الجمل المفقود

الفصل 4

دنيا 1 - هل حقًا قسا قلبي؟

4,566 كلمة · 23 دقيقة للقراءة

إعلان

كان غَسَقُ الليل قد بدأ يهبط على مضرب بني طُهر، القابع فوق تلٍّ وحيد فسيح، وأخذ الهواء ينعم بشيء من النسيم العليل بعدما خمد وهج الشمس الحارّة وراء الأفق.

في الخيمة الصغيرة، جلست دنيا وقد ضمّت ساقيها إلى جانبها، وأسندت خدَّها إلى كفّها، ومرفقها إلى مِركاة عند طرف البساط. كانت تحدّق في أمها دلال بوجهٍ واجم، وقد مالت ملامحها إلى التعاطف أكثر مما مالت إلى الحزن.

أما دلال فكانت مضطجعة على جنبها فوق بُسُط الخيمة، تواجه نسيجها الخشن، موليةً ابنتها ظهرها.

مضى وقت منذ اختفاء حُرّ. غربت الشمس، غير أن الساعات بدت منذ ذلك الحين بطيئة ثقيلة، كأن الليل نفسه يأبى أن يمضي.

*لعلّه لم يكن من الصواب أن أخبرها أنني رأيتهما حين عدنا من عند الشيخ.*

حاولت دنيا أن تجد لنفسها عذرًا. لم تكن قد تيقنت آنذاك أن الرجلين البعيدين هما سالم وحُرّ. لم ترَهما إلا من بعيد، ولم تذكر ما رأته إلا بعدما عادا إلى الخيمة ولم يجدا الصبي.

لكن ذلك لم يكن عذرًا كافيًا في نظر أمها.

لقد صرخت فيها دلال يومئذٍ حين اعترفت بأنها تظن أنها رأتهما يغادران معًا.

ولم تخبرها دنيا بشيء آخر.

كان هناك شخص ثالث معهما.

لم تستطع تبيّن وجهه؛ كان على ظهر فرس، ولم ترَ تحت عمامته سوى بشرة شاحبة.

*همّام، في الغالب.*

لم تكن تشك في ذلك كثيرًا.

ومع هذا...

*لا أندم أنني لم أخبرها.*

أغمضت دنيا عينيها لحظة.

أمها العزيزة، الحبيبة، قد بكت حتى أنهكها البكاء.

أخبرتا خالها حاتم، لكنه لم يكن رجلًا يُعوَّل عليه؛ سمينًا مكتنز البدن، كسولًا كحمار، جبانًا لا تكاد الشجاعة تعرف إلى قلبه سبيلًا. ولم يبقَ في المضرب يومها رجل يُرجى منه شيء؛ فقد خرج أكثرهم في أثر الغيث.

ومع ذلك، كان عذر خالها معقولًا على نحو يثير الغيظ. لم يبقَ في المضرب مما يُركب سوى حمارين، وأقسم أنه لن يدرك سالم على ظهر أحدهما، فضلًا عن أن يجدي نفعًا إذا لحق به.

*صدقتَ في هذه وحدها يا خالي. لا أظن حمارًا في الأرض يحتمل كائنًا بوزنك. لعل المسكين يموت تحتك قبل أن تبلغ أسفل التل.*

كادت الفكرة أن تنتزع منها ابتسامة، لكنها لم تفعل.

لم يكن هذا وقت الضحك.

كانت دلال تُصدر شهيقًا متقطعًا خافتًا، ويرتجف كتفها مع كل شهقة.

راقبتها دنيا طويلًا.

*أمي المسكينة... لضممتك لولا أنك قلت لي إنك لا تريدين أن يمسك أحد.*

قطع صوت دلال الصمت.

«لِمَ...؟»

كان صوتها واهيًا، مكسورًا.

رفعت دنيا رأسها قليلًا.

«لِمَ ماذا يا أمي؟»

سكتت دلال لحظة، ثم قالت:

«لِمَ يفعل هذا بي؟»

تبعها شهيق مرتجف.

«أأنتِ متيقنة أنه هو من كان معه؟»

ساد الصمت.

وخلا وجه دنيا في تلك اللحظة من كل تعبير. ولو التفتت إليها أمها، لما سمحت لنفسها أن تظهر بذلك البرود.

«نعم... نعم يا أمي. سالم كان ممسكًا بيد حُرّ.»

ترددت قليلًا، ثم أضافت:

«وكان حُرّ المسكين يبدو خائفًا.»

شهقت دلال شهقة حادة عند سماع الجملة الأخيرة، فاهتز كتفها، ثم ارتجف جسدها كله.

آلم دنيا منظرها.

*ربما تحتاج إلى شيء من الدفء الآن.*

*تحتاجني.*

نهضت عن الأرض، ومشت نحو أمها، ثم جثت خلفها على ركبتيها.

مدّت يدها نحو كتف دلال.

لكنها توقفت.

ظلّت كفها معلقة فوق كتف أمها، لا تمسه.

*قالت للتو إنها لا تريد أن يلمسها أحد.*

ترددت.

*لكنني ابنتها.*

*لن تمانع أن ألمسها أنا.*

*هي لا تعرف ما تريده الآن... وأنا أعرف. إنها تحتاجني أكثر من أي وقت مضى.*

أنزلت دنيا يدها ببطء على كتف أمها.

وما إن لامستها حتى ارتجف جسد دلال.

التفتت إليها.

وكان الوجه الذي قابلها قد غابت عنه الحياة؛ عينان مرهقتان محمرتان، وملامح أكلها الحزن.

ثم زحفت دلال بعيدًا عنها.

وجلست القرفصاء، ضامةً ساقيها إلى صدرها، ومالت بجسدها ناحية أخرى، مبتعدةً عن ابنتها.

تجمدت دنيا في مكانها.

بقيت جاثية كما هي، وعيناها متسعتان من المفاجأة.

ثم أحست بشيء ينكسر في صدرها.

