الجمل المفقود

الفصل 1

التجلّي

2,392 كلمة · 12 دقيقة للقراءة

إعلان

على تلٍّ موحش، بعيدٍ عن دروب القوافل وخصومات الرجال، استقرّ مضرب (بني طُهر).

انتثرت على سفح التل خيام سود عظام، نُسجت من شعر الماعز الخشن، وبينها خيام أصغر خطَّ الشحوبُ جوانبها بشرائط بيضاء أكل الدهر ألوانها. كانت خيامًا عتيقة، ضربتها الشمس وصفعتها الرياح أعوامًا طويلة، ومع ذلك ظلّت قائمة، كأنما ألفت قسوة الصحراء حتى صارت منها.

عاشت بنو طُهر على ذلك التل أجيالًا، منقطعة عن سائر الناس، لا تكاد القوافل تعرف إليهم سبيلًا.

أرضٌ من السكون.

وقومٌ أرادوا أن يعيشوا في سلام، ولو اضطرهم ذلك إلى الفرار من الدنيا كلّها.

كان سالم يسير بين الخيام، وقد تدلّى من كتفيه ضبّان ميتان.

ارتدى قميصًا بنيًّا خشن النسج، وفوقه رداء داكن واسع الأكمام يكاد يستر كفّيه. ولثم أسفل وجهه بخرقة حمراء، فلم يظهر منه سوى عينين أجهدهما نهار طويل.

وكان يمشي حافيًا فوق الرمل الخشن كأن قدميه لم تعودا تعرفان غيره.

ناهز سالم أواخر صباه، وبدأ أول السواد يخطّ ذقنه. علا عينيه العسليتين حاجبان كثّان، ولوّحت الشمس بشرته حتى صارت زيتونية داكنة. كان نحيلًا، يكاد الهزال يسبق النظر إليه، غير أن في ذراعيه وكتفيه أثر عمل شاق لا يخطئه أحد.

بلغ خيمة أهله.

كانت أصغر من أكثر خيام المضرب.

أسدل على مدخلها ستار أسود.

رفعه سالم ودخل وهو يطلق زفرة طويلة.

كانت أخته الكبرى، دنيا، جالسة على بساط خشن، تغسل ثيابًا في طست من خشب.

فاقته طولًا بقليل، وحملت من لون بشرته الزيتوني نصيبًا، إلا أن الشمس كانت أرفق بوجهها. انسدل شعرها الأسود طويلًا خلف ظهرها في تموّجات هادئة، وكانت عيناها داكنتين تكادان تبلغان السواد، تحف بهما أهداب طويلة وحاجبان كثّان.

لبست ثوبًا قاتم اللون، شُقّت أطرافه بخطوط من نسيج ملوّن.

كان وجهها ساكنًا.

أما عيناها فكانتا في مكان آخر.

قال سالم: "جئت باثنين هذه المرّة."

كان صوته غليظًا، جادًّا على نحو لا يلائم فتى في مثل سنه.

انتفضت دنيا انتفاضة خفيفة.

وللحظة خاطفة ظهر القلق في وجهها، ثم أخفته بابتسامة وادعة.

قالت دنيا: "خير. كيف كان يومك؟ اشتدّ الغبار هذا الصباح."

أجاب سالم، متفاديًا عينيها: "كان بخير."

ذبلت ابتسامتها رويدًا.

حدقت في الثوب بين يديها لحظة، ثم رفعت رأسها.

سألته دنيا: "مررت بخيمة الشيخ؟ سمعت أنه لم يهدأ منذ ليلة أمس. كأن أمرًا أصابه. أتدري ما حدث؟"

عقد سالم حاجبيه وقال: "ولماذا أعلم أنا؟"

قالت دنيا بهدوء: "إنما سألت. ظننت أنك ربما سمعت شيئًا."

تنهد سالم، ووضع الضبّين على قطعة من الجلد.

ثم أخرج من نطاقه عودًا قصيرًا من الخشب، حُدّ أحد طرفيه حتى صار كالسن، وقد علقت به بقع من دم يابس.

