بينما اندفع الناس مبتعدين عن الصخرة الكبرى، ظل سالم وهمّام في موضعهما.
جامدين كأنهما صخرتان أخريان بين الصخور.
كان سالم لا يزال عالقًا في متاهة أفكاره؛ يرى ما لم يحدث بعد، ويحلم بما قد تحمله له الأيام إن وجد الغيث.
لم يشعر بالناس وهم يتفرقون في كل ناحية، يهرعون إلى خيامهم وخيلهم، وكل واحد منهم يريد أن يسبق غيره ولو بخطوة.
وفجأة انطبقت يد خشنة على كتفه.
صاح همّام: "علينا أن نتحرك الآن! إلى الخيل!"
انتفخ عرق في جبينه وهو يتكلم.
انتفض سالم من شروده وهز رأسه.
قفزا من فوق الصخرة وانطلقا.
كان بعض القوم يسرعون إلى خيامهم ليأخذوا زادًا وماءً، وبعضهم قصد الخيل من فوره. أما من لم يكن له فرس ولا بعير، فانطلق إلى الفلاة على قدميه.
كان أكثر الخارجين من الرجال، غير أن نساءً خرجن كذلك؛ أرامل، أو نساءً لم تترك لهن الأيام رجلًا يعتمدن عليه.
ركض سالم وهمّام نحو طرف المضرب، حيث كان مربط خيل بني طُهر.
اشتدت ملامح سالم.
وركض كأن حياته معلقة بقدميه.
ولعلها كانت كذلك.
فلم يكن الأمر في عينيه بحثًا عن ناقة.
كان يركض نحو حياة لم يصدق قط أنه يستحقها.
نحو شيء ظل بعيدًا عنه حتى حسب أنه لن يبلغه ما عاش.
جاراه همّام في الركض.
لكن شيئًا فيه أقلق سالم.
كان وجهه مختلفًا.
اتسعت عيناه أكثر من عادتهما قليلًا، وارتفع ذقنه، وعلى شفتيه ابتسامة ضئيلة كشفت طرف أسنانه.
كأن همّام قد رحل إلى عالم آخر...
ومع ذلك لم يغب عنه شيء من هذا العالم.
بلغا مربط الخيل عند خيمة صغيرة في طرف المضرب.
فتوقف سالم.
كانت معظم الخيل قد ذهبت.
كان يعلم أن القوم سيسبقونهم إلى كثير منها.
لكنه لم يتوقع هذا.
لم يبق إلا خمسة أفراس.
وفي اللحظة التي وصلا فيها، كان رجلان يمتطيان اثنين منها.
ثم انطلقا.
ثلاثة.
لم يبق سوى ثلاثة.
ضاق صدر سالم.
وتسلل إلى ذهنه خاطر لم يرد له أن يأتي.
**أيمكن هذا أصلًا؟**
كان نحو مئة رجل وامرأة قد خرجوا في طلب الغيث.
فما فرصته هو؟
وهمّام؟
بل إنهما، على خلاف كثير ممن سبقوهما، بدآ السباق وهما مثقلان بما ليس على غيرهما.
وضع سالم كفه على جبينه.
أخذ صداع خافت ينبض في رأسه.
وكلما أسرعت أفكاره...
ثقل رأسه أكثر.
رمقه همّام بنظرة صارمة، ثم توجه إلى الرجل القائم على خيل القبيلة وحراستها.
وحين اقترب منه، تبدلت ملامحه فجأة.
ارتسمت على وجهه ابتسامة لطيفة، حتى تجعد الجلد عند طرفي عينيه.
قال همّام: "السلام عليك يا عم... أنت راضي، أليس كذلك؟"
كان راضي قصير القامة، طويل اللحية، كثيف الحاجبين حتى تدلت بعض شعيراتهما فوق عينيه. لوحت الشمس جلده، واستقرت على وجهه ملامح رجل كأن الدنيا لا تكف عن إزعاجه.
نظر إلى همّام دون كلام.
ثم أومأ برأسه.
وفي الخلف، غاب الفارسان شيئًا فشيئًا في الفلاة.
تقدم همّام نحو فرس أسود جميل، يلمع شعره تحت الشمس.
مرر يده برفق على عنقه.
ثم نظر إلى راضي.
وقال: "فرس جميل."
