللحم أسفل ركبته.
وسال الدم على الرمل.
أما الفرس الجريحة فانطلقت هاربة إلى جوف الصحراء، لا تلتفت خلفها.
قفز همّام من فرسه.
اختفى كل شيء من وجهه.
لا ابتسامة.
لا لطف.
كان وجهًا باردًا.
قاسيًا.
والسيف لا يزال في يده.
أما حُرّ فظل فوق الفرس، متشبثًا بما أمامه وهو يبكي بكاءً لم يستطع كتمه.
لم يتحرك سالم.
لم يستطع.
ظل يحدق.
وترددت صرخات الشيخ في الصحراء الخالية.
"أغيثوني!"
ثم صرخ من الألم.
"آه...!"
"أغيثوني!"
وقف همّام فوقه.
وكان رأس السيف مصوبًا إلى صدر الرجل.
عندها انفجر سالم:
"ما الذي فعلته؟!"
ارتج صوته غضبًا وذهولًا.
وأقبل على همّام، وكل خطوة أثقل عليه من الحديد.
استدار همّام نحوه.
وصاح:
"قل لي أنت!"
كانت عيناه محمرتين.
ويده تقبض على السيف بقوة.
"قل لي يا سالم!"
ثم صاح:
"ماذا كنت ستفعل؟"
"أريد أن أعرف!"
"ماذا كنت ستفعل؟!"
صرخ سالم:
"قلت إنك ستكلمه!"
وأشار إلى النصل.
"وكان معك سيف؟!"
ثم أشار إلى الشيخ.
"انظر إلى ساقه!"
"انظر إليها يا همّام!"
وقف أمام وجهه مباشرة.
ولم يطرف واحد منهما.
صرخ همّام:
"أتظن أني أردت هذا؟!"
وأشار إلى الرجل.
"أتظن أني قصدت أن تتحطم ساقه؟"
ثم ضرب بيده على صدره.
"كنت أحاول أن أنقذ أخاك!"
"أن أنقذنا جميعًا!"
قال سالم:
"عم تتكلم؟"
رد همّام:
"أردت أن يقاسمنا الجائزة!"
"لكنك سمعته!"
"سمعت ما قاله!"
وأشار إلى الشيخ.
"رأيت كيف ينظر إلينا!"
ثم صاح:
"ككل واحد في بني طُهر!"
انكسر صوته من شدة الغضب.
"هؤلاء لن يعنيهم أمرنا قط."
"لا حياتك."
"ولا حياتي."
"ولا حتى حياة حُرّ."
كانت يده ترتجف بالسيف.
وقال:
"ولو وجد الغيث..."
"فلن يعطي الصبي إلا ما شاء."
"قطعة أو قطعتين يرميهما إلى أمه، ثم يمضي بمال الشيخ كله."
اشتد صوته.
"أتظنه كان سيهب حُرّ ربع ذهبه؟"
سكت سالم.
كان نفسه ثقيلاً.
وأخذ يتفحص وجه صاحبه كأنه يراه للمرة الأولى.
وبعد وقت قال:
"كذبت علي."
خرج صوته خافتًا.
مكسورًا.
ونظر إلى ساق الشيخ.
"وكسرت ساق رجل..."
رفع عينيه.
"ثم تقول إنك أردت مساعدتنا؟"
لان صوت همّام.
"سالم..."
خفض السيف.
ثم اقترب ووضع كلتا يديه على كتفي سالم.
كان في وجهه ألم ويأس.
قال:
"لم أرد أن أكذب عليك."
ابتلع ريقه.
"لم أخبرك بالسيف..."
وسكت.
"لأني لم أرد استعماله."
"كنت أرجو ألا أضطر إليه."
تعثرت كلماته.
"أنا..."
أشاح بعينيه.
"كل ما أردته..."
"أن أساعدنا."
"أن أساعد حُرّ."
ثم قال:
"لقد لمح النصل."
نظر بعيدًا لحظة.
"والآن صار مصيري معلقًا بهذا الأمر مثلك."
ثم أضاف:
"كل ذلك من أجل حُرّ."
حدق سالم فيه.
وكان رأسه عاجزًا عن جمع ما حدث.
