البُكاء حتى الموت

الفصل 8

غرق 2

1,687 كلمة · 8 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

الفصل الثامن: الغرق 2

بين شلالات المياه المنسكب من السماء تشع بضوئها الأحمر الفاقع لتلمع عيونهم خلف نافذة الغرفة الدافئة؛

إن ساعة الجامعة المميزة ماتزل تعمل مشيرة: < 4:59AM 9_13> ؛

تهمِس كيوكو وهي تنظر من النافذة محتارة: أشعر بالضياع أكثر من أي وقت، هل أفرح ببقائك حي أم أحزن على العالم الذي يعارض خطتي لإكمال يوم آخر في هذه الحلقة اللعينة.

و يقول لوكين مستغرب: كيف يتجمد الزمن و مازالت السماء تمطر وكل شيء على حاله؟

... <هل سيبقون هكذا إلى الأبد أم أنه كابوس لم تفِق كيوكو منه بعد .. أم الأمر أعقد من ذلك؟> ...

___

تشرق شمس يوم جديد على ممرات الجامعة الفارغة،

مر اليوم بسلام، لكن مازالت تمطر بغزارة،

إرتفع منسوب المياه حتى صار يغطي شخص.

كان صوت الأمواج في الجامعة وسط صخب المطر يبعث لإحساس غريب وهو يمتزج بخطوات الروحان الوحيدتان وهم يتجولون في الأرجاء؛

ممسكة بهاتفها بيد مضطربة، تحدق به طوال الوقت؛

فور ملاحظة لوكين لها قال: لا أظن الزمن سيعود للجريان ببساطة، لذا إتركِ الهاتف حتى لا تفقدِ عقلك.

لتجيب متوترة بثوت متألم: أعلم أنه سيباغتني، لا أريد أن تموت فجأة دون أن أودعك على الأقل!

يضع يده على رأسها وينظر في عينيها المضطربة: إذا أحسست بالخطر سأقترب منك فوراً.

تبتسم كيوكو من تلقاء نفسها: بدأت تفهمني، سأحافظ على شحن الهاتف فسنحتاجه.

يفكر لوكين قليلاً ثم يقول: ما رأيك أن تصل بأحد؟

تلمع عينا كيوكو وكأنها وجدت فكرة عبقرية؛

تمسك هاتفها لتتصل مباشرة و تضع الهاتف على أذنها، فيقول لوكين مستغرب: مابكِ ..على من تتصلين؟

لتجيب بملامح حادة وصوت عميق: إنها أختك لينِن!

___

وسط أجواء متوترة و عيون مترقبة و آذان صاغية؛

يرن الهاتف بصوت مشوش مزعج، فتبعد الهاتف من أذنها مباشرة و تنظر له، لقد بدت شاشته و كأنها مكسورة!

يظهر على الزاوية شحن الهاتف ينفذ بسرعة حتى إنطفأ مباشرةً.

يقول لوكين مستغرب من هذا المنظر الغريب: هل أصابه الماء أم أنه يحتاج لشاحن فقط.

وعندما نظر لكيوكو وجد تعابير تجاوزت القلق إلى الخوف العميق لتقول بصوت مضطرب عميق: لن ينفع أي شيء، فهذا العالم ببساطة ضدنا!

يمسك لوكين الهاتف من يد كيوكو و يضعه في جيب سترته وهو يقول: لا نحتاج له، لنعيش ببساطة بدونه.

___

وهما يحدقان من أحد النوافذ الكبيرة نحو الشرق حيث تسطع الشمس الذهبية و تنعكس أشعتها بين خيوط الماء المتدفق ليرسم لوحة ساحرة .

يقول لوكين: أحس ببصيص أمل، فقد فعلنا شيء عطّل دورة الحلقة الزمنية و كأننا نقترب من الحل!

كانت كيوكو تحدق على الأرض و كأنها هاوية غارقة بالماء بلا نهاية، لترفع رأسها نحو ذلك المظهر الفاتن، لتحاول التمعّن في النصف الجميل من المشهد.

___

صوت تحطيم صاخب يهز المكان، يهدأ و يعود و يعلوا أكثر، يظهر أحد المدرجات تحوي مقاعد محطمة يقف بينها لوكين؛

ممسكاً بمطرقة و يضرب بقوة على مقعد ليحطمه، يجلس جانباً وهو يتصبب عرق هامساً: أحتاج الإسراع أكثر، غرق الطابق السفلي خلال يوم، بقي أربعة أيام فقط حتى تغرق الجامعة.

يعود ضجيج التحطيم و يعلو أكثر حتى بدأت الشمس تغرب، يخرج لوكين من المدرج حتى يدخل مدرج آخر و يستمر العمل الجاد.

تجلس كيوكو في غرفة غريبة وهي ترتب المكان حتى يطرق الباب عليها، يدخل لوكين متعب و يجلس بجانب المدفأة لتظهر يداه متشققة متسلخة فتقترب كيوكو و وتلف يده بقماشة وهي تقول: كيف يسير العمل على بناء الطوف؟

يرد وهو يضحك: لا أعرف مالذي أفعله، قمت بجمع الكثير من الخشب من المدرجات، كان مسلياً و متعباً بنفس الوقت؛

يسأل مبتسم: ماذا عنك، هل أنتهيت من الإنتقال للطابق الخامس؟ أم تحتاجين مساعدة؟

ترد بإبتسامة: إنتهيت و بحثت في الأرجاء عن طعام إضافي.

و بنظرة من عيناه الفضية على نار المدفأة هامساً: نحن نشكل فريق مثالي!

و بضحكة دافئة تقرب الطعام: هيا نأكل.

___

يفتح لوكين عينيه على القمر الساطع من الفاذة ليجد كيوكو جالسة جانباً تحدق بالجدار فيقول: حتى ساعة الجدار إحتفظتِ بها.

لتقول وهي تتأملها بتعمن: هذا أخطر وقت، فربما يعود جريان الزمن من المكان الذي توقف عنده.

يغمض عينيه لينام قائلاً: ستتعبين و تتخيلين العقارب تتحرك، فلا تستطيعين معرفة كم الساعة الآن أصلاً.

فيسمع صوت أنفاسها الرتيب، لقد نامت مباشرة وسط كلامه.

___

يستمر المطر بإغراق الأرض حتى وصل لمستوى عالٍ.

بأحد الغرف المظلمة يقف لوكين وحيداً ممسكاً بجهاز و سماعة برأسه، إنه جهاز راديو؛

يتصبب عرقاً و يعض شفتيه، بهمس بحسرة: لا إشارة، لا إجابو ولا رد... لا أحد، نحن وحدنا.

الغرفة الجميلة الأولى في الطابق الأول، وسط ظلمة الليل يتسرب الماء لها حتى تغرق حتى تشوهت الذكرى و آثار الحياة فيها.

و يمر الوقت، على سطح الجامعة تحت المطر طوال اليوم يعمل، يجرب و يفشل ، يحاول باستمرار و كيوكو خلفه تدعمه؛

لم تكن الوحدة حاضرة كونهما معاً رغم وجودهم بأرض خاوية من البشر، بل كانت علاقتهما تشتد أكثر مما هي عليه.

ينامون على صوت غرق الطابق الثالث، لم يتبقى الكثير.

كانت أجواء لطيفة، كأنه حلم، كأنهما في جزيرة فارغة.

هذه هي اللحظات السعيدة البسيطة، بعيداً عن كل تعقيدات الحياة.

مجرد وجود شخص يهتم لشأنك يجعلك تريد العيش.

يستمر العمل، صارت أربع طوابق تحت الماء، كان المنظر من نافذة غرفتهما الصغيرة غريب و مميز وموحش، كل شيء مغطى بالماء، وبكل موجة يندفع الماء إلى داخل الغرفة من حواف النافذة.

بدا المشهد و كأن الأرض تقترب من السماء حتى تلتصق بها.

___

تركض كيوكو بين الممرات التي إمتلأت بالماء وهي تحمل بعض الأغراض، تنفجر نوافذ الممر و تتدفق المياه بجنون ليبدأ غرق الطابق الخامس.

يفتح لوكين باب السطح و ينادي على كيوكو: هيااا!

تصعد مسرعة لترى عملهما الجاد يثمر أمامهما؛

طوف غريب و كأنه غرفة خشبية عائمة بدأ يطفو.

تمشي كيوكو و الماء البارد غطى ركبتها.

يصعد لوكين و يرفع كيوكو بكل قوته، وخلال دقائق سار منزلهم الجميل العائم بإتجاه السور المحطم مبتعداً عن الجامعة،

___

يقفان معاً متأملان منظراً يكسر القلب، يران المبنى الذي لطالما جمعهما، عاشا فيه و كونا الذكريات يغرق و تخفي ملامحه حتى صارو لا يميزان أين كان بالضبط.

تمسك كيوكو يدا لوكين الدافئة وهي تقول بحسرة و دمعتها تختلط بالمطر: أين سنذهب؟

يمسك كتفيها و يلف جسدها بإتجاهه و يتأمل عينيها الغارقة بالدموع، بإبتسامته الهادئة: كما جمعنا القدر سيأخذنا حيث شاء، فوجهتي حيث أنتِ تكونين.

تحت المطر المنهمر، يمسك لوكين بيدي كيوكو و يقول بصوته المميز الدافئ: نحن وحيدان بهذه الأرض الغارقة و الآفاق الشاسعة و الأكون المترامية؛ لقد حان الوقت، فأنا كآدم.. أحتاج حواء!

ترتجف يدا كيوكو و يتردد تنفسها حتى صار نبضها مسموعاً وهي تحاول أن تقول: وقت مذا؟!

يجد لوكين نفسه لا شعورياً يحض كيوكو على صدره وهو يشعر بنبضها، يهمس في أذنها:

"عزيزتي كيوكو، هل تقبلين أن تكونِ الوحيدة في عالمي، هل تقبلين بي كزوجٍ لكِ؟"

ترفع ذراعيها ... تلف جسده، رأسها غائر في صدره الدافئ تحت المطر البارد، تعلو أنفاسها، صوت كيوكو الحنون أسكت صخب المطر وخدر الرياح ليصل إلى أذنيه المحمرة كلماتها الساحرة:

لوكين.. وعدك لي يا لوكين .. لقد اوفيته!

إنني لَسعيدة.. ومن لي غيرك في بأسي.. فأنا.. أقبل بك!

..كأن المطر توقف و الرياح تباطأت و الزمن تجمد ليشهد على هذه اللحظة الدافأة حتى بدت أبدية..

لتجعل لوكين يفكر مبتسماً: هذا هو الوعد الذي تقصدينه اذاً، من الجيد أني وصلت له بالصدفة، أو أن هذا قدرنا في النهاية.

___

بين أحضانه تبتسم و دموع الفرح تسيل، يقبلها على رأسها وهما يتهامسان، فيضمحل كل هم ويسيل مع الدموع.

تلمع عينيها المتلألئة بلون باهت، هنالك ضوء أحمر من جيب لوكين، تمد يدها لتمسكه فينير المكان بنور أزرق وسط الغيوم الداكنة تحت السماء الدموية الشاسعة، قد شق الأفق بسرعته الخاطفة، لتلمع عيناه الفضية وهو يلمح البرق ممسكاً بكيوكو حتى تلاه صوت الرعد المدوّي.

يشعر لوكين بثقل كيوكو، فينزلها على الأرض و كأنها منهارة؛ عندما رآها إنقلبت ملامحه بمزيج مرعب من الاستغراب و الفزع و كأنه رأى ما هو أكثر رعباً من الموت؛

لقد رأى كيوكو تحمل هاتفها المضيء بالأحمر و الوقت يجري!

... الساعة الآن 5:00AM ...

لتصرخ كيوكو صرخة إمتد صداها إلى السماء و أسقطت في قلب لوكين فوق كل ما يراه أسى لم يشعر به من قبل؛

لقد كانت المرة الأولى التي يرى فيها حالة كيوكو لحظة موته، فنزلت دمعته وهو يضمها إلى جسده صارخاً: كيوكو .. كيوكووو.. أنا معك!

...لم يتبقى للثنائي سوى أربع دقائق لتوديع بعضهما...

يشق السماء مرة أخرى ضوء البرق الذي يخطف الأبصار.

تلاه صرخات كيوكو وهي تحدق في الهاتف: لوك..كين ... لماذا؟.. لماذا؟!

إنها ساعة الهاتف، تجري الثواني بسرعة أكثر من المعتاد.. و كأن الدقيقة فيها بضع ثوانٍ فقط!

يمسك الهاتف من يدها و يرميه في الماء، يحضنها بقوة؛ وبين الماء المتجمد و السماء الدموية ينسف البرق و المطر مع الرياح الباردة طوفهما الجميل ليتميال بين الأمواج العاتية؛

يسمع لوكين صوت كيوكو تإن و كأن صوتها إختفى، تُتمتم بحزن:

" بل أنا وحدي عالقة ... و إن نفسي ذائقة"

"ميتت الحزن اللائقة ...تأسر القلوب الخافقة"

"لقد كانت السابقة ... و ها هي اللاحقة"

"و ما هي بموافقة ... على دموعنا الغارقة "

ترفع عينيها المحمرة المتعبة نحو السماء الجحيمية:

"إني أراكِ شاهقة ... يا راحة قلبي الدافقة" .

تسيل دمعت.لوكين أسى عليها ناظراً للأفق الفارغ: ساعدني ياقلبي و دلني يا ربي ..

..لقد نفذ صبري.. فإن حان موتي فلا أمانع قتلي..

فإني حامٍ حبي ...حتى يجف دمعي أو يراقُ دمي .

تمسك يده تضمها لصدرها بقوة وهي تإن:

"ريتك جوهرة أزرعها في قلبي فلن يصلو لك حتى يقتلوني"

يقف لوكين على قدميه حاملاً إياها، يصرخ بأعلى صوته و من كل قلبه:

"آسف يا كيوكو!!!"

لقد فجّر البرق آذانهم حتى لم يعدان يسمعان شيء.

يشيح بنظره بعيداً و يرمي كيوكو إلى الماء، لتسقط بخفة كورقة خريف هشة ودمعها يتطاير برؤية ملامح لوكين اليائس،

فجأة ضربت صاعقة من السماء على لوكين و دمرت الطوف لأشلاء محترقة حتى إختفى كل شيء امامها بلمح البسر و تلاشى.

تسقط كيوكو على الماء بعنف مشلولة من هول ما رأت، لقد كانت النظرة الأخيرة فظيعة؛

الماء المتجمد يحاصرها لتفقد السيطرة تغوص وتسقط دون أي حركة، إنها تغرق بملامح مدمرة و قلب مكسور... يدخل الماء رئتيها.. تختنق ببطء.. لم تعد تشعر بشيء فألم روحها فاق أي ألم جسدي.. حتى ضاع أثرها في هاوية لا نهاية لها.

... لقد وصلت ذروة تحملها، لم يعد جسدها أو حتى روحها تتحمل أكثر من ذلك ...

___

على سريرها البائس مستلقية، يعلو صوته المزعج، إنه ذلك الهاتف المقيت، إن وجهها الشاحب قد إمتلأ بالدموع وبلل وسادتها حتى جفت عينها وهي رافضة فتحهما.

و فجأة ينتفض جسدها خوفاً عندما تسمع تلك الصرخة المرعبة في أذنها، صرخة حادة كالزجاج المحطّم:

"مالذي فعلتيه بلعبتي!!"

تفتح كيوكو عينيها لتجد غرفتها ناصعة البياض و كأنها فارغة من أي معنى، يتردد في أذنها أصوات صراخ مزعج.

لتسأل كيوكو و ملامح اليأس و كأنها روح ميتة بجسد حي: أهذه أنتِ يا لينِن؟! مالذي يحدث ؟ ... أين أنتِ؟!

... أين .. أين أنا؟

يتبع...

كيف وجدت الرواية؟