سكت قليلًا قبل أن يتابع:
"إن وجدنا الغيث، جعلنا لك نصف ما نناله من الذهب."
رفع حاجبه.
"ما قولك يا عم؟"
ظل راضي ينظر إليه لحظات.
ثم انفجر ضاحكًا.
وقال: "أذهب عقلك يا ابن الشقراء؟ أتظن أنك أول غلام يأتيني بوعد لا يملك منه شيئًا؟"
عقد ذراعيه أمام صدره.
"ثم إن هذه الخيل أبقيتها لأصغر أبناء الشيخ، إن أراد أن يخرج في طلب الناقة."
هز رأسه.
"وتريدني بعد ذلك أن أأتمنكما عليها؟"
نظر إلى همّام مباشرة.
"لا أريد أن أسبكما يا غلام، ولا أعرف عنكما ما يكفي لأكرهكما."
ثم قال:
"لكنني أقول لك الحق. ليس لكما عند بني طُهر ما يجعل الرجل يأتمنكما على ماله."
أشار بيده كأنه يطرد ذبابة.
"فلا تنتظر مني أن أصدق وعدًا لا يصدقه فيكما أحد."
ثم ختم كلامه:
"اذهب إلى خيمة أمك."
خفتت ابتسامة همّام للحظة.
لحظة واحدة فقط.
ثم أعادها إلى وجهه.
ابتسامة مؤلمة.
مشدوة بالقوة.
أما سالم فاشتعل الدم في عروقه.
جاءت كلمات راضي لتصب الزيت على ما كان يضطرم في رأسه أصلًا من خوف وشك.
ضاق نفسه.
حُرّ...
أخوه الصغير.
إن أخفق سالم، فربما لن يشفى أبدًا.
والأسوأ من ذلك...
أن شيئًا لن يتغير.
سيبقى كل شيء كما كان.
لا.
لا بد أن يتغير.
**لا بد.**
انقبضت يد سالم حتى صارت قبضة.
ثم خطا نحو راضي، وقد انخفض حاجباه غضبًا.
انتبه همّام إليه في الحال.
فتقدم أمامه وأمسك كتفه بقوة.
همس: "اهدأ."
حاول سالم أن يتجاوزه.
فشد همّام قبضته وقال بصوت أخفض:
"لا تفسد ما بقي لنا من فرصة. أسألك يا سالم."
ارتفع صدر سالم وانخفض بعنف.
وانطبق فكه.
قال همّام: "تنفس."
لم يجبه.
كرر همّام:
"تنفس يا سالم."
أجبر سالم نفسه على أن يستنشق الهواء.
ثم أخرجه.
مرة.
ثم أخرى.
اقترب همّام من أذنه وسأله:
"ذهب أمك... أتعرف أين تخبئه؟"
رمش سالم.
ثم فهم.
تلك القطع القليلة من الذهب التي امتلكتها أمه منذ زمن.
كان يعلم أنها أخفتها في الخيمة يومًا، لكنه لم يكن يعرف إن بقي منها شيء.
ولماذا يبقى؟
كان حُرّ مريضًا منذ أعوام.
والجوع لا يسأل أهله من أين جاء الطعام.
ومع ذلك...
لعلها احتفظت بشيء.
قال سالم بصوت مضطرب: "أظن ذلك."
ابتسم همّام.
ثم استدار إلى راضي ورفع كفه.
وقال:
"الذهب لسان يفهمه كل الرجال."
ضاقت عينا راضي.
"ذهب؟"
نظر بينهما.
"ومن أين يأتي غلامان مثلكما بذهب؟"
قال همّام: "ذاك شأننا."
ثم تقدم خطوة.
"أما ما نريده منك، فهو عهد رجل لرجل."
نظر إليه بثبات.
"نأتيك بالذهب، فتعيرنا فرسًا."
رفع راضي رأسه قليلًا، وأخذ يحك لحيته.
راقبه همّام.
ثم قال:
"إن كان الأمر يحتاج منك كل هذا التفكير يا عم، فاعذرني..."
تلاشت ابتسامته.
"أنت لا تعرف ما نعرضه عليك."
وأشار إلى الخيل الثلاث.
"لن يأتيك أحد بعدنا بعرض مثله."
نظر راضي إلى سالم.
فرأى في عينيه ما حاول الفتى إخفاءه.
اليأس.
أطلق الرجل زفرة.
ثم أشاح بنظره وقال:
"إن لم تعودا قبل حلب الإبل، فلا عهد بيننا."
وأشار نحو المضرب.
"فأسرعا إن كنتما تريدان فرسًا."
التفت همّام فورًا إلى سالم.
لم يحتج أن يقول شيئًا.
كانت النظرة تكفي.
استدار الاثنان.
وانطلقا نحو الخيام.
---
ركض سالم مباشرة إلى خيمة أهله.
رفع الستار ودخل.
لم يجد إلا حُرّ.
كان الصبي جالسًا وحده في الركن، يقضم أظفاره.
مر القلق سريعًا على وجه سالم.
كيف تركته أمه ودنيا وحده؟
ثم فهم.
لا بد أنهما ما زالتا عند اجتماع الشيخ، أو في طريق العودة.
قال سالم على عجل:
"حُرّ... أنت بخير؟ أين أمي ودنيا؟"
رفع الصبي رأسه.
وأضاء وجهه فور رؤيته.
صاح بصوته الصغير المرتعش:
"سالم! سالم!"
كان سالم يقلب أشياء الخيمة بعجلة.
فسأل أخاه مرة أخرى:
"أنت بخير؟ أريد منك شيئًا يا حُرّ... شيئًا مهمًّا جدًا."
على الرغم من خوف سالم الدائم على أخيه، لم يكن يرى أمامه الآن إلا أمرًا واحدًا.
الغيث.
إن وجد الناقة...
فسوف يستطيع أن يعالج حُرّ أيضًا.
ظل الصبي يحدق فيه.
وقال:
"سالم... سالم، قل لي..."
صاح سالم دون أن يفكر:
"ماذا؟!"
استدار إليه.
وبمجرد أن خرجت الكلمة من فمه...
ندم عليها.
تجمد حُرّ.
لم يكد سالم يرفع صوته عليه قط.
وامتلأت عينا الصبي بالدموع.
قال سالم بسرعة:
"حُرّ... سامحني. أنا مستعجل فقط."
ابتلع الصبي ريقه.
ثم سأل:
"هل... هل ماتت الناقة؟"
عقد سالم حاجبيه.
"ماذا؟"
اقترب منه.
"كيف عرفت بأمرها؟"
نظر إليه حُرّ بعينين خائفتين مبللتين.
وقال متلعثمًا:
"لما كنت مع أمي هذا الصباح... على التل..."
مسح أنفه.
"رأيتها."
اتسعت عينا سالم.
وللحظة، خطر بباله أن يكون حُرّ يكذب.
لكنه طرد الخاطر في الحال.
لماذا يكذب؟
لم يكن حُرّ يكذب إلا نادرًا.
أخذ قلب سالم يخبط في صدره.
والنور الضئيل الذي رآه منذ لحظات...
ازداد توهجًا.
انحنى إليه وسأله:
"كيف؟ أين؟ أين رأيتها يا حُرّ؟"
"إلى أين ذهبت؟"
نظر حُرّ إليه بعينين دامعتين، لكنه عقد حاجبيه بعناد غريب.
وقال:
"أنا أعرف."
تنفس بصعوبة.
ثم قال:
"خذني معك يا سالم."
هز سالم رأسه فورًا.
"لا."
"خذني، وأنا أريك."
"قلت لا."
اقترب من أخيه.
"قل لي أين رأيتها. إلى أي ناحية ذهبت؟"
ثم أشار إلى الفراش.
"وأنت تبقى هنا."
قال حُرّ: "لكنني..."
قاطعه سالم:
"الفلاة خطرة عليك. وأمي قالت إنك لا تخرج."
اشتدت عجلته.
"فقط أخبرني."
حدق فيه.
"أين ذهبت الناقة؟"
خفض حُرّ رأسه.
وخرج صوته همسًا:
"أرجوك يا سالم..."
قال سالم: "حُرّ..."
رفع الصبي صوته:
"أرجوك."
وانحدرت الدموع على خديه الغائرين.
قال سالم بحزم:
"لا."
لكن حُرّ هز رأسه.
"أرجوك..."
رفع سالم صوته:
"ما الذي لا تفهمه في كلمة لا؟"
ثم قال:
"فقط أخبرني أين ذهبت الغيث!"
انهار حُرّ.
دفن وجهه في البساط.