سيف.
كان همّام يحمل سيفًا طوال الوقت.
أخفاه عنه.
ووضع حُرّ في الخطر.
وحطم ساق شيخ.
وفوق ذلك كله...
كتم الأمر عنه.
وشعر سالم تجاه همّام بشيء لم يشعر به قط.
**الخوف.**
نظر إلى الرجل الملقى على الرمل.
والدم ما زال يسقي الأرض تحته.
أراد جزء من سالم أن يسرع إليه.
أن يربط ساقه.
أن يفعل أي شيء.
لكن شيئًا آخر...
شيئًا دفينًا قبيحًا...
همس له:
**لعل همّام كان محقًا.**
لعل ما فعله كان ضروريًا.
كان سالم يريد الغيث.
يريدها أكثر من أي شيء.
لكن...
ليس هكذا.
لم يرد أن تكون الطريق إليها مفروشة بدم رجل.
ولم يرد أن يرى أخاه يبكي خوفًا من أقرب أصدقائه.
كان قد وثق بهمّام.
والآن صار كل شيء مختلفًا.
نظر همّام إليه.
وقال:
"سالم..."
ثم أشار إلى امتداد الصحراء.
"ليس معنا وقت."
"وأنت تعرف أن هذا كان الطريق الوحيد."
وأشار إلى حُرّ.
"الوحيد من أجله."
دفع سالم يديه عن كتفيه.
وقال بصوت مرتجف:
"احلف."
حدق همّام فيه.
قال سالم:
"احلف بحياتك..."
"أنك لم تكن تنوي هذا منذ البداية."
لم يتردد همّام.
قال:
"أحلف."
ثم رفع صوته.
"أحلف بكل ما لي يا سالم."
"ما أردت إلا نجاتنا."
ثم تمتم:
"والله ما أردت إلا نجاتنا."
أشاح سالم بوجهه.
اشتد الصداع حتى خيل إليه أن رأسه سينشق.
ثم جثا ببطء إلى جوار الشيخ.
مد يده بحذر نحو ساقه.
وقال:
"دعني أعينك..."
زمجر الشيخ:
"لا تمسني!"
توقف سالم.
صرخ الرجل من بين أسنانه:
"ابتعد عني يا ابن مالك!"
ثم التفت بعينين حانقتين نحو همّام.
"كنت أعلم أني لا ينبغي أن أثق بابن الغريبة..."
ثم وقعت عيناه على حُرّ.
"ولا بهذا الطفل المشؤوم!"
تجمد سالم.
وبقيت يده في الهواء.
كانت الكلمة أشد من ضربة.
وراءه، دفن حُرّ وجهه في عنق الفرس، ووضع يديه على أذنيه وهو يبكي.
قال همّام بصوت منخفض.
لكن فيه حد الحديد:
"أرأيت؟"
نظر إلى سالم.
"أرأيت؟"
ثم قال:
"هذه منزلتنا عندهم."
"لمني أنا إن شئت."
"لكن انظر إليه."
وأشار إلى الرجل.
"حتى ونحن نحاول إسعافه..."
"نحن عنده أدنى من أن تمتد أيدينا إليه."
أغلق سالم عينيه.
كان الألم في رأسه يزداد.
والأفكار تنهش بعضها بعضًا.
**هل خطط همّام لهذا منذ البداية؟**
هل أخذ حُرّ معه ليقترب من الشيخ لا أكثر؟
هل كان حديث الشفقة كله كذبًا؟
هل كان هناك تفاوض أصلًا؟
انقبض صدر سالم.
أراد الغيث.
أرادها حقًا.
لكن...
لم يرد هذا.
وحتى الآن...
والشيخ مكسور...
ينزف...
ولا يملك حولًا...
ما زال يرفض يد سالم.
يفضل أن يبقى في ألمه...
على أن يمسه ابن مالك.
وللمرة الأولى...
دخل خاطر مخيف إلى رأس سالم.
**لعل همّام محق.**
نهض على مهل.
وتدلت ذراعاه إلى جانبيه.
نظر إلى همّام بعينين متعبتين.