وحين شمر ساعديه انكشف الدم على كفه.

رأى دنيا تحدق فيه.

فأعاد كمّيه إلى موضعهما من غير أن يقول شيئًا، ثم جلس قبالتها وأخذ يسلخ أحد الضبّين.

حلّ الصمت بينهما.

ولم يبق في الخيمة إلا خرير الماء كلما حرّكت دنيا يديها في الطست.

لكن سالم أحس بعينيها عليه.

وعرف أنها تشعر به كما يشعر بها.

تنحنح وقال: "أمي وحُرّ ما زالا في الخارج؟"

تأخرت دنيا قبل أن تجيب.

قالت: "اشتدّ عليه المرض هذا الصباح. أخذته أمي إلى التل علّها تشغله قليلًا."

انقبض شيء في صدر سالم.

اشتدّ عليه.

مرة أخرى.

وبعد صمت قال سالم: "كلّمت خالد بن طارق. أبوه عاد من مكة قبل أيام. يقول إن فيها من العشّابين وأهل التداوي أكثر مما كان، وإن أناسًا عوفوا من أسقام ظنّوا قديمًا ألا شفاء منها."

أطرق إلى الضب الميت بين يديه.

ثم تابع: "أستطيع أن أقنع الشيخ بأن يجعلني في خدمته. لو كسبت ما يكفينا، فربما يومًا أقدر أن..."

قاطعته دنيا: "سالم."

كانت نبرتها هذه المرة أشد.

رفع رأسه إليها.

قالت دنيا: "ما الذي أصابك؟ أنت تعلم أن الشيخ لن يدخلك في خدمته. وإن كنت تظن حقًّا أن لك سبيلًا إلى مكة، فأنت تتعلّق بما لا يُنال."

ابتلعت ريقها، ثم تابعت:

"قصدنا كل شيخ وعجوز في بني طُهر."

طأطأت عينيها.

"وكلهم قالوا لنا القول نفسه."

ساد الصمت.

ثم قالت بصوت كأنه لم يُرَد له أن يُسمع:

"نحن ملعونون."

وسكتت قليلًا.

"وحُرّ ملعون معنا."

اشتدت قبضة سالم على العود المسنون.

وثارت في صدره دفعة واحدة أشياء كثيرة؛ غضب، وعار، وذنب قديم لم يمت قط.

لكنه دفنها جميعًا.

واكتفى بأن نظر إليها.

عندها ارتفع ستار الخيمة.

ودخلت أمهما.

كانت دلال ترتدي ثوبًا داكنًا طويلًا، وقد أمسكت بيد حُرّ.

كان الصبي أصغر مما ينبغي لصبي في سنه، هزيلًا حتى يؤلم النظر إليه. حمل بعض ملامح أخيه، لكن جسده بدا واهيًا، كأن ريحًا صحراوية قوية تستطيع أن تنتزعه من الأرض وتحمله معها.

وكانت عيناه أكبر مما ينبغي لوجهه النحيل.

نهض سالم ودنيا من فورهما وقبّلا رأس أمهما.

بدت دلال منهكة.

تركت يد حُرّ وجلست بثقل، ثم سترت وجهها بذراعها.

جلست دنيا إلى جوارها وأخذت تمسح كتفها برفق.

أما سالم فقرفص أمام أخيه.

مسح الغبار عن وجه الصبي وابتسم له.

سأله سالم: "كيف كان التل؟ لهوت؟"

قطّب حُرّ وجهه وقال: "لا. أمي لم تدعني أنحدر إلا مرتين. لم تؤلمني قدماي إلا قليلًا."

ارتجف صوته.

وأضاف حُرّ: "وضربتني حين أردت أن ألعب مرة أخرى."

ضحك سالم ضحكة خافتة ومسح على رأسه.

قال: "كل هذا الحزن من أجل تل؟"

امتلأت عينا الصبي بالماء.

فلان وجه سالم.

قال له: "أتدري؟ وجدت قبل أيام تلًّا جديدًا حين كنت مع همّام. اشرب لبنك وارقد قليلًا، وآخذك إليه قبل أن تغيب الشمس."

أضاء وجه حُرّ، وهز رأسه سريعًا.

لكن دلال قالت من خلفهما: "لا."

جاء صوتها قاطعًا.

وتابعت الأم: "لن يخرج من هذه الخيمة أسبوعًا كاملًا. يحتاج إلى الراحة وشرابه من الأعشاب."

نظرت إلى سالم نظرة صارمة.

وقالت: "الخروج خطر عليه."

نهض سالم ببطء وقال: "نعم، يا أمي."

نظر إلى وجه أخيه المريض، بينما أخذته دنيا إلى طرف الخيمة البعيد.

وقعت عينا دلال على الصيد.

سألته: "اثنان فقط؟"

خفض سالم رأسه وقال: "سامحيني. سأحاول أن آتي بأكثر غدًا."

تردد.

ثم سألها: "أيجوز لي أن أرتاح اليوم؟"

نظرت إليه أمه.

قالت دلال: "ترتاح؟"

لم تكن الكلمة شديدة.

لكنها نزلت عليه أشد من صفعة.

**ترتاح؟**

وكأن السؤال وحده عار.

كيف يطلب الراحة؟

حُرّ لا يعرف الراحة.

حتى في نومه كان يتألم.

وحين يضحك، كان الألم يختبئ وراء ضحكته.

فبأي حق يرتاح سالم، وأخوه الصغير لا يستطيع؟

لعل أمه تلومه على فقرهم.

ولعل دنيا تلومه كذلك.

ولعل بني طُهر جميعًا يفعلون.

نظر إلى جسد حُرّ النحيل، وإلى البقع الداكنة التي لطخت جلده.

وثقل الخزي فوق كتفيه كأنما أُلقي عليه رداء آخر، أثقل من الأول.

طأطأ رأسه.

ثم استدار.

وخرج دون كلمة.

---

هام سالم بين خيام بني طُهر.

جلس رجال إلى جوار إبلهم، يمررون أيديهم على أوبارها أو يحلبونها في أوانٍ من فخار. وركض الصبية بين الخيام يتعاقبون، يعلو ضحكهم ثم تبتلعه الريح.

جلس غير بعيد شيخ مسن، ملتفًا بأثواب ثقيلة رغم الحر.

كانت لحيته بيضاء منفوشة، وعيناه تتعقبان سالم حيثما سار.

ثم ناداه الشيخ: "يا ابن مالك."

قالها بصوت بلغ مسامع الصبية.

توقف سالم.

سمع ذلك الاسم مئات المرات.

ومع ذلك لم يفقد قدرته على جرحه.

استدار ببطء.

ابتسم الشيخ ابتسامة معوجّة.

وقال: "رأيتك تحمل ضبّين."

مال إلى الأمام.

وسأل: "بم قتلتهما، يا غلام؟"

ثبت سالم عينيه في عينيه وقال: "بعود."

قالها ببطء، وكأنما يتحداه أن يزيد.

رفع الشيخ طرف فمه.

وقال: "متأكد؟"

ثم أضاف ساخرًا: "لا نريدك أن تجلب على أهلك لعنة أخرى."

اندفع الدم حارًا في عروق سالم.

وفي ومضة خاطفة، بشعة، تخيل نفسه ينتزع لسان الشيخ من فمه.

لكنه لم يفعل.

حدّق فيه فقط.

ثم أدار له ظهره.

ومضى.

وظل يمشي.

بعيدًا عن الخيام.

بعيدًا عن الأصوات.

بعيدًا عن بني طُهر.

حتى بلغ أسفل تل.

صعده صامتًا.

وحين انتهى إلى قمته، جلس فوق الصخر وألقى نظره إلى ما تحته.

بدت خيام بني طُهر من هناك كنقاط سود متناثرة فوق الرمل.

الإبل.

الخيل.

الرجال والنساء.

حتى أولئك الذين كانوا يبدون في الأسفل عظامًا مخيفين، صاروا من فوق التل صغارًا.

كأنهم نمل.

وللمرة الأولى منذ زمن بعيد، شعر سالم بإحساس غريب.

كان فوقهم جميعًا.

أحب ذلك.

ثم كره نفسه لأنه أحبّه.

كان هذا موضع همّام المفضل.

كثيرًا ما اجتمعا هنا حين تبلغ الشمس كبد السماء.

التقطت عين سالم حركة أسفل التل.

كان أحدهم يصعد.

همّام.

كان في مثل سن سالم، أو يزيد عليه عامًا. خالف أكثر رجال بني طُهر بشحوب بشرته، وكان شعره البني الداكن يكشف تحت الشمس مسحة كستنائية، كما كانت قسمات وجهه أدق من قسمات أكثر أهل القبيلة.

قال الناس إن أمه جاءت من بلاد الغرب البعيدة.

وقالوا أيضًا إن أباه أبغض نهج بني طُهر، ثم ترك امرأته وولده، ودخل الصحراء ذات يوم ولم يعد قط.

بلغ همّام القمة وهو يبتسم.

وقال: "سبقتني اليوم؟"

لم يجبه سالم.

ظل ينظر إلى المضرب.

جلس همّام إلى جانبه. تأمل وجهه لحظة، ثم اتبع بصره نحو الخيام.

طال الصمت بينهما.

حتى سأل همّام: "كيف حُرّ؟"

ابتلع سالم ريقه وقال: "ليس بخير."

صمت قليلًا.

ثم أضاف: "بل هو أسوأ."

خفض همّام عينيه.

وسأل: "ومكة؟"

ضحك سالم بمرارة.

وقال: "أتظن أحدًا في هؤلاء سيبيعني فرسًا أو بعيرًا؟"

لم يجبه همّام.

مد يده داخل ردائه.

وأخرج خنجرًا.

اصطاد نصله ضوء الشمس فأومض.

اتسعت عينا سالم.

وقال بصوت خافت حاد: "ما الذي تفعله؟ نحن قريبان من المضرب. قد يرى أحدهم لمعانه."

عبس همّام وقال: "هون عليك. لا أحد يستطيع أن يرى شيئًا من هناك."

قلّب الخنجر بين أصابعه.

ثم قال: "ثم إني قلت لك مرارًا يا سالم... هؤلاء لا يروننا منهم."

نظر إلى الخيام.

وأضاف: "نحن دخلاء في أعينهم. أنت وأنا."

اشتد صوته.

"لأسباب لم نخترها."

إعلان

قبض على الخنجر.

"فلا تنتظر منهم نجاة."

خرجت من سالم ضحكة مريرة أخرى.

وقال: "لم أخترها؟ تلطيفك لما فعلت لن يغيّر ما حدث."

نهض همّام دفعة واحدة.

وأشار بالخنجر نحو المضرب في الأسفل.

قال: "يحرّمون السيوف..."

ثم نظر إلى سالم وأكمل:

"وهم أمهر من السيوف في جرح الناس."

ظل يحدق فيه.

وقال: "لن أحمل ندبتهم في صدري."

خفض صوته.

"ولا ينبغي لك أن تحملها أنت."

صمت سالم.

كان شيء داخله يريد أن يرفض كلامه.

وشيء آخر يتمنى لو يصدقه.

ولذلك كان همّام خطرًا.

فهو أحيانًا ينطق بالأفكار التي يقبرها سالم في أبعد موضع من نفسه.

أفكارًا لا يجرؤ على الاعتراف بها.

حتى بينه وبين نفسه.

طردها من رأسه.

ثم قال سالم: "عليك أن تنقل السلاح من موضعه."

تبدل وجه همّام.

انطفأت الحدة من عينيه، وحل محلها برد غريب.

سأل: "ولم تقول ذلك؟"

جاء صوته لينًا منخفضًا.

ألين مما ينبغي.

كان سالم يبغض تلك النبرة.

تهديدٌ ملفوف بالحرير.

قال سالم: "الشيخ العجوز. أبو فهد."

انتظر لحظة.

ثم تابع: "قال كلامًا جعلني أظن أنهم ربما شكّوا فينا."

ارتفع حاجبا همّام.

وقال: "شكّوا؟"

أجابه سالم: "نعم."

خرجت الكلمة ثابتة.

ساد صمت.

ثم أدخل همّام الخنجر في غمده ببطء، وأخفاه تحت ردائه.

وجلس مرة أخرى.

ظل ينظر إلى بني طُهر.

لكن شيئًا في وجهه تغير.

شيء قاسٍ.

جامح.

نظر إليه سالم من طرف عينه.

هل بالغ همّام في الأمر؟

أم كان ينبغي لسالم نفسه أن يخاف؟

طالما حذره همّام بشأن الأسلحة المخبأة، مع أن سالم لم ير قط موضعها. وكان يظن أنه أخفاها في ناحية ما من البيت العتيق الذي يسكنه مع جدته.

وفجأة ارتفع صياح من المضرب.

التفت الاثنان.

كان الناس يتجمعون وسط الخيام.

يزدادون عددًا لحظة بعد أخرى.

قال سالم: "ما هذا؟ أهناك مجلس اليوم؟"

أجابه همّام: "ليس فيما أعلم."

وقف همّام وقال: "تعال."

وأخذ يهبط التل.

تبعه سالم.

أسرعا نزولًا حتى عادا إلى المضرب.

وكلما اقتربا، تبين لهما أن الناس جميعًا يتجهون إلى موضع واحد: الساحة القريبة من الخيمة الكبرى، حيث يجتمع أهل الرأي وكبار بني طُهر إذا نزل بالقبيلة أمر.

احتشد الناس.

رجالًا ونساءً وصبية.

تزاحمت الأكتاف، وتعالت الهمهمات، حتى ابتلع الجمع سالم وهمّام فلم يعودا يكادان يريان بعضهما.

أمسك همّام بذراع سالم وسحبه نحو صخرة كبيرة تسلقها عدد من الناس ليروا ما وراء الرؤوس.

صعدا.

ومن هناك ظهرت أمامهما صخرة أخرى أكبر.

وقف فوقها شيخ بني طُهر.

كان يتحدث في خفوت إلى رجلين من خاصته.

انسابت لحيته طويلة فضية، يلمع بياضها حتى تكاد تشبه الحديد المصقول. حفرت السنون والشمس أخاديدها في وجهه، والتف حول رأسه قماش أبيض، ولبس ثوبًا أبيض طويلًا بدا أنظف وأجود مما على أكثر رجال القبيلة.

لم يكد سالم يذكر أنه رأى الشيخ مبتسمًا.

كان وجهه دائم الصرامة.

ساكنًا.

ثقيلاً.

وكان في حضوره شيء يجعل المكان يضيق بمن حوله.

لم يقف سالم بين يديه إلا مرة واحدة.

منذ زمن بعيد.

حين كان طفلًا.

التفت همّام إلى رجل مسن وقف إلى جوارهما وقال بأدب: "يا عم، أتدري لِمَ جمعنا الشيخ؟"

نظر الرجل إليه أول الأمر نظرة عابرة.

ثم أمعن في وجهه.

فتغيرت ملامحه.

وضاقت إحدى عينيه ازدراءً.

قال الرجل: "نحن مثلك لا ندري، يا ابن الغريبة."

ظلت ابتسامة همّام مكانها.

لكنها لم تعد ابتسامة.

كانت شيئًا مشدودًا بالقوة فوق وجهه.

وظل ينظر إلى الرجل.

عندئذ دوّى صوت في أرجاء المضرب.

صاح شيخ بني طُهر:

"يا بني طُهر!"

سقطت الأصوات دفعة واحدة.

وساد الصمت.

مئات الأنفاس.

ورجل واحد يتكلم.

تقدم الشيخ وقال:

"نزل بنا ليلة أمس خطبٌ عظيم، ما كنت أظن أن ينزل بقوم آثروا السلم ولم يبغوا لأحد شرًّا."

انتشر صوته في المضرب.

وتابع:

"تلك التي أطعمت من بطوننا، وحملت رجالنا ونساءنا وصبياننا، وأعانتنا في أسفارنا وأيام الشدة... تلك التي لنا في عنقها فضل، ولها في أعناقنا أفضال..."

رفع الشيخ يده وصاح:

"الغَيْث!"

مشت همهمة في الجموع.

وقال الشيخ:

"ضاعت ناقتي الغيث."

تعالت الأصوات بين الناس.

ورفع الشيخ صوته:

"قطع خائن حبلها في الليل وأطلقها إلى الفلاة!"

تلوت ملامحه غضبًا.

وقال:

"لن أنسى هذا الفعل. ولن أغفره."

وضع كفه على صدره.

ثم قال:

"أخشى أن تكون قد ضلّت."

سكت لحظة.

"وأخشى أن يكون قد أصابها سوء."

اهتز صوته.

"وإن فقدناها..."

مرّ بنظره على الناس.

"فقدت بنو طُهر أكثر من ناقة."

حل الصمت.

ثم قال:

"وقد يكون في ضياعها شؤم علينا جميعًا."

لم يتكلم أحد.

خفض الشيخ رأسه.

ثم قال بصوت أهدأ:

"لذلك أنزل اليوم عن منزلتي بينكم، وأسألكم كما يسأل الأب أبناءه."

فتح ذراعيه.

"أعينوني على العثور عليها."

رفع وجهه إلى الجمع.

"أعيدوا إليّ الغيث."

وصمت الناس ينتظرون.

قال الشيخ:

"ومن صنع ذلك..."

رفع عينيه نحو السماء.

"فلن يكون قد رد إليّ ناقة فحسب، بل رد إليّ شيئًا من نفسي."

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم صاح:

"ولذلك أشهدكم جميعًا!"

تشبثت الأنظار به.

"من جاءني بالغيث سالمة، فله بعير من إبلي يملكه ما عاش..."

توقف.

طالت اللحظة.

ثم صاح:

"وله ربع ما أملك من ذهب!"

صمت.

ثم—

شهقات.

همسات.

وأعين اتسعت كأنها لم تصدق ما سمعت.

تجمد همّام إلى جوار سالم، جامدًا كالصخر.

أما سالم...

فلم يعد يسمع شيئًا.

أخوه.

حُرّ.

حُرّ الصغير المريض.

يمكن أن ينجو.

مكة.

العلاج.

بعير يحمله حيث شاء.

ذهب يكفيهم.

وأكثر.

وسمعته...

قد تعود.

وخطاياه القديمة...

لعلها تُغفر.

رأى أمامه فجأة شيئًا لم يره منذ أعوام.

شقًّا من النور في آخر كهف طويل.

صباحًا بعد ليل لا ينتهي.

حياة أخرى.

أمه.

دنيا.

حُرّ.

سيُريهم من يكون.

سيُري بني طُهر.

وسيُري نفسه.

اضطربت الأفكار في رأسه حتى كادت تتصارع.

لكن إحساسًا واحدًا ارتفع فوقها جميعًا.

إحساس دفع ما تراكم في قلبه من ظلمة أعوام.

ونفخ الحياة في مواضع حسبها قد ماتت إلى الأبد.

أمل؟

لا.

كان الأمل أضعف من أن يسمى به.

كان شيئًا أكبر.

وأخطر.

للمرة الأولى منذ سنين طويلة، انزاح الستار عن شيء ظل خافيًا عن سالم.

رأى أمامه طريقًا.

طريقًا لم يكن هناك بالأمس.

ورأى، للحظة واحدة، الرجل الذي قد يصير إليه إن سلكه.

لم يكن يعرف أين ينتهي ذلك الطريق.

ولا ما سيأخذه منه.

لكنه عرف شيئًا واحدًا.

أن القدر، الذي ظل أعوامًا موصدًا في وجهه...

قد فتح له بابًا.

وكان سالم مستعدًا للدخول.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق