[ ] الفصل السادس: لماذا؟
في أحد أيام الصيف اللطيفة، تزدحم ساحة الجامعة المركزية بارزة في منتصفها الساعة المميزة.
تخرج كيوكوKyouko مع التوأم لينِنLynen و لوكينLoken من المحاضرة، يتوجهون للمقصف بينما لوكين يتحرك بهدوء بين الزحام، يصطدم بحقيبة كيوكو فجأة فيعتذر منها.
تجلس كيوكو أمام التوأم و تشير بيدها متسائلة بدون إصدار صوت:(هل هو مرتاح؟).
لترفع لينِن إبهامها مشيرة أن الأمور بخير.
يقول لوكين وهو يرفع رأسه و عينيه الفضية نحو كيوكو: صار المكان هادئ، انتهت هذه السنة بسرعة.
و ترد كيوكو مبتسمة: نعم و الليلة ستبدأ التجهيزات لمهرجان الصيف في المدينة.
ثم يصل الطعام إلى طاولتهم، فتقرب لينن الطعام نحو أخيها ثم تمسك يده و تضعها على طبقه و تقول له: إنه هنا، تفضل إبدأ.
و تبتسم كيوكو من هذا المنظر اللطيف، و يأكلون معاً؛ و بعد تبادل أطراف الحديث تقول لينِن: أطعمك بيدي؟ نحن إنتهينا تقريباً. ليدير وجهه نحوها: لست طفل.
لترد لينِن: بل أنت كذلك، وجهك صار متسخ!
فتضحك كيوكو و يضحكون جمعاً.
...
في منزلها الصغير تقف كيوكو في المطبخ و تُعد الغداء، ثم تنادي: كيوري Kyoury ! تعلي إلي.
لا رد، تعاود ندائها: كيوري، ماذا تفعلين؟
تذهب لغرفة أختها، ليست هناك لتقول: كما توقعت، بالطبع لن تدرسي الآن أيتها الكسولة.
تتجه كيوكو لغرفتها و هي تنادي اختها، تمر بجانب المطبخ لتلمح أنها لم تطفئ الموقد و الطعام يحترق، لتهرع مسرعة و تحاول انقاذ الموقف وهي تقول: تباً.. نسيت. و بالخطأ تحرق يدها بالقدر و تصرخ بغضب: كيوري!!!
تأتي مباشرة كيوري و هي تتراقص و الضحكة تعلو وجهها البريء وهي تقول: انظري ماذا وجدت!
لقد كان بيدها ورقة مطوية، فتسأل: ماهذه؟ أين وجدتها؟
لترد كيوري و هي تقلِد حركات فتاة كبيرة ممسكة بالورقة بين إصبعيها الصغيران قائلة: وجدتها في حقيبتك، أظنها رسالة حب!
ليحمر وجه كيوكو و تأخذ الرسالة من يد أختها:و من قال ذلك، انت لا تعرفين القراءة جيدا، ثم إياك و لمس أغراضي.
لترد كيوري: أمي كانت تسمح لي بذلك و كنت أجد حلوى دائماً.
تقرأها كيوكو بتمعن و تعلوها ملامح غريبة؛ كيوري مستغربة و تقفز و تصرخ: مالذي فيها؟
ثم تقبض على الورقة و تركض مسرعة لغرفتها فتلحقها كيوري، تفتح خزانتها و تُخرج ملابسها و ترميها على السرير.
تسأل كيوري: ما المكتوب؟ هل ستتزوجين؟
تقول لها وهي ترتب ثيابها: لا وقت للمزاح، اذهبي و ضعي الطعام على الطاولة بسرعة، سأغير ثيابي.
...
بأجواء لطيفة تجلس الأختان على الطاولة و كلاهما يرتديان ثياب أنيقة؛ فتسأل كيوكو: لم غريتي ثيابك؟
لترد كيوري بكل ثقة و براءة: سأذهب معك بالطبع.
لتضع كيوكو يدها على رأسها وتقول: ماذا أفعل بك! ..كلي طعامك الآن.
تظهر على كيوري ملامح غريبة، بينما كيوكو تأكل بسرعة فتسأل كيوكو: ما بك؟
لترد: الطعام لذيذ أكثر من اللازم.
و تضحك كيوكو: لذيذ لدرجة أنه محترق؛ آسفة فلا وقت لأطبخ غيره.
ثم تقوم كيوكو مسرعة و تقول: نظفي الصحون في غيابي ... وداعاً !
لترد كيوري بصوت عالٍ: يجب علي أن أدرس!
لتصرخ كيوكو: ليس لدي مزاج لكِ و تغلق الباب.
لتهمس كيوري: فشلت كل خططي، سأجرب إطعام هذا الشيء لقطة الشارع ... اتمنى ألا تموت.
...
في ساحة الجامعة الفارغة تركض كيوكو تحت الساعة التي تشير 8:00pm ، تمشي في ممرات الكلية المظلمة، لقد كان صوت صدى خطواتها موحشاً، تدخل أحد مدرجات الكلية لتجد لوكين جالس وحده مبتسم.
تقترب قائلة: أهلا، آسفة على التأخير، فلدي أخت صغيرة يجب أن أعتني بها.
و بصوته الهادئ اللطيف: أهلاً بك، لا بأس فانا أيضاً لدي أخت و نعتني ببعضنا.
تبتسم كيوكو و تجلس بالمقعد المقابل: و تسأل أنت مميز، كيف جئت وحدك إلى هنا!
يرفع عينيه الفضية نحوها و يقول: آسف فهذا المكان الوحيد الذي أعرف الذهاب إليه وحدي بدون لينِن، و تمنيت لو أخذتك لمقهى مثلاً.
تبرق عيون كيوكو و تقول في نفسها: إنه رجل؛ لا يحب أن يعتمد على غيره بكل شيء.
يبتسم لوكين وهو يقول: ثيابك جميلة!
تستغرب كيوكو و تسأل مباشرة: ماذا تقول؟ هل تراني!
ليضحك و يقول: أتمنى ذلك، لكن عند جلوسك صدر صوت غير الذي يصدر عادة عند جلوسك.
لتأتيها خاطرة: يحاول كل جهده حتى لا أشعر انه أعمى!
تخجل كيوكو و تقول: و أنت كذلك، ثيابك جمليلة لكن ألوانك غير متناسقة، يبدو أنك بذلت مجهود لترتديها وحدك.
...
يمر الوقت وهما يتكلمان بهذا المكان الهادئ الذي يتسلله ضوء القمر، تعلو كل منهما ابتسامة هادئة؛
فجأة يلمع المكان بأضواء زاهية، تتوجه كيوكو نحو النافذة، إنها ألعاب نارية في كل مكان تضيء سماء المدينة، تنسحر كيوكو في جمالها و دون اتشعر وجدت لوكين يقف بجانبها متجهاً للنافذة.
يهمس بصوته المميز: ما رأيك أن نذهب لهناك.
تنظر له بعيون حسرة و بصوت عميق: تسمع صوتها فقط ، أتمنى ان ترى جمالها.
فينزل لوكين من أعلى المدرج بهدوء وهو يقول: قد تكون في خيالي أجمل من الواقع.
تنزل كيوكو و تسبقه للأسفل حتى لا يتعثر، و تقترب من الباب و هي مستغربة، تمد يدها إليه، إنه مغلق، تحاول فتحه، لا جدوى، إنه مقفل، تقول بصوت مستغرب: لم أغلق الباب حتى، لما هو قفل.
و عندما نظرت لوجه لوكين بدا غير مرتاح و ينظر للأرض ويقول: ربما أحد أقفله من الخارج، لكن كيف لم أسمعه؟!
تستمر كيوكو بالمحاولة، ثم يضع لوكين يده على ااباب و يجرب دفعه، يقول لكيوكو: إنه متين لن يفتح حتى لو ركلته، إرتاحي كيوكو.
ليسمع صوتها تتجه للنافذة؛
تنظر كيوكو من خلالها، إنها على إرتفاع طابق و نصف.
يعود لوكين للجلوس و كيوكو تمسك حقيبتها و تبحث فيها ثم تقول بصوت متأسف: لقد نسيت هاتفي في المنزل.
يرد لوكين بهدوء: و أنا لم أجلبه عن قصد، قدرنا أن نبيت هنا.
...
يمر الوقت و كلاهما يتحدثان؛ و تستمر الألعاب النارية ببث جمالها و ضوئها ليصل لهما.
يقول لوكين: هذا اليوم دائما مميز و تحدث فيه أشياء غريبة لي.
تبتسم كيوكو و تسأل: مثل ماذا تقصد، لم يمر علي أغرب من اليوم.
و ببتسامة و هو يحدق على النافذة و تلمع عينيه بالأضواء البراقة: سأخبرك بقصة صارت مع لينِن في طفولتنا.
فتضع كيوكو يديها على المقعد و تضع رأسها فوقها و هي تنظر إليه قائلة: تفضل، تبدو شيقة.
...
أم جالسة وسط صخب طفلين يلعبان، تمسك الطفلة بيديها الصغيرة وهي تكاد تستطيع حمل الكرة و ترميها على اخوها و تصرخ: أمسكها!
لترتد على وجهه و يسقط على الأرض، تهرع الأم قائلة:
إنتبهي لينِن، قلت لك أن لوكين لا يرى!
تسأل لينن البريئة مستغربة: كيف لا يرى؟ ماذا يعني هذا؟
...
تجلس لينِن الصغيرة وهي تلعب لتناديها أمها: خذي لوكين للحمام، إبقِ معه فهو لا يرى.
فتعيد السؤال: ماذا يعني هذا؟
...
ترسم لينِن بيديها الصغيرة و لوكين بجانبها، تقول له: إنظر كم هي جميلة هذه الرسمة!
ليرد لوكين: اظنها جميلة لكن لا أراها!
تغضب لينِن فتقول: أيها الغبي.. إفتح عينك فقط و ستراها!
تقترب لينن من وجهه و يفتح عينيه، فترى عينيه الفضية ينعكس عليها وجهها الصغير، فتسأل: هل ترى الآن؟
يرد: لا أرى شيء.
لتقول وهي مسحورة بالمنظر: لكن لديك عيون جميلة!
فيقول: لا أعرف، اشعر بالعطش.
لتجيبه: تعال معي لنشرب.
...
من نعومة أظافرها، كل ما يلقن لِلينِن هو مساعة أخوها.
تطعمه و تشربه، تلعب وتمشي معه، تتعلم كل هذا من طفولتها، تتذمر أحياناً و تهرب منه أحياناً، لكنها لا تفارقه إذا كان وحده.
...
تنير شوارع المدينة المزينة وسط ظلمة الليل و تعلو أصوات الإحتفال، انه مهرجان الصيف.
طفلة صغيرة تنظر لأمها بملامح بريئة وهي تشد يدها تقول: ماما .. ماما أريد اللعب هناك.
تبتسم الأم وهي تقول: لينِن، مازلتي صغيرة لتذهبي وحدك، ما رأيك أن نجلس لقد تعبت.
لم تجد الطفلة لينِن ما تقول، فصعدت حتى وقفت على كرسي الحديقة و قبلت وجنتا أمها قبلة عميقة ثم قالت:أرجوووكي.
تضحك الأم و بكلتا يديها تقرب طفلها الآخر و بلطف تنزله من الكرسي و تمسك يده و تشبكها مع يد لينن الصغيرة لتخبرها:خذي لوكين معك و أنتبهي عليه و لا تبتعدا.
فما كان من براءتها إلا أن ركضت و سحبت لوكين معه.
و بينما يلعبان، لاحظت لينن أن أمها مشغولة مع أحد، فأنخفضت خلف شجيرة مع لوكين الذي لم يفهم شيء.
فتهمس: أنظر لهذا، لقد إستعرت بعض النقود من أمي.
يرد لوكين: أيتها البلهاء، لا أستطيع الرؤية، و هذا يسمى سرقة.
تمسك لينن وجنتيه وهي تقول: سأشتري لك المثلجات أيضاً، فقط لا تخبر ماما، تعال نختبئ.
تذهب لينن مع لوكين متخفيين بين شجيرات الحديقة إلى ذلك الكوخ الصغير خلف الحديقة، لا أحد هناك ، تُجلِسه على العشب وتخبره:
انتظرني هنا.. لا تتحرك أبدا حتى لا تضيع!
...
وهي تمشي وحدها بخطوات صغيرة واثقة تسمع ذلك الصوت، تلمع عينيها عند رؤيتها، إنها عربة مثلجات.
تشير للبائع بيدها الصغيرة: أريد من هذه و هذه و بعض من تلك.
ينخفض البائع لها فيقول: هل لديك نقود لكل هذا.
تستل ورقة النقود كالسيف الصغير و ترمقه بنظرة ثقة.
لينظر إليها ضاحكاً : هذه بالكاد تكفي.
...
تمسك لينن بيديها الصغيرة مخروط مثلاجات جميل وهي تمر بين سيقان الناس.
تراقب بحذر لتجد كرسي الحديقة ذاك فارغ
لتتوتر متسائلة: أين ماما؟!
تبحث في الحديقة... تركض في الشارع وحدها...تبحث في كل مكان مرو جانبه... حتى تصل للمنزل.
تجد أمها منهارة على عتبة الباب تبكي؛ عندما تلحظ طفلتها تمسكها و تهزها حتى يقع كنزها بين بيدها على الأرض و تسالها: أين كنتما؟ أين لوكين؟بحثت عنكم في كل مكان.
تبكي لينِن و أمها التي تصرخ: أين لوكين؟
تتذكر لينن فتقول بصوت متقطع: لقد نسيته..سأحضره حالا!
...
يقف حارس الحديقة بجانب لوكين يكلمه:
قلت لك سأجد أهلك، فقط إمشي بقربي.
ليرد: آسف، لا أستطيع الرؤية لذا ستأتي أختي لتأخذني.
فيقول: لا بأس، سأحملك.
فيصر لوكين: لا داعي.
يمشي بعيداً و يقول:نادني إذا غيرت رأيك.
يسمع صوتهما يعلو، لقد كانت أخته و أمهما تجري نحوه؛
ليجد حمل ثقيل على صدره الصغير، لقد كانا يحضناه بقوة و دموعهما تذرف بغزارة.
لقد عم الصمت و نامت المدينة، وفي الحديقة الخاوية تحت ضوء القمر، تمسك الأم إبنتها و تنظر لها بعيون جادة: اسمعي لينِن، لوكين يحتاجك، أنت عينيه التي يرى بها؛ نحن سنرحل و ستبقين أنت معه .. أنتِ التي تجعلينه يعيش كغيره، يعيش كما تعيشين انت؛ حتى لو فشلتي في حياتك .. على الأقل ستنجحين كأخت!
يهتز قلب لوكين فيفكر: سأعتمد على نفسي حتى لا اتعب أحد.
...
وسط عتمة المدرج، يسمع لوكين صوت شخيرها، لقد نامت كيوكو دون أن يشعر، يبتسم قائلاً:
اتمنى أنها سمعت النهاية. ثم يدير رأسه نحو الباب المقفل؛
لتظهر لينِن جلسة على الأرض خلفه و تهمِس:
لقد سمعتها يا أخي.
...
هكذا تبلورت هوية لينن، هوية في جوهرها لوكين الذي يعطي المعنى لكل ما تفعله؛
بدونه.. يتلاشى المعنى و تطمس الهوية؛
و بفقده تفقد الغاية... فمن تكون لينِن الآن؟
...
تفتح كيوكو عينيها المتعبة على سقف غرفتها، وجهها الشاحب و هالة عيونها تحكي الكثير من الهم.
تنظر لها تفها من تحت البطانية؛
لم يعد ذلك المشهد مؤلما؛
مكتوب عليه: <<اليوم: 13_9>> .
تضع الهاتف تحت الوسادة و تغلق عينيها:
لقد مات لوكين مجدداً، لا فائدة، سانام و حسب.
لتنزل دمعتها و تبلل وسادتها.
يتبع...