كل ذلك الدفء الذي كانت تجمعه في قلبها لتمنحه أمها انطفأ دفعة واحدة.

سحبت يدها ببطء وأعادتها إلى جانبها.

ظلت تنظر إلى ظهر أمها، تنتظر منها كلمة.

أي كلمة.

ومضت لحظات ثقيلة قبل أن تتحدث دلال:

«البسي خمارك... مأدبة أم طارق لم تُلغَ.»

لم تجب دنيا في بادئ الأمر.

استقامت ملامحها حتى لم يبقَ فيها شيء.

ثم قالت:

«نعم... نعم يا أمي.»

كان في صوتها انكسار خفيف حاولت إخفاءه.

قامت على ساقيها، واتجهت إلى ناحية ثيابها خلف الستار الذي يقسم الخيمة. خلعت ثوبها وارتدت ثوبًا ترابي اللون، يمتد على جانبيه خطّان حمراوان. كان أفضل ما تملكه، على تواضعه. ثم أخذت خمارًا بنيًا ولفته حول رأسها، وأحكمته بيديها.

حين أزاحت الستار وعادت، وجدت أمها قد عادت إلى اضطجاعها الأول في الموضع نفسه.

حدقت فيها دنيا هذه المرة دون شفقة.

ثم مضت نحو باب الخيمة.

رفعت الغطاء وخرجت.

استقبلها هواء الليل، وبدت فوقها السماء وقد غمرتها العتمة.

تنفست بعمق وهي ترفع عينيها إليها.

*لا ترجعوا...*

توقفت أنفاسها.

*لا ترجعوا.*

اغرورقت إحدى عينيها، فشدّت فكيها محاولةً ألا تنهار على الأرض باكية.

ولم تكن تريد البكاء على أخيها.

بل على نفسها.

*أتمنى ألا ترجعوا.*

انسابت دمعة على خدها. مسحتها سريعًا بكفها، ثم مشت في اتجاه خيمة أم طارق.

وفي الطريق، عاد همّام إلى خاطرها.

كانت قد رأته مرة واحدة منذ زمن، بصحبة سالم.

يومها تسللت خلف أخيها لترى ما يصنع حين خرج لصيد الضبان لهم. فقد عرفت منذ زمن أن تلك الساعات الطويلة التي يقضيها بعيدًا عن المضرب لم تكن كلها في طلب العشاء.

ورأته يومئذٍ يمشي مع فتى شاحب الوجه، حسن الطلعة.

عرفت لاحقًا أنه همّام، ابن الغريبة.

*لم أعلم أنه قريب من سالم إلى هذا الحد.*

سمعت عنه كلامًا كثيرًا؛ مدحًا وذمًّا. وكان أكثر المادحات من فتيات المضرب غليظات العقل، فيما كان أكثر الذامّات من عجائز القبيلة العابسات.

لم تكترث يومًا بما يقلنه.

لكن شيئًا واحدًا لم تفهمه.

*لِمَ أخذا حُرّ معهما؟*

*أكانا حقًا ينويان ألا يعودا؟*

تذكرت سالم في الأسابيع الأخيرة.

كان يكلمها أكثر من المعتاد، ويذكر مكة بين حين وآخر. يتحدث عن الرحيل إليها، وعن أطباء أو معالجين قد يجدون لحُرّ دواءً هناك.

لم تظن أنه جاد.

ولم يخطر لها أنه قد يأخذ حُرًّا ويرحل دون إذن أمهم.

ثم تذكرت آخر ما قاله لها.

خفضت بصرها إلى الأرض وهي تمشي.

*لا ألومه.*

وسرعان ما جاءت الفكرة الأخرى.

الأبشع.

*بل أتمنى أن ينجح.*

ابتلعت ريقها.

*لقد تعبت.*

شدّت أصابعها حول طرف ثوبها.

*تعبت من غسل حُرّ.*

*تعبت من رائحة جلده.*

*تعبت من صراخ أمي في وجهي لأنني لم أجعله يمضغ أعشابه.*

*تعبت من أن أطلب منها شيئًا واحدًا لنفسي، فتحدثني عن حُرّ ومرضه للمرة الستين.*

*تعبت... تعبت.*

شعرت بحرارة خلف عينيها.

*أرجو أن يكون بخير.*

ثم، بعد صمت قصير داخل رأسها:

*لكنني أرجو أيضًا ألا يفكر فينا.*

*ولا في العودة.*

ربما يبلغان مكة.

ربما يجدان علاجًا.

ربما يبقى سالم هناك معه.

وربما...

*تبقى أمي لي.*

تعثرت أفكارها عندها.

شعرت بثقل يتجمع في حنجرتها.

*هل قسا قلبي حقًا؟*

أرادت أن تنكر ذلك.

غير أن صورة أمها وهي تزحف بعيدًا عن يدها عادت إلى ذهنها.

*لن تفهم.*

*حتى إن تحررتُ أخيرًا من حُرّ...*

ضغطت على شفتيها ومضت في الظلام.

*فأمي لن تتحرر منه معي.*

بلغت دنيا الخيمة، وقد سبقها إليها صخب النساء وضحكاتهن المتداخلة. لم تستغرب؛ فهي مأدبة في نهاية الأمر.

رفعت طرف الستر ودخلت بخفة.

كانت الخيمة أوسع من خيمتهم بكثير، وقد ازدحمت بنساء من مختلف الأعمار. جلست كبيرات السن في مؤخرتها، متحلقات حول صحاف وأوعية وُضع فيها السمن والعسل والجبن. بدا منظر الطعام القليل في تلك الصحاف الواسعة غريبًا بعض الشيء؛ فقد اعتادت دنيا أن تراها عامرة بلحم الماعز أو الضأن في الولائم الكبيرة.

وعن اليمين تجمعت الفتيات اللواتي يقاربنها سنًا، متربعات فوق البُسُط، وبينهن أقداح من اللبن والتمر.