"أرجوك..."
ارتجف جسده.
"أرجوك..."
تكسرت الكلمات في فمه.
"أحتاج أن..."
ثم رفع وجهه إلى أخيه.
"أرجوك..."
شهق.
"يا أخي..."
وصاح بأعلى ما استطاع:
"أرجوك!"
اخترق صوته قلب سالم.
لم يسمع حُرّ يبكي هكذا من قبل.
ولم يسمعه يتوسل إليه قط.
غرقت دموعه في البساط.
وبدا صغيرًا.
أصغر مما ينبغي.
هشًّا.
حتى إن عظام ظهره ظهرت من تحت ثوبه الرقيق.
تسابقت أفكار سالم.
أمه ودنيا قد تعودان في أية لحظة.
وإن عادتا...
انتهى كل شيء.
لن يصل إلى الذهب.
لن يخرج بحُرّ.
تذكر المرة الأخيرة التي أخذ فيها أخاه خارج المضرب.
كان ذلك بإذن أمه نفسها.
لكنهم تأخروا في العودة.
فمنعته دلال من دخول خيمة أهله ثلاثًا وثلاثين ليلة.
أما الآن...
فهو يفكر في أخذ أخيه المريض إلى قلب الصحراء دون إذنها.
في اليوم نفسه الذي قالت له فيه إن مرض حُرّ اشتد.
وفي اليوم نفسه الذي أمرته ألا يخرج من الخيمة.
كان سالم يعرف جنون ما يفكر فيه.
وأحس النبض يضرب رأسه.
وضع كفه على جبينه.
وازداد نفسه ثقلًا.
لكن توسلات حُرّ...
واحتمال أن يكون الصبي قد رأى حقًّا أين ذهبت الغيث...
قد يمنحهما ما لا يملكه أي من الباحثين.
سبقًا.
فرصة.
ربما فرصة واحدة تكفي لقلب حياتهم كلها.
كان يرى الخلاص أمامه.
قريبًا.
أقرب مما كان في أي يوم مضى.
وكل ما يفصله عنه...
اختيار.
ظل سالم ينظر إلى أخيه لحظات.
ثم أطلق زفرة طويلة.
وقال بخشونة:
"أين أعشابك؟"
رفع حُرّ رأسه.
نظر إلى سالم غير مصدق.
ثم مسح عينيه وأشار إلى جراب جلدي بالٍ في طرف الخيمة.
أسرع سالم إليه والتقطه.
ثم عاد وأمسك يد حُرّ بقوة.
قال سالم:
"تبقى إلى جواري طوال الوقت."
هز حُرّ رأسه.
"وإن أحسست بشيء..."
شد سالم قبضته على يده.
"تقول لي فورًا."
ثم رفع الجراب.
"وإن احتجت إلى أعشابك، تخبرني."
اقترب منه أكثر.
"وإن اشتد عليك المرض ولو قليلًا..."
نظر في عينيه.
"نعود."
سكت.
"أتفهم؟"
أومأ حُرّ بعينين متسعتين.
كان لا يزال غير مصدق أن سالم وافق.
خرجا مسرعين.
وما إن تجاوز سالم ستار الخيمة حتى راح يبحث بعينيه عن أمه ودنيا.
رآهما من بعيد.
كانتا عائدتين من ناحية الاجتماع.
ولم ترياه بعد.
توقف.
لحظة واحدة.
وسأل نفسه عمّا يوشك أن يفعله.
عن جنونه.
وعن وجه أمه حين تكتشف الأمر.
لكن ذلك النور عاد أمامه.
الخلاص.
حياة أفضل.
فشد على يد أخيه.
وسارا في طريق يلتف حول طرف المضرب، بعيدًا عن أعين العائدين.
كان حُرّ يكافح حتى يساير خطوات سالم.
تعثر أكثر من مرة.
ومع ذلك لم يترك يد أخيه.
وحين دارا حول آخر الخيام، رأيا همّام.
كان فوق فرس.
أطلق سالم زفرة ارتياح.
لقد أقنع راضي.
أسرع الأخوان إليه.
قاد همّام الفرس نحوهما.
لكن ما إن اقترب حتى اختفى الارتياح من وجه سالم.
كان الغضب والحيرة ظاهرين على وجه همّام.
صاح:
"ما الذي أخّرك كل هذا؟!"
ثم وقعت عيناه على حُرّ.
"ولماذا هو معك؟"
نظر خلف سالم.
"وأين الذهب؟"
جاءت كلماته متلاحقة، تغلي بالإحباط.
تعلق حُرّ فورًا بيد سالم واختبأ خلفه.
كان قد رأى همّام مرات قليلة، لكنه لم يعرفه حق المعرفة.
ولم يره غاضبًا قط.
فازداد خوفه.
قال سالم وهو يحاول التقاط أنفاسه:
"ليس معي ذهب."
فتح همّام فمه.
لكن سالم رفع يده.
"معي ما هو أثمن."
ثم جذب حُرّ برفق إلى جانبه.
وقال:
"حُرّ رأى الغيث."
تجمد همّام.
تابع سالم:
"يعرف من أي ناحية مرت."
اتسعت عينا همّام.
وارتفع حاجباه، فصار في وجهه مزيج غريب من القلق والخطر.
قال:
"ماذا؟"
ثم حدق بسالم.
"أذهب عقلك؟"
وأشار إليه.
"لا ذهب معك."
ثم أشار إلى نفسه وإلى الفرس.
"ولا فرس لك."
"والوقت يضيع."
ارتفع صوته مع كل جملة.
"ثم تعود إلي وتقول إنك..."
قاطعه سالم:
"اهدأ! إنه يقول الحق. إن كان ما رآه صحيحًا فقد نستطيع أن..."
انفجر همّام:
"لا تقاطعني!"
دوّى صوته في الفضاء المفتوح.
اتسعت عيناه.
وانخفض حاجباه.
والتوى وجهه غضبًا وإحباطًا.
ارتعش حُرّ بعنف.
ثم اختفى تمامًا خلف سالم، ودفن وجهه في ردائه.
أما سالم فسكت.
وحدق في همّام بصدمة.
كان همّام نادرًا ما يفقد أعصابه.
بل كان هو الذي يهدئ سالم كلما غضب.
ورؤيته على هذه الحال قالت لسالم شيئًا واحدًا.
هذا البحث يعني لهمّام قدر ما يعني له.
ورغم أن سالم كره أن يصرخ فيه أقرب أصحابه...
فإنه فهم.
فهم لماذا غضب.
أطلق همّام نفسًا طويلًا.
ثم خفض رأسه محاولًا أن يضبط نفسه.
وبعد لحظة، قال سالم:
"همّام..."
جاء صوته منخفضًا.
قريبًا من التوسل.
"أطلب منك أن تثق بي يا أخي."
رفع همّام عينيه.
قال سالم:
"ليس لدينا وقت."
ثم نظر إلى حُرّ.
"وأنا أصدق أننا نستطيع أن نجد الغيث."
عاد بعينيه إلى همّام.
"أصدق ذلك حقًّا."
خطا نحوه.
"أرجوك."
سكت للحظة.
ثم قال:
"أنا وثقت بك دائمًا."
"ووضعت أمري بين يديك أكثر من مرة."
"وأنت تعرف ذلك."
أشار بعينيه إلى الفرس.
"وحتى اليوم، وثقت بك حين ذهبت إلى راضي."
ابتلع ريقه.
"فالآن..."
خفض صوته.
"ثق بي أنت."
وضع يده على كتف أخيه الصغير.
"أنا أعرف حُرّ."
"إن قال إنه رأى الناقة..."
نظر إلى همّام مباشرة.
"فهو لم يكذب."
ثم ظهرت شرارة من الأمل في صوته.
"وإن كان ما يقوله صحيحًا، فانظر إلى ما صار بين أيدينا."
"كل هؤلاء يبحثون بلا دليل."
"أما نحن..."
ضغط على كتف حُرّ.
"فقد يكون معنا أول أثر."
ظل همّام صامتًا.
حدق في سالم طويلًا.
ثم تنهد.
لم يزل العبوس على وجهه.
انتقلت عيناه إلى حُرّ، الذي بقي مرتجفًا خلف أخيه قابضًا على طرف ردائه.
ثم أعاد نظره إلى سالم.
طال ذلك النظر.
وفهم سالم معناه.
قبول.
على مضض.
وفيه غضب.
لكنّه قبول.
لم يعد لديهم وقت.
جثا سالم بجانب أخيه.
وسأله:
"إلى أي ناحية؟"
رفع حُرّ يده ببطء.
وأشار نحو الجنوب الغربي، حيث ارتفع تل وحيد وسط الرمال.
أومأ سالم.
ثم حمل أخاه دون تردد ورفعه نحو همّام.
نظر همّام إلى الصبي بعبوس لم يختف تمامًا.
ثم مد ذراعيه وأجلسه أمامه فوق الفرس.
جلس حُرّ متصلبًا من الخوف.
وبقي سالم على قدميه.
وجه همّام الفرس نحو الناحية التي أشار إليها حُرّ.
وسار بها مسرعًا، لا بأقصى ما تستطيع، ولكن بسرعة تتيح لهم قطع الطريق دون أن يتركوا سالم بعيدًا خلفهم.
امتد المضرب إلى يسارهم.
والصحراء التي لا نهاية لها إلى يمينهم.
وتقدم الثلاثة نحو ما ينتظرهم خلف التلال.
شيئًا فشيئًا، صار مضرب بني طُهر وراءهم.
والتل أمامهم.
رفع حُرّ يدًا مرتجفة.
وقال بصوت متعب:
"هناك..."
وأشار نحو الجانب الأيسر من التل.
عبس همّام.
وسأل:
"من وراء التل؟"
رفع سالم عينيه إليه.
مر في وجهه شيء من الضيق.
لم يعجبه أسلوب همّام مع أخيه.
لكنّه عرف أن صاحبه غاضب.
غاضب من الغيث.
ومن التأخر.
ومن بني طُهر.
ومن كل شيء.
تمامًا كما كان سالم.
فابتلع ضيقه.
قال حُرّ بخفوت:
"نعم."
التفوا حول التل، وجعلوه قريبًا منهم.
لا شيء حولهم.
رمل.
غبار.
وصمت.
إلى أن...
رأى سالم شيئًا.
فتوقف.
اتسعت عيناه.
وكأن الضوء عاد إليهما دفعة واحدة.
انتبه همّام إلى توقفه، فأوقف الفرس.
والتفت.
قال بحزم:
"سالم... ليس لدينا وقت."
ثم أشار بيده.
"تحرك."
لكن سالم لم يسمعه.
ظلت عيناه معلقتين بالأرض.
رفع إصبعه ببطء.
وهمس:
"انظر..."
عقد همّام حاجبيه.
رفع سالم صوته:
"انظر!"
كان الفرح ظاهرًا في صوته.
"آثار..."
نظر إلى همّام، وبدأت ابتسامة تولد فوق وجهه.
"مرت ناقة من هنا."
لم يكن هناك شك.
آثار أخفاف.
خفيفة.
أوشكت ريح الصباح أن تمحوها من الرمل.
لكنها بقيت.
ظاهرة بما يكفي.
مرت الغيث من هنا.
كان حُرّ صادقًا.
قفز همّام عن ظهر الفرس من غير تردد، تاركًا حُرّ فوقها قابضًا على ما أمامه بكلتا يديه.
أسرع إلى سالم.
وجثا إلى جانب الآثار.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم...
ابتسم.
رفع رأسه إلى سالم.
فابتسم سالم له.
تحرك حُرّ فوق الفرس بقلق.
وقطع صوته الصغير سكونهما:
"هيا..."
رفع همّام رأسه.
وقال:
"نعم."
عاد شيء من الحدة إلى صوته.
"نتحرك."
نهض.
"الآن صار لنا أثر."
ثم نظر إلى سالم.
وقال:
"وسيتعين عليك أن تسرع أكثر."
امتطى الفرس من جديد.
ودفعها إلى الأمام.
هذه المرة تحركوا أسرع.
ركض سالم بجانبهم، وعيناه تتبعان آثار أخفاف الناقة الممتدة في الرمل.
واصلوا السير.
وبدأ التل يبتعد عنهم شيئًا فشيئًا.
حتى صار وراءهم.
ثم—
شد همّام زمام الفرس فجأة.
توقفت.
وشحب وجهه.
نظر سالم إليه في حيرة.
وقال:
"لماذا توقفت..."
لكن الكلمات ماتت في حلقه.
تبع بصر همّام.
هناك.
بعيدًا أمامهم.
فارس وحيد.
يمتطي فرسه وسط الفلاة.
ويتبع...
الأثر نفسه.
💬 التعليقات