وكان همّام واقفًا في مكانه، يلهث، ينتظر ما سيقوله.
قال سالم أخيرًا:
"لا نستطيع أن نتركه هنا."
جاء صوته مهشمًا.
نظر همّام إلى الشيخ المتلوّي من الألم.
وقال:
"ولا نستطيع حمله على الفرس بهذه الساق."
صرخ الرجل:
"لا تحملاني!"
وشد على أسنانه.
"عودا إلى المضرب!"
"اجلبا الرجال!"
ثم صاح:
"اطلبا النجدة!"
نظر سالم إليه.
وشعر بالتعب يهبط على وجهه.
**ما باله؟**
**أنا أحاول مساعدته.**
**أفعل ما أستطيع.**
**ومع ذلك يرفضني.**
حتى وهو ملقى تحت رحمتنا...
لا يريد إلا أن تجري الأمور كما يريد هو.
وللحظة مر بسالم خاطر آخر.
لو أن الشيخ هو الذي بلغ الغيث...
فلعلهم ما كانوا ليأخذوا شيئًا.
كان سالم يعلم دائمًا كيف تنظر إليه القبيلة.
لكنه لم يتخيل أن كرههم يبلغ هذا الحد.
لماذا يمد يده إلى قوم...
يفضلون الألم على أن يمسكوا بها؟
أدار وجهه إلى همّام.
وقال:
"سنعود إليه."
كان صوته قد صار أثبت.
"بعد أن نجد الغيث، سنرجع."
أومأ همّام.
"بالطبع."
رفع الشيخ رأسه بصعوبة.
واتسعت عيناه من الألم والغضب.
وصاح:
"لا!"
ثم حاول الاعتدال وفشل.
"ارجعا إلى المضرب الآن!"
"استغيثا بالقوم أيها الأحمقان!"
ثم صاح متوعدًا:
"لأرفعن أمركما إلى الشيخ!"
نظر إلى السيف.
"حملتما الحديد المحرم!"
"حديد الدم والقتل!"
"لن تمر هذه الفعلة بلا جزاء!"
انقطعت كلماته بصرخة أخرى.
ظل سالم ينظر إليه.
إن وجدوا الغيث...
فلعل الشيخ يعفو عما وقع.
لم يكن سالم يريد ترك الرجل.
وكان ينوي العودة حقًا.
لكن الأفكار في رأسه صارت كريح هوجاء.
كان عليه أن يمسك بشيء واحد.
**الغيث.**
إن وجدها...
فلعل ما انكسر يمكن إصلاحه.
لكن غضبه من همّام لم يهدأ.
كان جزء منه يصدق أن صاحبه تصرف بدافع اليأس.
بدافع الخوف.
بدافع رغبته في إنقاذ حُرّ.
إلا أن الجزء الآخر لم يستطع إنكار الحقيقة:
همّام أخفى عنه السيف.
وسالم لا يزال لا يعلم أين خبأ بقية الأسلحة.
تلك الأسلحة...
السر الذي قرّب بينهما يومًا...
صار الآن أول صدع بينهما.
لطالما كان همّام كتومًا.
وقبل سالم ذلك فيه كما يقبل المرء لون عين صاحبه أو صوته.
أما الآن...
فلم يعد متأكدًا.
إن كان همّام قادرًا على هذا...
فلعل سالم لم يعرفه قط.
التفت إليه.
وقست ملامحه.
قال:
"احلف لي..."
انتظر همّام.
"أنك لن تستعمل هذا السيف ثانية إلا إذا لم يبق لك خيار غيره."
انحنى همّام والتقط سيفه.
وقال:
"أحلف."
ثم أدخل يده تحت ردائه.
وأخرج خنجرًا.
حدق سالم فيه.
قال همّام:
"وهذا النصل الآخر الوحيد الذي معي."
ومد الخنجر إليه.
"أحلف لك."
ثم قال:
"خذه."
ظل سالم يحدق في الخنجر.
وكان الصراع في وجهه أوضح من أن يخفى.
حمل السلاح عند بني طُهر يعني النبذ.
الخروج من القبيلة.
أن يصبح المرء بلا أهل.
بلا مضرب.
بلا اسم.
ومع ذلك...
مد سالم يده.
ببطء.
وأخذ الخنجر.
لعل...
لعل خوفه من همّام قد جاوز حده.
أو لعل سالم أراد فقط أن يصدق ذلك.
راقبه همّام.
ثم قال:
"إن أمسكوا بنا..."
تنهد.
"أخبرتهم بكل شيء."
"وأحملت نفسي الذنب كله."
تفحص سالم وجهه طويلاً.
ثم علق الخنجر في نطاقه من غير كلام.
وتوجه نحو الفرس.
امتطاها خلف حُرّ.
ولم ينظر إلى همّام.
بعد ما رأى...
لم يعد يطمئن إلى أن يبقى صاحبه وحده مع أخيه.
أحاط سالم حُرّ بذراعيه، وضمه برفق إلى صدره.
وقال:
"لا تخف."
ثم قبّل رأسه.
"أنا هنا."
كان حُرّ يرتجف.
وقال متلعثمًا:
"هو..."
ثم بلع ريقه.
"هو يحمل سيفًا؟"
همس سالم:
"اهدأ."
وضمه أكثر.
"لن يصيبك شيء."
بقي الشيخ حيث سقط.
وخفت صراخه حتى لم يبق منه إلا أنين متقطع.
كان نصف مغمض العينين، يحدق في السماء بلا تركيز.
وكاد الألم يسلبه وعيه.
نظر همّام إلى سالم.
كان في عينيه شيء من تلك الشراسة التي رآها قبل قليل.
لكن كان فيهما أيضًا شيء جديد.
القبول.
حرّك سالم الفرس إلى الأمام.
ولم يقل شيئًا.
وكان صمته كافيًا.
ظل يسأل نفسه:
هل يرى همّام أن استعمال السيف كان يستحق كل هذا؟
وهل عودتهم بالغيث ستمنحهم عفوًا...
أم ستجعل العقاب أقل قسوة فحسب؟
حتى لو حمل همّام الذنب كله...
لم يظن سالم أن بني طُهر سيتركونه.
كان هناك.
ورأى.
وسكت.
ثم رحل.
لقد قبل تفسير همّام...
لكن شيئًا في ثقته به انكسر.
ولعله لن يعود كما كان.
والآن...
صار العثور على الغيث أهم من أي وقت مضى.
أراد سالم أن يخبر همّام كم بلغ بهم الأمر من الخطر.
لكن حُرّ كان يسمع.
ولم يرد أن يزيد قلب أخيه الصغير خوفًا.
فواصلوا الطريق.
ركب سالم وحُرّ صامتين.
ومشى همّام إلى جوار الفرس، مطرق الرأس، غارقًا في أفكاره.
وخلفهم...
ابتلع الرمل الشيخ رويدًا رويدًا.
حتى غاب بين الكثبان.
فاقد الوعي.
وحيدًا.
حل ضوء المغيب على الصحراء، وسكب فوق الرمال لون النحاس والعنبر، فيما مضى الثلاثة يتبعون آثار الغيث التي راحت الريح تمحو أطرافها شيئًا فشيئًا.
لم يبلغ خوف سالم في حياته مثل ما بلغه الآن.
ولم يكن ما يمكن أن يخسره أعظم مما صار إليه.
كان عليه أن يجد الغيث.
الآن أكثر من أي وقت مضى.
وفي أعماقه...
كان يريد أن يصرخ.
أن يولي وجهه ويعدو.
أن يهرب من كل ما حدث.
من الشيخ.
من السيف.
من همّام.
من بني طُهر.
ومن نفسه.
لكنه لم يفعل.
شد ذراعيه حول حُرّ أكثر.
كان عليه أن يبقى ساكنًا.
من أجل أخيه.
لم يعد يعرف إن كان يستطيع أن يضع ثقته كلها في همّام.
ولم يعد يعرف ما الذي سيحدث إن بلغ خبر السيف إلى القبيلة.
وفوقهم...
كانت السماء تحترق بلون الغروب.
وأمامهم...
امتدت الصحراء بلا جواب.
ومضى الثلاثة نحو ما لا يعرفون.
💬 التعليقات