استقبلن دنيا بالترحاب حين دنت منهن، وإن بدا لها أن أكثرهن لا يعرفنها إلا بالاسم. وما إن تجاوزت إحداهن بعد السلام حتى سمعتها تهمس في أذن صاحبتها، ثم التفتتا إليها معًا.

*لهذا أكره المآدب.*

لم تحب دنيا التجمعات قط، وكانت أمها تسمح لها في العادة بالبقاء في الخيمة إن شاءت.

لكن هذه الليلة مختلفة.

*إن أرضيتها بما يكفي، لعلها تنسى سالم وحُرّ قليلًا.*

وربما...

*تعود إليّ.*

أثناء تبادلها السلام مع الفتيات، وقعت عيناها على واحدة من رفيقاتها القديمات.

«دنيا!»

نهضت عالية إليها مسرعة.

«يا ويلتي من جمالك! حسبتك دلال للحظة.»

قهقهت ثم احتضنتها.

للحظة قصيرة، ظنت دنيا أنها حصلت أخيرًا على العناق الذي كانت تحتاج إليه منذ خروجها من خيمتهم.

ثم أحست بذراعي عالية الباردتين حولها.

*لا.*

*إنه عناق المنافقات نفسه.*

*جاف وكاذب مثلهن.*

كانت عالية ذات وجه ممتلئ، تنتشر على وجنتيها بثور صغيرة حمراء. وقد ارتدت لهذه الليلة ثوبًا من الكتان الأبيض، تتخلله خطوط خضراء وحمراء.

*ثوب جميل.*

رفعت دنيا عينيها إلى وجهها.

*ياللأسف.*

بادلتها العناق بذراع واحدة، ورسمت على شفتيها ابتسامة مهذبة.

ابتعدت عالية عنها قليلًا، ثم سألت:

«أين أمك؟»

حدقت في عيني دنيا بفضول.

لم تتردد دنيا.

«حُرّ واهن اليوم، ومتعب جدًا. أرادت أن تبقى بجانبه.»

عقدت عالية حاجبيها بأسى، فراقبتها دنيا بصمت.

*وكأن وجهك يحتمل مزيدًا من العبوس.*

«حبيبي المسكين...» قالت عالية. «لم أره منذ زمن. كيف حال قميص الصوف الذي نسجته له؟»

*آه.*

*بالطبع.*

*القميص.*

*ليس حُرًّا.*

قالت دنيا بنبرة يملؤها الأسف المصطنع:

«للأسف، أصاب جلده حكة واحمرارًا شديدين منه، فاضطررنا إلى رميه.»

لم يرموه.

شهقت عالية، ووضعت يدها على فمها.

«يا ويلتي! أعذري سذاجتي. كان ينبغي أن أعرف أن الصوف قد يؤذيه. لا بد أن أنسج لكم شيئًا آخر... ولكِ ولأمك أيضًا، تعويضًا.»

ابتسمت دنيا ابتسامة صغيرة.

*بربك، لا.*

وقالت:

«لا داعي. عنده من القمصان ما يكفيه.»

مشتا معًا إلى حيث تجمعت الفتيات، وجلستا متربعتين إحداهما إلى جوار الأخرى. وضعت عالية أمامها قدحًا فيه تمر، فيما تناولت دنيا قدحًا من اللبن.

استمر الحديث بينهما لبعض الوقت.

كانت عالية تتحدث.

ودنيا تهز رأسها.

لكن عقلها لم يكن معها.

عاد إليها سالم.

ثم حُرّ.

ثم ذلك الوجه الشاحب تحت العمامة.

همّام.

أرادت أن تعرف من يكون هذا الفتى حقًا. من يكون الشاب الذي اختاره أخوها رفيقًا له، والذي خرج معه ومع حُرّ دون أن يخبر أحدًا؟

وهل ينوي فعلًا أن يرحل معهما إلى غير رجعة؟

لم تعد الأقاويل التي تسمعها عنه تكفيها. فما فائدة كلام أناس لم يجلس أكثرهم معه يومًا؟

تذكرت فجأة أن له جدة تعيش في المضرب.

*أم زكريا.*

لعلها تكون هنا.

ولعلها تعرف شيئًا.

*ربما يجدر بي أن—*

«دنيا؟»

رمشت.

كانت عالية تحدق بها بملامح مستنكرة.

«ما بالك تسرحين هكذا؟»

«المعذرة... ماذا قلتِ؟»

تنهدت عالية.

«رقصة الولادة.»

عقدت دنيا حاجبيها.

«رقصة الولادة؟»

مالت عالية نحوها قليلًا وقالت بصوت أخفض:

«يقولون إن من يرقصها يُولد من جديد. وإن لكل واحد منا رقصة واحدة منها في حياته.»

نظرت إليها دنيا باستغراب.

«أليست هي الرقصة التي تختار فيها الفتاة أمَّ زوجها؟»

انفجرت عالية ضاحكة.

«ذلك معناها الممل.»

أخذت تمرة من القدح، ثم أضافت وكأن شيئًا خطر لها:

«آه، صحيح... دنيا، هناك أمر أردت أن أخبرك به منذ زمن.»

كانت دنيا قد بدأت تفكر في النهوض وترك ذات وجه البعير لتبحث عن أم زكريا.

لكن الجملة التالية أوقفتها.

«لقد حلمت بك.»

التفتت إليها دنيا.

هذه المرة باهتمام حقيقي.

استقامت عالية في جلستها.

«رأيت أن من واجبي أن أحكيه لك. تعرفين ما يقال عن بعض الأحلام، وأنها—»

«ما الحلم؟»

قطعتها دنيا بلا اكتراث.

حدجتها عالية بنظرة مستنكرة، ثم صرفت وجهها عنها ونظرت إلى قدح اللبن الموضوع بينهما.

وحين تكلمت ثانيةً، اختفت الخفة من صوتها.

«كنتِ ترقصين.»

سكتت لحظة.

«وكانت الدموع تنحدر من عينيك... لكنها لم تكن دموعًا.»

