الفصل الثاني: صوتٌ أعرفه
ظللتُ أحدّق في الدفتر لدقائق طويلة.
لم أجرؤ على لمس الصفحة.
كان اسمه أمامي.
سِيران.
الاسم الذي نطقته في الحلم دون أن أعرف من أين جاء.
والجملة التي أخافتني أكثر:
«لقد بدأ يتذكرك.»
تمتمتُ:
— يتذكرني؟ كيف يعني يتذكرني؟
لم يجبني أحد.
أغلقتُ الدفتر بسرعة ودفعته إلى طرف الطاولة.
قررتُ أن أنسى كل شيء.
لكن في صباح اليوم التالي، لم أستطع.
---
دخلت تالا غرفتي دون أن تطرق الباب.
— غرام! تأخرتِ، رح نفوت!
كنت أرتب حقيبتي.
— دقيقة بس.
نظرت إليّ طويلًا.
— مالك؟
— ما فيني شي.
— غرام، أنا بعرفك. لما تقولي «ما فيني شي» بيكون في شي كبير.
ابتسمتُ بتوتر.
— بس ما نمت منيح.
اقتربت مني.
— حلمتي فيه؟
توقفت يدي.
نظرت إليها.
— فيه مين؟
رفعت حاجبها.
— ما بعرف. إنتِ قلتي «فيه» قبل ما أسألك مين.
ضحكتُ محاولة تغيير الموضوع.
— يلا، خلينا نروح.
لكن قبل أن أغادر، التفتُّ نحو الدفتر.
كان مكانه على الطاولة.
مغلقًا.
ومع ذلك، شعرتُ أن شيئًا داخله كان ينتظرني.
---
في المدرسة حاولتُ تجاهل الموضوع.
ضحكت مع تالا، تحدثت مع يزن، وحاولت التركيز في الدروس.
لكن عند الظهر، حدث شيء جعل كل محاولاتي تنهار.
كنت أمشي في الممر وحدي عندما سمعت صوتًا خلفي.
— غرام.
توقفت.
لم ألتفت.
كان الصوت مألوفًا.
مألوفًا بشكل مرعب.
— غرام…
استدرتُ بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
حدقتُ في الممر الطويل.
فارغ.
— مين؟
لا جواب.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
ثم سمعت الصوت مرة ثالثة.
لكن هذه المرة لم يأتِ من خلفي.
جاء من داخل رأسي.
— لا تخافي.
تراجعتُ خطوة.
— سِيران؟
ساد الصمت.
ثم جاء صوته:
— إذًا تذكرتِ اسمي.
أغلقتُ عيني.
— أنت مو حقيقي.
ضحك بهدوء.
— هذا ما تريدين تصديقه.
— اطلع من راسي!
— أنا لم أدخل إليه.
فتحت عيني.
— إذًا أين أنت؟
صمت طويل.
ثم قال:
— حيث أنتِ.
تجمدتُ.
نظرت حولي.
الطلاب يمرون من جانبي بشكل طبيعي، ولا أحد يبدو أنه يسمع شيئًا.
— ليش أنا؟
— لأنكِ الوحيدة التي تستطيعين سماعي.
— وليش هلأ؟
لم يجب.
ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:
— لأن الباب فُتح.
تذكرتُ الباب في الحلم.
والعبارة المكتوبة عليه.
لا تدخلي إن كنتِ لا تريدين أن تتذكري.
همست:
— أي باب؟
فجأة انقطع صوته.
— سِيران؟
لا جواب.
عدتُ إلى الصف وأنا أشعر بأن شيئًا ما يراقبني.
---
بعد انتهاء الدوام، فتحتُ دفتري.
كنت أريد أن أتأكد من شيء واحد.
قلبت الصفحات.
ثم وصلت إلى الصفحة التي وجدت فيها الرسالة.
لكنها اختفت.
لم تعد هناك جملة.
كانت الصفحة بيضاء تمامًا.
ابتسمتُ بسخرية.
— يمكن أنا تخيلتها…
كتبتُ في منتصف الصفحة:
من أنت؟
وضعت القلم جانبًا.
مرّت ثوانٍ.
ثم ظهرت كلمة تحت سؤالي.
لم أكتبها.
الحبر بدأ يظهر أمام عيني ببطء، حرفًا بعد حرف.
«كنتِ تعرفينني قبل أن تعرفي نفسك.»
ارتجفت يدي.
كتبت:
متى؟
ظهرت الإجابة:
«قبل أول حلم.»
ثم:
«وقبل أول ذكرى.»
رفعتُ رأسي.
وفي اللحظة نفسها…
سمعتُ صوته خلفي.
— غرام.
استدرتُ.
كان واقفًا عند باب الغرفة.
لأول مرة…
لم يكن حلمًا.
ولم يكن صوتًا في رأسي.
كان سِيران واقفًا أمامي.
رفعتُ عيني إليه.
وكان أول شيء قاله:
— لا تقولي إنكِ لا تعرفينني.
ثم نظر إلى الدفتر المفتوح.
وتغير وجهه.
— لقد وجدتِ الرسالة.
— أي رسالة؟
اقترب خطوة.
— الرسالة التي تركتها لكِ… قبل أن أنساكِ.
شعرتُ بأن الأرض اختفت من تحتي.
— قبل أن تنساني؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
— لا.
وتوقّف.
— قبل أن تنسيني أنتِ.
💬 التعليقات