البُكاء حتى الموت

الفصل 7

غرق 1

1,624 كلمة · 8 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

[ ] الفصل السابع: غرق ١

تغرب الشمس قبل أن تشرق لتختبئ وسط الغيوم، مستلقية على سريرها الدافئ وسط صمت مطبق حتى يقطعه صوته المزعج، الهاتف يرن.

تفتح عينيها المتعبة، تمد يدها لتلتقطه،لتنقلب ملامح الفراغ في وجهها إلى عيون حزينة، الساعة 7:54Am و لوكين يتصل!

لتهمِس بصوت عميق: تباً.. لا اريد النزول للجامعة.

تجيب عليه دون نطق أي كلمة، بينما لوكين يتحدث: كيوكو.. أين أنتِ؟ أنا بإنتظارك.

يحمر وجهها و تتنهد بعمق : سأختصر عليك الأمر، لقد غابت الشمس لذا سيختفي كل الناس من حولك ثم سيبرد الجو و يهطل المطر، ثم سأراك أمامي تموت ليتقطع قلبي عليك مجدداً، لقد تعبت من هذا.

تنهمر دمعة كيوكو على الهاتف ويعم الصمت؛

يهمس لوكين على الهاتف: أصدقكِ كيوكو، لكن لن أسمح لكِ أن تغرقِ باليأس و يأكلك الحزن لتموتي ضعيفة؛

ثم يصرخ بنبرة جادة: فهذه ليست أنتِ! فكيف تسمحين لي أن أموت ببساطة؟!

ينقطع الإتصال.

___

تجد كيوكو نفسها قد غيّرت ملابسها، و بملامحها الباردة تقف أمام المرآة تتحسس وجهها و تهمِس: هل أنا حقيقية؟

ثم تمسك الهاتف و تضمه لصدرها.

تتجول في شقتها الصغيرة تتجه لغرفة أختها، لم تتعب نفسها للبحث عنها، تحدث نفسها: لقد اختفت، لا أدري هل أخاف عليها أم هي بأمان خارج الجحيم الذي أنا فيه.

___

تتجول في ساحة الجامعة بخطوات ثقيلة مترنحة، وملامح الفراغ في وجهها تنقلب لمفاجأة، المكان مزدحم و الناس مازالوا موجودين، لم يختفِ أحد.

لتتسائل و قد دخل صدرها بعض الراحة: هل عاد كل شيء لطبيعته!

تلمح من بعيد ذلك الشاب المميز واقفاً تحت الساعة وسط الساحة، تمشي إليه مترددة لتقابل ظهره، يلحظ لوكين صوت خطواتها المميز ليدير رأسه إليها، يراها بعيون مترقبة تضع يدها على قلبها؛

يرتسم عليه إبتسامة هادئة وهو يقول: إنكِ أجمل مما تخيلت!

لتنزِل مع هذه الكلمات دمعة كيوكو وكأنها إشارة لعذاب لم ينتهي.

يقترب منها وهو مختلط المشاعر بين الحزن و الاستغراب وهو يقول: أخبريني بكل ما بقلبك.

لتكتفي كيوكو بالنظر في عيونه الفضية.

بدأ المطر يهطل، لقد كانت قطراته تضرب رأس الكيوكو لتأكد دورة عذاب جديدة و من حولها هبات الرياح الباردة تهز توازنها لتقضي على آخر ذرة أمل، ليقشعر جسدها و يهتز من البرد و الخوف؛

يخلع لوكين معطفه و يضعه على كتفها الهزيل و يسحبها معه نحو مبنى الكلية وسط الزحام.

___

ساحة فارغة، و مبنى مكتظ، ممرات مزدحمة حيث يقف الثنائي و حولهم الطلاب تعلو أصوتهم:

"ما بال الكهرباء تنقطع و الأضواء تخفت"

"الجو بارد بدون تكييف، لننزل للقبو"

"أصدقائي، أنا سأعود للمنزل"

"صدقت، الأوضاع خارجاً أفضل من هنا"

لقد كانت هذه الكلمات و المحادثات بلا معنى بالنسبة للوكين ، بينما تتلاعب بكيوكو لتشعل ذاكرتها بأحداث مدمرة لكينونتها.

يدرك لوكين أنها غير مرتاحة، فيصعد بها للطابق العلوي، يدخلان ممر معتم و فارغ تقريباً محاولاً تهدئتها:

أنتِ لست بخير، أخبريني ما أصابك، لقد..

فجأة يضرب صوت برق غريب يضيء الممر و يهز بصوته قلب الثنائي، تلاه صوت مطر غريب؛

تسقط كيوكو على الأرض، بينما لوكين يقفز للنافذة ليرى منظر سلب عقله؛

المطر ليس شديد، بل جنوني!

سحاب السماء يفرغ الماء كأنه يعتصر، إن الماء ينسكب سكب من السماء كالشلالات.

ينظر للأسفل نحو أرض بدأت تختفي، لا يوجد أي أثر لأي أحد؛

يستدير نحو كيوكو ليجدها جامدة دون حركة و بملامح فارغة تماماً تهمسِ: مجدداً ... مجدداً!

يجلس لوكين بجانبها و يضع رأسها على كتفه: أنا أسمعك.

___

خرير الماء في الجامعة ليس من ماء الأرض بل من السماء، ماء غزير ينسكب على مد البصر خارجاً؛

أما في الداخل كان لوكين يركض في ممرات الطابق الخامس يسد كل النوافذ، يتجول بين القاعات و المكاتب و يتأكد منها جميعاً؛ عقله يفكر طوال الوقت بما سمعه:

لقد فهمت، إنها دوامة يتكرر فيها موتي عند وقت الوعد في الساعة 5:04Am يوم 13_9؛

يخطر له ما قالته كيوكو: "أظن أننا نحتاج البقاء أحياء لليوم التالي فقط، لكن كل العالم سينقلب ضدنا إذا خرجنا، حتى البقاء في الجامعة بلا فائدة".

و يتذكر أيضاً: "حاولت كثيراً و طوال وقت أتجنب أي خطأ حتى أقع في بغيره لتموت في النهاية بسببي و أمام عيني".

فيقول بنفسه: هذه المرة سيكون القرار لي، و أنا من سيحمي نفسي و أحميكِ لنتخطى هذا الوقت؛

لكن لم أفهم بعد، ما هو الوعد الذي أعطيتك؟

... مالذي حدث، و كيف نسي لوكين أهم وعد بينهما؟...

على الأرض الغارقة، تحاول كيوكو المشي وسط الماء البارد بين رفوف المقصف لتجمع ما تستطيع من طعام، تستمر في العمل بجد وهو تنقل باستمرار المؤن للطابق العلوي.

___

على سطح الكلية كان الماء يتجمع و التصريف لم يكن يواكب كثافة المطر الشديدة؛

إنه يصعد السلالم المليأة بالماء حتى وصل ليرى لوكين هذه المشكلة، الماء على وشك دخول المبنى من الباب و قنوات التهوية؛ يتجول في الأرجاء و المطر قد بلل جسده وهو يفكر، يمشي لتضرب قدمه بماسورة حديدية، فيمسكها و تخطر له فكرة للتخلص من الماء و عزل المبنى قدر الإمكان.

يتجه نحو حافة السطح و يضرب بقوة بالماسورة على قاعدة السور ؛ يكرر الأمر حتى صنع ثقب يهرب منه الماء للأسفل؛ يتجه لزاوية أخرى و يكرر الأمر، لقد إختلط عرقه بالمطر.

لقد تجول في خمس طوابق ليغلق مِآت النوافذ و صنع أكثر من 40 ثقب؛ بينما كيوكو في أحد المكاتب بجانب مدفأة تضع حولها ثيابها المبتلة لتجف و تقوم بترتيب المكان.

ليحل الليل بسرعة قبل أن يجتمعان.

___

يتجول لوكين بين ممرات الطابق الأول وهو يتأكد من إغلاق النوافذ فلاحظ أن هنالك سيارات عائمة و تسبح مع التيار، متألملاً: لقد علا منسوب الماء أسرع مما أتوقع، لا نملك رفاهية الوقت.

يتابع تجوله وهو ينادي باسمها: كيوكو! .. أين أنتِ؟

فيسمع صوت عميق من أحد الممرات يناديه من جهة مكاتب الموظفين؛

تستقبله كيوكو بغرفة دافئة مرتبة، رغم صغرها ينشرح صدره و يبتسم من هذا العمل الجميل الذي فعلته كيوكو ليخبرها ضاحكاً: لم أرد أن تتعبِ نفسك، لكن شكراً.

لتجد نفسها تبتسم وسط همها.

يعطس وسط كلامه: إذاً بقي علي جلب الطعام من الأسفل فقط، لن أتأخر.

فتعطِس كيوكو أيضاً وهي تفتح الخزانة الممتلأَ بالطعام بدل الكُتب و الملفات؛ ليضحك لوكين: لقد بذلت جهداً عظيماً، لكن كِلانا أُصيب بالبرد.

لتجيب كيوكو مبتسمة: جفف ملابسك بينما أعد الطعام.

___

تضيء إشارة مرور بالأخضر فتقطع الشارع وسط الزحام حاملة علبة صغيرة، تمشي بين الناس حتى تدخل ذلك المبنى أمام المقبرة، تتمعن في الغروب الجميل خلف المقبرة وهي تهمِس بكلام غير مفهوم؛

تُخرج مفاتيح من حقيبتها، تدخل الشقة المعتمة وهي تنادي بصوتها المميز: كيوري!

تزيل قبعتها و تشغل الضوء، إنها لينِن!

تتجول في المنزل بملامح غريبة وهي تقول: لا تختبئِ مجدداً كيوري، لقد جلبت الطعام لكِ فقط.

بين يدين صغيرتين هاتف مألوف، بعيون فضولية تبحث في أرجاء الخريطة وهي تقول بغضب: ماهذا يا كيوكو، لايوجد على الخريطة سوى علامات و مسار مكتوب عليه L o k e n.. ماهذا؟

إنها كيوري متخفية بثياب غريبة وسط الشارع؛

يُسمع صراخ بصوت غليظ: إبتعدِ عن الطريق يا قزمة..ألا ترين الإشارة!

لترد غاضبة: أصمت أيها العجوز، الخريطة تشير إلى هنا بالضبط!

يضحك المارّة على الرصيف على هذا المشهد.

يركض إليها شرطي المرور: هذا خطير، أين تريدين الذهاب يا صغيرة؟ هل أضعتِ أهلك؟

ترفع كيوري هاتف كيوكو المميز نحو الشرطي و تنظر له ببراءة بعيون تتلألأ: أختِ مفقودة أريد الذهاب للشرطة لأبحث عنها.

يرد عليها مبتسم مشيراً للشاشة: إنظري هنالك أحد يتصل عليكِ، ربما أحد عائلتك.

تعلو ملامحها الطفولية علامات التوتر لتقول بخوف: ما المكتوب؟

ضاحكاً: مكتوب "لينِن".

تصرخ مفزوعة: لا أريد الحديث معها! ماذا أفعل؟

ينخفض الشرطي إليها: إضغطِ الزر الأحمر فحسب.

لتغطه مباشرة فتعلوها ملامح شريرة بريئة وتقول بثقة: هيا إلى مركز الشرطة!

ليجيبها بضحكة: لست مربِأطفال، لدي عمل.

تجلس لينِن وحدها في المطبخ و تضع يدها على رأسها تعلوها ملامح غضب: ليس لدي وقت للبحث عليكِ مجدداً، فلدي لعبة مسلية تنتظرني!

___

بينما يأكلان الوجبات الخفيفة، يقول لوكين: وجدت وقود مع مولِد صغير و بعض الأشياء المفيدة في الطوابق العلوية؛

مازال هنالك بعض الكهرباء من المولد الإحتياطي لكن سيغرق في أي لحظة.

لتجيب كيوكو متوترة: لا تقترب من أي مولد أرجوك، لنفهم ما يجري أولاً.

___

يمر الوقت وساعة الجدار تدور عقاربها بسرعة وهما يتناقشان؛

حتى صارت الساعة 1:00Am .

يستلقِ لوكين لينام على الأرض من التعب، فيلاحظ أن كيوكو تتأمل الساعة فيهمِس: يبدو عليكِ التعب، جربي أن تنامي.

تقترب منه و تضع يدها على شعر رأسه الأبيض و يحمر وجهها، تحبس أنفاسها و تغمض عينيها:

لن أنتظر حتى 5:00AM؛ أخبرني بالوعد الذي إتفقنا عليه.. الآن!

فيحمر وجهه و يظهر عليه التوتر وهو مُخبِئ رأسه تحت البطانية يفكر: ماذا علي أن أقول، لا أعرف ماذا تقصد بالوعد! ... لا يجب أن أجرح مشاعرها.

يأخذ نفس عميق يحاول ضبط نفسه ليقول بهدوء:

انتِ تستحقين مكاناً و زماناً أفضل، لذا عندما نكتشف أين وكيف إختفى الناس، و نتجاوز الحلقة الزمنية المتكررة التي أخبرتني عنها سأخبرك بكل صدق بالوعد.

يعم الصمت، لقد كان ضوء نار المدفأة يثير بذاكرتها يوماً مشابهاً؛

تجلس جانباً و تتكور على نفسها هامسة بهدوء: حسناً، اتمنى ذلك حقاً.

___

القمر المختبئ بين السحاب يختفي ضوءه بين ماء المنطر المنسكب وسط ظلمة الليل الموحش في أرض فارغة من أي كائن حي، سوى الروحان الوحيدتان المسجونتان داخل مبنى عملاق.

صوت المطر المستمر يضرب النافذة قد رسم أجواء ساحرة للمكان مع المدفأة حيث كلاهما نائمان، حتى تفتح كيوكو المتكورة على نفسها عينيها المتعبة على ساعة الجدار: إنها 4:30Am.

تتغير ملامحها، تفتح هاتفها لتتأكد من شيء، تبحث و بعيون مستغربة تفكر: أين المنبه الذي ضبطته على هذا الوقت منذ أشهر!

يجب أن يرن الهاتف الآن، كيف لم ألحظ ذلك سابقاً؟

... هنالك شيء خاطئ ...

تهز كيوكو كتفي لوكين لتوقظه: لوكين.. هيا أفِق.

ليرد بعيون نًعِسة: لا تخافِ لم أمت بعد.

فيستشعر يداها ترتجف على كتفه، فينهض مباشرة لينظر للساعة حتى أدرك: يبدو أنه لم يبقى الكثير.

تدور العقارب و بكل دقيقة يزداد التوتر حتى صار صوت نبضها مسموعاً لِلوكين؛

يمسح جبينها المتعرق، كان عرق بارد يسيل على وجهها الشاحب؛

يلفها بالغطاء و يقربها من المدفأة، وهو يطمإنها و يكلمها طوال الوقت.

إنها تقترب ... 4:59:40 ... تمسك يده بقوة و تضمها لِصدرها صارخةً: إلتصق بي فسينهار المبنى!!

... 3 .. 2 ...1... ... .

لقد كانت آخر ثانية طويلة جداً ... كانت تحبس الأنفاس ... طويلة جداً لدرجة أنها ... تبدو واقفة ...

ينظران في عيون بعض مصعوقين من المشهد... لقد توقفت الساعة!

تخرِج كيوكو هاتفها بيدان ترتجف و كلاهما ينظران لشاشته الصغيرة بتعجب:

الساعة: 4:59Am ... لقد توقف الوقت هنا!

هل تجمد الزمن؟!

يتبع...