شعرت دنيا بأن أصابعها ثبتت حول حافة قدحها.

تابعت عالية:

«كان دمًا. داكنًا، يكاد يميل إلى السواد.»

رفعت دنيا عينيها إليها.

لكن عالية لم تنظر إليها.

«وكنتِ تواصلين الرقص، كأنك لا تشعرين بشيء.»

ثم صمتت.

قالت دنيا:

«وبعد؟»

«تحت قدميك كان هناك بعيران.»

رفعت عالية عينيها إليها أخيرًا.

«كانا منبطحين على الأرض. الشمس فوقهما حارّة، والرمال حولهما تكاد تحترق... لكنهما كانا باردين.»

سكتت.

«ساكنين.»

ثم أردفت:

«ميتين.»

سرت برودة غريبة خلف عنق دنيا، فانتفض الوبر الدقيق على ذراعيها.

لم تكن ممن يملأون رؤوسهم بالأحلام والرؤى، ولم تكن تصدق كل عجوز تزعم أن نومها يكشف الغيب.

لكن...

كان الحلم عنها.

وهذا وحده أثار فضولها أكثر مما أحبت أن تعترف.

*بعيران؟*

*ودم؟*

نظرت إلى عالية، إلا أن الأخيرة كانت قد التفتت إلى فتاة تجلس في الجانب الآخر، وبدأت تحدثها كأن دنيا لم تعد موجودة.

*حسنًا.*

لم تكترث.

وضعت قدحها جانبًا، ثم نهضت، وتخطت بحذر الأقداح وأطراف أثواب الفتيات حتى خرجت من دائرتهم.

اتجهت إلى مؤخرة الخيمة، حيث جلست كبيرات نساء القبيلة.

كان هناك نحو اثنتي عشرة امرأة متفرقات عند أطراف البساط. بعضهن يأكلن، وبعضهن يتحدثن بصوت منخفض، وأخريات يراقبن ما يدور في الخيمة بصمت.

توقفت دنيا.

*من أسأل؟*

راحت عيناها تنتقلان بين النساء حتى وقعتا على امرأة في أواسط العمر، جلست مستقيمة الظهر وهي ترتدي ثوبًا فاخرًا ناعم النسيج، بدا أثمن من معظم ما في الخيمة. وكانت جميلة الوجه على الرغم من تقدمها في السن، حسنة القسمات، مرتبة الهيئة.

كادت دنيا تمدح ثوبها قبل أن تتكلم.

*لا.*

*لا تبدئي بالتملق.*

دنت منها وجلست إلى جوارها على ركبة واحدة.

«يا خالة، أتعرفين أين أم زكريا؟»

نظرت المرأة إليها، ثم ابتسمت ابتسامة لطيفة.

لم تقل شيئًا، وإنما أشارت بإصبعها إلى زاوية بعيدة من الخيمة.

تبعت دنيا إشارتها.

وهناك...

جلست عجوز وحدها.

كانت تأكل الجبن المغموس بالعسل من قدح صغير بين يديها. امرأة ممتلئة الجسد، قصيرة العنق، بوجه أثقلته السنون. أنفها معقوف قليلًا، عريض الطرف، وعلى أحد خديها شامة داكنة كبيرة. تناثر الشيب في شعرها المجعد، وخرجت منه خصلات قليلة من تحت خمار ترابي اللون.

وكانت ترتدي ثوبًا صوفيًا قديمًا بلون وردي باهت، أكل الزمن شيئًا من لونه.

حدقت دنيا فيها.

*هذه جدة همّام؟*

ثم مالت برأسها قليلًا.

*حسنًا...*

*كان ينبغي أن أعرف أن كل الجمال في تلك الأسرة قد انتهى عند الحفيد.*

مشت دنيا نحو العجوز، وحين بلغت زاويتها جثت أمامها على ركبتيها.

كانت أم زكريا تحدق بعينٍ نحو الأعلى، فيما ظلت الأخرى معلقة بالقدح الصغير بين يديها. ارتعشت أصابعها بعنف وهي تحاول أن تلتقط قطعة من الجبن، وكأنها لم تشعر بدنيا أصلًا.

بدت غارقة في عالم لا يشاركها فيه أحد.

قالت دنيا بصوت رقيق:

«أم زكريا؟»

لم ترفع العجوز رأسها في الحال.

كان ظهرها مقوسًا بشدة حتى أجبرها على النظر إلى الأرض، ثم أخذت ترفع وجهها شيئًا فشيئًا، ببطء يكاد يكون مؤلمًا، حتى التقت عيناها بعيني دنيا.

اتسعت ملامحها بشيء من الأمل.

«ميثاء؟»

قالتها بصوت حزين، مرتعش.

لم تعرف دنيا من تكون ميثاء.

*لكنها تنتظرها على ما يبدو.*

وبقدر ما تعرف، لم يكن لأم زكريا ابنة ولا حفيدة تعيش معها.

ابتسمت دنيا ابتسامة لطيفة، ثم وضعت كفها برفق على ركبة العجوز.

وقالت بصوت رخيم:

«نعم. هل تريدين شيئًا؟»

تغير وجه أم زكريا فجأة.

«لِمَ لم يعطوني سمنًا؟»

رفعت قدحها قليلًا وهي تتذمر:

«قلت لهم إنني أريد السمن.»

قالت دنيا:

«لم يبقَ منه شيء يا أم زكريا.»

توقفت العجوز.

حدقت بها.

«هاه؟»

ثم ضيقت عينيها.

«من أنتِ يا فتاة؟»

*ذاكرتها أسوأ مما توقعت.*

كادت دنيا تزفر بضيق، لكنها تماسكت.

*هذا أفضل.*

*أستطيع أن أجعلها تتحدث.*

قالت بهدوء:

«أنا ميثاء يا أم زكريا.»

لان وجه العجوز من جديد.

«آه... ميثاء.»

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«هل قبلتِ همّام؟»

ثبتت دنيا نظرها عليها.

لم تفهم في بادئ الأمر.

*قبلته؟*

ثم أدركت.

الزواج.

خاطب، إذًا؟

مرت الفكرة في رأسها على نحو غريب.

منذ ذلك اليوم المشؤوم، لم يتقدم لها رجل واحد من بني طهر. ولم تكن تفكر في الأمر كثيرًا... أو هكذا كانت تخبر نفسها.

مررت كفها برفق فوق ركبة العجوز.

«ما زلت أفكر في الأمر.»

انكمش وجه أم زكريا باستياء.

«ولِمَ؟»

ثم أضافت، كأن الجواب بديهي:

«حسن الوجه، ورجل في زمن قلَّ فيه الرجال.»

كادت دنيا تبتسم.

*على الأقل لسنا مختلفتين في هذه.*

قالت بلطف:

«أريد فقط أن أعرفه أكثر.»

مالت قليلًا نحوها.

«أنت تعرفينه أكثر من غيرك. كيف طباعه؟ أي رجل هو؟»

حدقت أم زكريا فيها لبرهة.

ثم ابتسمت.

وأعادت يدها المرتجفة إلى قدحها، وأخذت قطعة أخرى من الجبن.

وعندها وقع بصر دنيا على ذراعها.

تجمدت.

كان كم الثوب قد انزلق قليلًا إلى الخلف.

وتحت القماش...

ندوب.

كثيرة.

متوازية.

طويلة، رفيعة، بعضها شاحب قديم، وبعضها أعمق من غيره.

انعقد حاجبا دنيا.

*ما هذه؟*

مالت إلى الأمام.

لم تكن آثار حروق.

ولا خدوش شوك.

كانت أشبه بآثار حدٍّ حاد.

حديد.

شعرت بشيء بارد ينزل في جوفها.

من غير أن تفكر، أمسكت طرف كم العجوز وسحبته قليلًا إلى الأعلى.

ظهرت ندوب أخرى.

وأخرى.

حتى امتلأ الساعد كله بخطوط متقاطعة شوهت الجلد.

حبست دنيا أنفاسها.

*السلاح الملعون...*

صار الهواء أثقل في صدرها.

نظرت أم زكريا إلى ذراعها.

واختفت ابتسامتها.

في لحظة واحدة، انهار وجهها تحت حزن عميق.

«حبيبي...»

ارتجفت شفتاها.

«همّام، حبيبي...»

تراجعت دنيا قليلًا.

ثم شهقت العجوز.

«لا تجرح نفسك.»

اتسعت عينا دنيا.

«لا تجرح نفسك!»

ارتفع صوت أم زكريا فجأة.

بدأت الدموع تنحدر من عينيها.

«لا تجرح نفسك يا عزيزي!»

أسرعت دنيا إلى إنزال الكم فوق ذراعها من جديد.

«اهدئي، أنا—»

لكن العجوز لم تعد تراها.

«لا تجرح نفسك!»

ثم صرخت:

«اجرحني أنا يا عزيزي! اجرحني أنا!»

سكتت الخيمة.

انقطعت الأحاديث واحدة تلو الأخرى.

التفتت الوجوه نحو الزاوية.

تراجعت دنيا خطوة.

ثم أخرى.

وقفت عاجزة، لا تدري ماذا تفعل.

بدأت النساء ينادين من خلفها:

«ميثاء!»

«أين ميثاء؟»

«نادوا ميثاء! أم زكريا تحتاج إليها!»

شعرت دنيا بالعيون تحاصرها.

*لا.*

لم تكن تريد أن تبقى لحظة أخرى.

استدارت ومضت مسرعة بين النساء، اصطدمت بكتف إحداهن وكادت تدوس قدحًا بجانب أخرى، لكنها لم تعتذر.

كل ما أرادته هو الخروج.

بلغت باب الخيمة، رفعت الستر واندفعت إلى الخارج.

توقفت هناك.

وضعت يدًا على صدرها وأخذت تستنشق الهواء البارد سريعًا.

*من هذا الذي خرج مع أخي؟*

عادت صورة الندوب.

ثم كلمات العجوز.

*لا تجرح نفسك.*

*اجرحني أنا.*

ودخل حُرّ في خاطرها.

تبدد شيء من الراحة التي شعرت بها منذ رحيله.

*ماذا لو لم يكن آمنًا؟*

*كيف قبلت الفكرة بهذه السهولة؟*

*كيف تمنيت ألا يعود؟*

أغمضت عينيها.

*لا.*

إعلان

*سالم معه.*

*وسالم لن يسمح لأحد أن يؤذيه.*

فتحت عينيها.

*وخروجهما من المضرب أفضل لهما.*

*إنه الأفضل.*

لكن اسمًا واحدًا ظل يزعجها.

همّام.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أبعدت الفكرة عن رأسها ومضت نحو خيمتها.

كان الليل قد استقر تمامًا، وزال آخر أثر للغسق. واشتد النسيم حتى صار باردًا بحق، فيما لم يكن ثوبها الكتاني كافيًا لرد البرد عنها.

أسرعت في خطاها.

وسرعان ما ظهرت لها خيمتهم الصغيرة المتواضعة، ضئيلة إذا ما قورنت بخيمة أم طارق.

رفعت الستر ودخلت.

كانت أمها لا تزال في الموضع نفسه.

لكن دلال التفتت فور سماعها صوت الستر.

بدت أشد إنهاكًا من قبل. انتفش شعرها قليلًا، كأنها ظلت تمرر أصابعها فيه طوال الوقت، واحمرت عيناها من البكاء والسهر.

حدقت في دنيا باستغراب مشوب بالانزعاج.

«ما بك؟ لِمَ عدتِ؟»

توقفت دنيا عند المدخل.

«لقد...»

بحثت عن شيء تقوله.

«شعرت بتوعك في بطني. شديد.»

ضيقت دلال عينيها.

«توعك؟»

لم تعرف دنيا ماذا تفعل.

ففي نهاية الأمر، ستسمع أمها ما حدث من النساء.

قالت بسرعة:

«إن شئتِ أعود—»

«هل فقدتِ عقلك؟»

تجمدت دنيا.

اعتدلت دلال في جلستها.

«تعودين الآن بعدما ودعتِ النساء؟»

سكتت لحظة.

ثم تغير وجهها.

«لا تقولي لي إنك لم تودعيهن أصلًا.»

خفضت دنيا نظرها إلى الأرض.

«دنيا.»

لم تجب.

ارتفع صوت أمها:

«أجيبيني! هل ودعتِ النساء أم لا؟»

قالت دنيا بصوت واهن:

«لا يا أمي.»

حدقت دلال بها طويلًا.

ثم قالت دنيا سريعًا:

«اعذريني يا أمي، أنا—»

«على ماذا؟»

ارتفع صوت دلال فجأة.

«على ماذا أعذرك؟»

شهقت وهي تحاول ضبط نفسها.

«حتى وأنا في أسوأ حالاتي، لا أستطيع أن أطمئن إلى أن أحدًا سيقوم بما أطلبه؟»

نهضت إلى جلوسها.

«واجب واحد يا دنيا.»

رفعت إصبعًا مرتجفًا.

«واحد.»

ثم صرخت بصوت مبحوح:

«بسيط! بسيط!»

ارتجفت دنيا.

كانت يداها قد بدأتا ترتعشان.

«إن كان هناك شيء أفعله لأعوض ما فعلت...»

خرج صوتها مكسورًا.

ضحكت دلال ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

«تعوضين؟»

حدقت بها.

«أتريدين أن تعوضيني؟»

ثم تغير وجهها.

انكسر صوتها من جديد.

«أعيدي لي طفلي.»

شعرت دنيا بشيء يغرس في حلقها.

قالت دلال:

«أعيدي لي حُرًّا.»

نزلت دمعة على خدها.

«لا أريد سواه.»

ثم أشاحت بوجهها.

«وغير ذلك... لا أريد أن أرى أحدًا.»

لم تستطع دنيا التنفس.

شعرت كأن خنجرًا استقر في حنجرتها.

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

رفعت رأسها ببطء.

ارتجف وجهها كله.

انتظرت لحظة، كأن الكلمات تقاوم الخروج.

ثم قالت:

«أنا طفلتك يا أمي.»

التفتت دلال إليها.

«ماذا قلتِ؟»

ارتجفت شفتا دنيا.

ثم صرخت:

«أنا طفلتك!»

ساد الصمت.

«أنا أيضًا طفلتك!»

انهمرت الدموع من عينيها.

«كل يوم أغسل جسده.»

شهقت.

«كل يوم أغسل ثيابه. كل يوم أطعمـه، وأجلس معه، وأجبره على ابتلاع أعشابه حين يرفض.»

حدقت دلال بها مذهولة.

لكن دنيا لم تعد تستطيع التوقف.

«هل قلتِ لي يومًا: أريد ابنتي؟»

تقطع صوتها.

«هل قلتِ لي يومًا: حبيبتي؟»

اهتز صدرها مع شهقة أخرى.

«لا.»

مسحت دموعها بعنف.

«كل ما أحصل عليه هو الصراخ والتوبيخ إن أخطأت في شيء واحد، بعد كل ما فعلته! بعد كل ما فعلته دون أن أشكو!»

«دنيا—»

«هل أخبرتك يومًا أن رائحة جلد حُرّ تثير غثياني حتى أكاد أتقيأ وأنا أغسله؟»

اتسعت عينا دلال.

«هل أخبرتك أنني لا أريد الحديث مع سالم؟ أنني لا أرتاح إليه أكثر مما لا ترتاحين أنتِ إليه؟»

بدأ صوت دنيا يعلو أكثر.

«ومع ذلك أنا من تقفين بينكما! أنا من تنادينها كل مرة لأنك لا تريدين الكلام معه!»

ضربت كفها على صدرها.

«أنا!»

اختنق صوتها.

«وماذا عني أنا؟»

ارتجفت شفتاها.

«ماذا عني يا أمي؟»

لم تتحرك دلال.

«ماذا فعلا لك أكثر مما فعلت أنا؟»

كانت الكلمات تخرج وسط شهقاتها.

«ماذا أعطاك سالم؟ وماذا أعطاك حُرّ... وأنا التي بقيت هنا؟»

سكتت لحظة.

ثم قالت بصوت أخفض، أشد ألمًا:

«سمعتِ النساء، أليس كذلك؟»

عقدت دلال حاجبيها.

«سمعتِ ما يقلنه.»

ارتعش فك دنيا.

«دلال لم يبقَ لها ابن.»

نزلت دمعة أخرى.

«لم يبقَ لها إلا ابنة.»

حدقت دلال بها.

لم تعرف ماذا تقول.

ودنيا، الواقفة أمامها، كانت ترتجف من رأسها حتى قدميها.

انتظرت.

لحظة واحدة فقط.

أي كلمة.

لكن أمها لم تقل شيئًا.

وهذا كان أسوأ من الصراخ.

استدارت دنيا فجأة وخرجت من الخيمة.

ركضت.

لم تعرف إلى أين.

كل ما عرفته أنها أرادت الابتعاد.

ركضت خلف الخيام نحو التل، تمسح دموعها بكفها وهي تتعثر بين الحجارة. كان ثوبها الطويل يعوق ساقيها، وكانت يدها الأخرى تقبض على خمارها حتى لا ينتزعه الهواء.

ركضت حتى آلمها صدرها.

حتى صار المضرب خلفها.

حتى لم تعد تسمع أصوات النساء.

وحين بلغت سفح التل، لم تعد ساقاها تحملانها.

انهارت على ركبتيها فوق التراب.

اتسخ طرف ثوبها.

وغاصت ركبتاها في الرمل والحصى.

لكنها لم تكترث.

انحنت إلى الأمام وهي تلهث، ثم غطت وجهها بكفيها.

ولأول مرة منذ اختفاء أخويها...

سمحت لنفسها أن تبكي.

*لِمَ أنا؟*

انحنت دنيا فوق ركبتيها، وأنفاسها تتقطع بين شهقة وأخرى.

*لِمَ أنا من بين فتيات بني طُهر كلّهن؟*

*لِمَ لُعنت بهذه الحياة المرّة؟*

ثم جاءت الفكرة.

بطيئة.

ثقيلة.

وكأن عقلها نفسه يخشى أن ينطقها.

*لو...*

حبست أنفاسها.

*لو لم يولد...*

رفعت رأسها فجأة.

اتسعت عيناها من هول ما فكرت فيه.

*هل حقًا قسا قلبي؟*

بقيت على ركبتيها لحظات، تحدق في التل الممتد أمامها.

ثم تذكرت حُرًّا.

كان يحب هذا التل.

كم مرة أصر على الصعود إلى قمته وهو يحمل جلد الماعز الذي يتزحلق عليه؟

تذكرت يومًا قال لها، بكل جدية طفل:

«سأتزحلق على كل تل في الدنيا، ثم أختار أيها أكثر متعة.»

خرجت من دنيا قهقهة صغيرة وسط دموعها.

قهقهة رقيقة، مكسورة.

كانت غاضبة منه ذلك اليوم. أجبرته على العودة مبكرًا لأن حرارة الشمس أتعبته.

وقد غضب منها.

كان يريد أن يلعب فحسب.

أن يلعب كما يلعب الصبية الآخرون.

لكن جسده لم يكن يسمح له بذلك.

وأعشابه الملعونة لم تكن تفارقه.

نهضت دنيا ببطء، ومسحت التراب عن ركبتيها، ثم أخذت تصعد التل.

ومع كل خطوة، عادت إليها ذكرى.

ذكريات كانت شاقة حين عاشتها.

لكن تذكرها الآن كان أشد قسوة.

تذكرت مرة حاولت فيها أن تجعله يلعب مع بقية الصبية.

كانوا يأخذون جلد الماعز الذي يتزحلق عليه، ويركضون به بعيدًا عنه.

وحُرّ...

كان يبكي.

دائمًا يبكي.

قبضت دنيا على طرف خمارها.

*هل حقًا قسا قلبي؟*

ثم جاءت ذكرى أخرى.

كان جالسًا على التراب، يراقبها.

وقال لها:

«لِمَ لا تلعبين أنتِ؟»

لم تفهم يومها.

«ماذا؟»

«أنتِ تشاهدينني دائمًا. لِمَ لا ألعب أنا وأشاهدك؟»

اشتدت قبضة دنيا على خمارها.

ثم أرخته.

رفعت يدًا ومسحت عينيها.

حدقت في أصابعها المبتلة طويلًا.

هذه المرة...

كانت تبكي من أجل حُرّ.

ظل وجهها ساكنًا للحظات.

ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة صغيرة.

لطيفة.

حقيقية.

وفجأة—

ارتفعت أصوات من خلفها.

تجمدت الابتسامة.

استدارت.

وانقبض قلبها.

خيمتهم.

كان الرجال يحيطون بها.

نحو اثني عشر رجلًا تجمعوا حول المدخل، بعضهم يصيح، وبعضهم يلوح بيديه غاضبًا.

*أمي.*

تحركت دنيا خطوتين.

ثم أسرعت.

كلما اقتربت، ازدادت الأصوات وضوحًا.

«يا أم سالم!»

«اخرجي يا أم سالم!»

لم تكن صيحاتهم صيحات رجال يريدون الحديث.

كان فيها غضب.

وحسرة.

وخوف.

انحرفت دنيا نحو خلف الخيمة.

كان هناك شق صغير في نسيجها اعتادت أن تتسلل منه، مدخل ضيق لم تكن أمها تعرف عنه شيئًا.

انحنت وزحفت من خلاله.

وحين دخلت، رفعت رأسها.

كانت دلال في زاوية الخيمة.

جالسة على الأرض، ضامة ساقيها إلى صدرها.

ترتجف.

شهقت حين رأت ابنتها تدخل من الخلف.

«دنيا!»

زحفت دنيا نحوها.

«ما الذي يحدث؟ ماذا يريد هؤلاء الرجال؟»

تطلعت إليها دلال بعينين مذعورتين.

«لا أعلم...»

هزت رأسها بسرعة.

«لا أعلم. يرددون اسم سالم... سالم...»

انقبض وجهها.

ثم قالت بصوت يملؤه الأسى:

«إلى متى؟»

حدقت في الأرض.

«إلى متى علينا أن نحمل خطاياه؟»

رفعت وجهها إلى دنيا.

«إلى متى عليّ أن أتحمل ما يصنعه؟»

لم ترَ دنيا أمها بهذا الشكل من قبل.

بهذا الضعف.

بهذا الخوف.

قالت، بعد تردد:

«لِمَ لا تخرجين وترين ما يريدون؟»

ازداد انكماش وجه دلال.

حدقت في البساط.

وسكتت.

ثم رفعت رأسها.

كانت عيناها مبتلتين، ووجهها واهيًا شاحبًا.

قالت بصوت خافت:

«أنا... خائفة.»

دخلت الكلمة في قلب دنيا كسهم.

ظلت تنظر إلى أمها.

أمها...

خائفة.

أغمضت دنيا عينيها وأخذت نفسًا عميقًا.

ثم استدارت.

ومشت نحو مدخل الخيمة.

كانت كل خطوة أثقل من سابقتها.

والصيحات خلف الستر تزداد ارتفاعًا.

دق قلبها بقوة حتى آلمها صدرها.

وقبل أن ترفع الستر، شدت خمارها وأسدلته على نصف وجهها.

وضعت يدها على القماش.

وسألت نفسها للمرة الأخيرة:

*هل حقًا قسا قلبي؟*

ثم خرجت.

انخفضت الأصوات دفعة واحدة.

التفت الرجال إليها.

ساد صمت غريب.

خفض بعضهم أبصارهم عنها احترامًا، فيما ظل آخرون ينظرون إليها بوجوه متجهمة.

قال رجل من بينهم:

«أم سالم؟»

ورد آخر:

«ابنتها.»

تقدم شاب قصير القامة، وكان الغضب بادياً على وجهه.

«لِمَ لا تخرج لنا العجوز؟»

غلى الدم في عروق دنيا.

قالت بحدة:

«أمور النساء ليست من شأن الرجال.»

صاح رجل طاعن في السن من الخلف:

«هذه ليست مسألة رجال ونساء!»

خطا إلى الأمام.

«هذه مسألة حياة وموت!»

*حياة وموت؟*

شعرت دنيا بقبضة باردة حول قلبها.

قالت:

«أمي لا تريد الخروج. وهي حرة في ذلك، كما أنكم أحرار في حصار مسكننا على ما يبدو.»

تحرك رجل من بين الحشد.

عرفته دنيا فورًا.

الابن الأصغر للشيخ.

كان مرتب الهيئة، بثياب نظيفة، ووجه طويل يشبه وجه أبيه، وحاجبين رفيعين، وأنف مكسور الانحناء قليلًا.

وقف أمامها، لكنه أبقى بصره منخفضًا.

تنهد.

وقال بصوت متعب:

«أبو صالحة... الرجل العجوز.»

سكت لحظة.

«وجده أحد رجالنا اليوم.»

شعرت دنيا بشيء ينقبض في معدتها.

تابع:

«كان وحده. ينزف. ساقه مكسورة، وقد فقد وعيه.»

رفعت دنيا عينيها إليه.

«وقبل أن يموت...»

توقف.

«ظل يتمتم بكلمتين.»

لمعت عيناه نحوها لحظة.

«ابن زكريا.»

ثم قال:

«وابن مالك.»

هبط الصمت على دنيا.

ابن زكريا.

همّام.

وابن مالك.

سالم.

شعرت كأن الأرض تحتها مالت.

لكنها أجبرت نفسها على الثبات.

قال ابن الشيخ:

«نظن أن أحدًا اعتدى عليه، وبما أنه ذكر اسم أخيك—»

قاطعه الشاب القصير بعنف:

«نظن؟!»

التفت الجميع إليه.

«حاول قتله ليستأثر بالغيث! من غيره يفعلها؟ سالم الدامي—»

لم يكمل.

استدار ابن الشيخ وصفعه صفعة دوّت بين الخيام.

تراجع الشاب وهو يمسك خده.

قال ابن الشيخ ببرود:

«ستحاسب على نطق ذلك الاسم.»

لم تسمع دنيا بقية الكلمات.

*سالم الدامي.*

ذلك الاسم.

ذلك الاسم الملعون الذي منع الشيخ الناس من استخدامه منذ سنين.

عاد إليها دفعة واحدة.

سالم...

قتل رجلًا؟

بدأت يداها ترتجفان.

قالت بصوت خرج أضعف مما أرادت:

«أرجوكم...»

لم يسمعها أحد.

رفعت صوتها:

«أرجوكم!»

سكت الرجال.

«اتركونا وشأننا!»

شهقت.

«لا علاقة لنا بما فعل! لقد ذهب من غير أن يخبرنا!»

ثم خرجت الكلمات قبل أن تستطيع منعها:

«وخطف أخي الصغير معه!»

ساد الصمت.

حتى ابن الشيخ رفع رأسه إليها.

«خطف أخاك؟»

توقفت دنيا.

كأنها لم تستوعب ما قالته إلا بعد أن سمعته بصوتها.

فتحت فمها.

ثم أغلقته.

قالت أخيرًا:

«أرجوكم... اتركونا.»

ارتجف صوتها.

«لقد تعبنا.»

ظل ابن الشيخ ينظر إليها لحظة.

ثم أومأ.

استدار نحو الرجال ورفع صوته:

«كل واحد إلى خيمته! الآن!»

لم يتحرك بعضهم.

فصاح:

«لا يقترب أحد من مسكن أم سالم وابنتها. انتهى الأمر.»

تذمر الرجال.

تمتم بعضهم بكلمات غاضبة.

لكنهم بدأوا يتفرقون واحدًا تلو الآخر.

بقيت دنيا واقفة حتى ابتعد آخرهم.

ثم استدارت.

رفعت الستر ودخلت الخيمة.

وما إن تجاوزت المدخل حتى خارت ساقاها.

سقطت على ركبتيها.

وضعت يديها على الأرض، تتنفس بصعوبة.

لم تستطع حتى رفع رأسها.

ثم—

أحاط بها ذراعان.

تجمدت.

شدتها دلال إلى صدرها بقوة.

دُفن نصف وجه دنيا في كتف أمها.

في البداية، لم تستوعب ما يحدث.

لم تتحرك.

فقط شعرت بأمها تحتضنها.

بقوة.

بقوة كأنها تخشى أن تفقدها هي الأخرى.

كان جسد دلال يهتز مع بكائها.

قالت وسط شهقاتها:

«فعلها؟»

ثم شهقت.

«فعلها مرة أخرى؟»

كان صوتها قد تحطم تمامًا.

«ابنتي...»

اتسعت عينا دنيا.

«ابنتي... حبيبتي...»

امتلأت عيناها بالدموع.

تلك الكلمات.

أخيرًا.

تلك الكلمات التي انتظرتها طوال حياتها.

لفت ذراعيها حول أمها.

وضمتها بقوة.

قالت دلال، بصوت يرتجف:

«آسفة...»

أغمضت دنيا عينيها.

وانسابت دموعها بصمت.

ثم سمعت أمها تهمس:

«لم يبقَ لي غيرك.»

إعلان

كيف وجدت الرواية؟

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق