صارت الجامعة مرتع لدموع الفراق .. مرتع لدماء المحبين، مرتع لصرخات الألم و أنين الحزن..لقد صارت مقبرتهما!
ضوء الصباح الباهت يتسلل بين الغيوم الرمادية ليضرب تلك الساعة الكئيبة،و مرمي تحتها تلك الروح النقية، مازالت كيوكو متكورة على نفسها على البلاط المتجمد، يتطاير شعرها من هبّات الرياح الباردة، يلفها الضباب حتى يحاصرها ؛
جسدها يرتجف من البرد الذي يتسلق ظهرها، و من الرعب الذي إحتل عقلها، شعور الضعف و العجز يضرب إتزانها حتى أصبحت كمريضة نفسية !
تنقلب ملامح لوكينLoken برؤية حالتها، يبدو مصعوق من رد فعلها هذه ، فيقترب منها ببطء؛
منخفضاً على ركبتيه يقول:ما بكِ؟! .. آسف إن أخفتك
يعم الصمت؛
مازال يسألها :كيوكو، لا تخيفيني، عهدتك قوية !
(لا ترد)، بصوت حنون لينتشلها: تعالي نجلس جانباً على مقعدنا، افرغي كل مافي قلبك، و سنكون بخير.
ترفض رفع رأسها، و بصوتها المثقل بحزن العميق:
أنا بخير.. ... لكن .... أنت ... لست بخير!!
يتعجب لوكين: أنا؟!
و عينيها تدمع:لقد رأيتك بعيني... البارحة ... لقد كنت .. ميّت!
بدأ الخوف يتسلل للوكين، أدرك أن ملامح و تصرفات كيوكو هذه لا تكذب ! ، و كأن ما تقوله حقيقة ؛
يتساءل:هل هي تهلوس، أم كان مجرد كابوس مزعج !
يقول بهدوء: أنا بخير، مشاعرك و خوفك علي قد وصل، انهضي فأنا حي، ولا تحزنيني بدموعك.
ترفع رأسها وعينيها تفيض بالدموع، فقط تكتفي بالنظر في عينيه، و كأنها تحاول أن تتأكد أن من أمامها ليس وهم؛
في عقلها تقول: الناس حولنا، و لوكين كما عهدته، يبدو أني خرجت من دوامة الزمن البائسة.
لاحظ لوكين الدم يسيل من شفتها: لحظة و سأعود، سأحضر الماء!
تمسح كيوكو دموعها بأكمام ثوبها الشتوي السميك، و ببتسامة دافئة: أتمنى أن تبقى بخير!
..لكن..
...... لكن ... هنالك شيء ناقص! ... مجدداً ... لوكين يبصر !!
يقطع تفكيرها صوته المشؤوم، إنه الهاتف المرمي على الأرض يرن!
...
في ساحة مزدحمة، تعلو أصوات ضحكاتهم البريئة، حيث تلعب الأطفال بالفسحة، تجلس جانباً الطفلة كيوري Kyoury وهي تتأمل صندوق الطعام الذي في حضنها؛
تناديها صديقة:كيوري الجائعة، تعالي لقد جلبت طعام إضافي لكي مجدداً.
تبقى كيوري صامتة تماماً، و صديقتها تركض نحوها:
أعرف أنكي جائعة ولم يعدوا لكي الطعام.
تحاول كيوري أن تختبئ؛ لكنها تقترب وبستغراب: ماذااا!
صار عندك صندوق طعام جديد أيضاً!
هل عادت لتطبخ لكي؟
ترد بملامح جافة و كأن وجهها الطفولي يتلاشى:أختي كيوكوKyouko لم تعد بعد، لقد مرَّ يومين!
تضحك: هل سرقتيه إذن؟
تجيب كيوري:لا، بل صديقتها المقربة،تدعى لينِن Lynen بدأت تعتني بي و تساعدني!
بفرح:كم هي لطيفة! إذا لن أضطر لسرقة وجبة أخي من أجلك!
تكمل:يبدو أن أختك بحفلة ممتعة، أحسد الكبار على هذا !
تأكل كيوري بشراهة وتقول: اريد ان أكبر بسرعة!
حتى لا احتاج لأحد؛
... لكن ...(تدمع عينها)..لكن قد إشتقت لها !
...
وسط زحام الجامعة، مازال يرن، تمد يدها لتلتقطه، إنها رسالة، تفتحها مباشرة،لقد إزداد خفق قلبها عندما وقع عينها على المرسل؛
لسببٍ غريب .... بدا اسمها مريب ... إنها لينِن!
تقرأها بهدوء :
لا تحزني!
أحياناً الحياة تعطينا فرصة جديدة!
أشعر أننا نعيشها اليوم أكثر من أي وقت!!
؛ أوليس هذا جميل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
صوت البرق الذي ضرب الأرض فجأة قد أرعبها، تنحذِف الرسالة وحدها،و بدأ الهاتف يصدر أصوات غريبة، تشويش مزعج حتى انطفأ.
تتأمل كيوكو بقعة الدموع التي تركتها على الأرض،
جفت عينها، و الشك تسلل لها؛
شعور غريب ممزوج بصمت تام، تشعر أنها مسجونة في المنفردة، تتساءل: ما هذا الهدوء؟
فترفع رأسها، المكان فارغ تماماً، إنه مألوف!
الزحام الذي كانت فيه إختفى تماماً!
و في لحظة، يمر شريط ذكرياتها أمامها؛
هكذا قد بدأ الأمر أول مرة!
عرقها البارد يسيل على وجهها، تفكر بعمق:
دوامة الجحيم هذه، لازلت عالقة فيها!
تشعر بقلبها كأنه سينفجر، و بأنفاس عميقة متعبة تصرخ بخوف وهي على الأرض عاجزة: لوكين !!....لوكين، أين أنت؟!
تستجمع قواها، تنهض، فتركض مذعورة و تناديه:لوكين، ارجوك .. أتسمعني..
تهمس بقلبها: ...س..سس .. ستموت ..مجدداً!
ساد الضباب و بدأ المطر يهطل، تتصاعد أنفاسها و هي تركض لترسم بخار الدافئ وسط ذلك البرد.
ما زلت تناديه،لا إجابة، لا يسمع سوى صوت المطر يضرب بلاط الأرض الخشن.
و هي محتارة :
هل إختفى مع الجميع؟ مستحيل أني وحدي !
لم يبقى سوى مكان واحد.
تسقط عينها على مبنى الكلية، نفس المكان الذي دُفِنا فيه!
تستمر بالركض حتى تصل و تحتمي من المطر، تناديه بأقوى ما لديها، صدى صوتها يسافر بين الممرات و يتردد في أرجاء المبنى.
وسط الصمت الذي فيه معنى العدم، برز صوت الحياة،
تسمع ضجة عميق، صوت دبَّ في قلبها السعادة؛
شخص يركض، ينادي: قادم يا كيوكو.
حتى ظهر أمامها، وجدت نفسها تبتسم و تقول في نفسها: على الأقل .. هو موجود.
يقول لوكين: آسف على التأخير، و يبدو أنه لا داعي للماء ،فقد غسلك المطر تماماً.
ترد كيوكو بخجل: لا أمانع المطر، فهو المفضل عندي.
يضحك لوكين: هذا واضح من ثيابك المبللة، ستمرضين هكذا، لننزل للطابق السفلي،في خزنتي بعض الملابس الاحتياطية !
... ذكره ... ذلك المكان ... كان مخيف بكل أشكاله..
لقد تملك الرعب روح كيوكو، يحمر وجهها!
تلهث بثقل، لم يفهم لوكين ما يجري، لكن بنظرة منها قد فهم الأمر، رأى في عينيها ما هو أكبر من الخوف، لم يعرف ما المخيف في ذلك، فقال: لا بأس، إبقي هنا ،
سانزل و أعود فوراً.
صوت البرق ارتفع، انتفض جسدها من الخوف، أمسكت يده و تركض وهي تشدها!
تقول: سنخرج حالاً من الجامعة!
يسأل متفاجئ: لما؟! لننتظر على الأقل توقف المطر.
لكن كانت الإجابة عندنا رأى لهفتها و إندفاعها، فقرر أن يستمع لما تريد.
تتمتم كيوكو: سنعيش للغد.. سانقذه .. سأخرج من الدامة!
كل ما تريده هو أن نبقى أحياء ليوم آخر فقط!
...
لقد خرجا من المبنى، مازلت كيوكو تركض تحت المطر، لوكين خلفها يتبعها قائل: لنهدأ قليلاً، لنبحث على مظلة على الأقل.
كيوكو تسرع أكثر، وهي تلهث: لن أخاطر بالبقاء هنا!! لنهرب فقط، الوقت يمر، يجب أن..
(و قبل أن تكمل) .. تتعثر كيوكو فيختل توازنها، و فوراً أمسك لوكين ثيابها قبل أن تسقط على وجهها.
لقد وقعت على ركبتيها فقط؛
ينظر لوكين بشفقة، حزين عليها:
أنت لست كما عهدتك، لطالما كنتي الهادئة الذكية!
كيوكو بحزن: جربت الهدوء و لم ينفع، ربما الهروب هو الحل.
تحاول كيوكو الوقوف، لقد لَوت كاحلها، تغص قليلاً، تكافح للمشي وحدها، إنها تترنح، بالكاد تحفظ توازنها.
لوكين: تعالي أسندك و نمشي أسرع.
تضع يدها على كتفه و تقبضها بقوة وهي تمشي.
...
الصباح الباكر كأنه الغروب من شدة الضباب و المطر،
يشعر لوكين بحرقة كيوكو من قبضتها المشدودة على كتفه،ينظر في وجهها المغطى بشعرها المبلل و يهمس:
ما شدة خوفها علي! أشعر بالذنب أني جعلتها هكذا مع أني لم أفعل شيء!
يقتربان من بوابة الجامعة،يلحظان أشياء تحت أقدامهم، يمشون على أرض مليئة بالحصى، ينظران للأفق المشوش الذي غطاه الضباب، الأمر غريب، يتوقفان لحظة و يتمعنان فيما أمامها؛
بوابة الجامعة محطمة، يقتربان بهدوء حتى يتجمدان من ذلك المنظر، تلك الأبنية الضخمة خارج الجامعة، إنها مدمّرة، و الأرض أمامهما كلها حفر و ركام !
تتساءل:أجبني لوكين، متى كانت الأبراج محطمة.
لوكين:جئت من هنا منذ قليل، لم يكن المكان كذلك!
صوت صفير غليظ مزعج يعلو، هدير من السماء يهز الأرض، يرفعان رأسهما مباشرةً،شيء يلمع فوقهما، يقترب و يعلو صوته المهيب،
يتخدران مكانهما من الخوف و الصدمة،
طائرة سوداء تحترق في الهواء، تسقط من بين الغيوم بسرعة جنونية حتى تصطدم بالأبنية التي امامهم،
لقد أضاء المكان و كأن أمامهم الشمس بوهج ناري، و تبعه صوت إنفجار من شدته زلزل الأرض التي يقفون عليها. و نثر من الركام و الشظايا الملتهبة الكثير.
وجدت كيوكو نفسها على الأرض تلف يدها حول رأسها، و لوكين تمسمر جسده من هول المنظر.
و قبل أن ينطِقا بكلمة، لمع في السماء نقاط حمراء، تكبر و يشتد سطوعها، تقترب بشكل جنوني، لقد خرقت الغيوم و أحالت ظلام المكان إلى الأحمر الدموي،تمر من فوقهم بلمح البصر،كانت مشوشة و كأنها تختفي و تظهر بطرفة عين، كانت كصواريخ عملاقة .
لقد شق آذنهم صوتها، شَعَرَ لوكين بضغط شديد و كأن الهواء ينضغط ليطحنه بالأرض.
تصرخ كيوكو بكلام غير مفهوم؛
يمسك لوكين بكتفي كيوكو و يصرخ: هيا نعود لنختبئ بالقبو،إنه المكان الوحيد للنجاة.
و يلمع أضواء متوهجة تبعه أصوات إنفجارات مدوّية .
يكمل:ألا تري أن الجامعة أكثر مكان آمن.
تشق الغيوم طائرة أخرى تسقط، حتى نسفت مباني أخرى أمامهم، و بضوئها كشف وجه كيوكو الغارق بالدموع.
يصرخ: كوني قوية، الدموع لن تنقذنا! هيا نعود!
شدها لتنهض، لكنها ترفض؛
و بحسرة تصرخ كيوكو: قلت لك أني جرّبت!
لوكين متوتر، يحملها مباشرة على كتفه و يركض،
و تستمر كيوكو بالصراخ:لا ... لا!! ..توقف لوكين!!
تعض يده ، يختل توازنه فيسقطان على الأرض،
تتشوش الغيوم و يظهر من العدم طائرة تسقط مباشرة على مبنى الكلية بلمح البصر!
إنهار لوكين بجانب كيوكو وهو يتمتم:لا مهرب!
لقد أدرك الموقف تماماً،يدير رأسه لها،
و بنظرة على وجهها و سماع صوتها جلعلته يفكر:
هنالك حل، سأنهي الأمر بسرعة!
تتأمل عينيه:إفهمني لوكين، أنا عالقة،
أنا ضائعة، أنا مدمرة، لا أتحمل هذا!
أضواء الإنفجار تكشف دموعها وجهها المنهار وهي تقول:
عالقة... ضائعة! ، الموت في كل مكان، ستموت!!
كيف تريدني أن أتحمل رؤيتك هكذا مجدداً!!
لا أمانع أن أموت قبلك!!
لكن موتك يكسر قلبي!
تلمع السماء بإنفجار أظهر وجهه الجميل، دمعته تسيل وهو يبتسم ابتسامته المميزة الهادئة رافعاً رأسه للسماء و المطر يضرب وجهه:
نبذتنا الأرض و ضاقت السماء، نحن محاصران بلا مهرب،
آسف كيوكو، لكن... إن كان قدري أن أموت ... فلن أهرب .. بل سأكون سعيد إن أتى قدري و أنتي معي ...
لكن لن أرتاح إن كنت حزينة بعد موتي ..
بل أرجوكي ... إدفنيني بيدك ، و ضعي وردة على قبري و أنتي مبتسمة، فسأكون سعيد!
تئن كيوكو: للل.. لا ... لا لا لا !!!... يجب أن تنجو للغد فقط... لما كلكم تريدون تركي وحدي!
يقاطعها لوكين:يغمرني شعور الرضا بالموت، كل ما أريده أن أترك ذكرى طيبة و تبقون مبتسمين.
تنير السماء الدموية على الأرض حولهم، فتلمع في عينيه انعكاسها، تزحف يده ببطء، يلتقطها، تلاحظه كيوكو، حملها مباشرة و ضعها قرب رقبته، و مباشرة قفزت كيوكو فوقه و ثبتته بكل قوتها وهي تصرخ من قلبها:
أفلت قطعة الزجاج تلك ... هل تريد أن تنتحر!!
يصرخ و عينه تدمع و يده تنزف :
أنتِ لست الوحيدة الذي يتعذّب،
أتركيني فهذا قدري، نحن محاصران، سأموت بكل الأحوال فلما علي رؤيتك تبكين منهارة؟ ... أنا أيضاً ... لا اتحمل هذا !!!
تقبض على قطعة الزجاج التي بيد لوكين فتنزف يدها أيضا و تختلط دماؤهما، يفلتها لوكين مباشرة؛
ترميها كيوكو وهي تبكي، وقع دمعها على عيني لوكين وهي تمسح وجهه فيتلطخ بالدم و تصدر صوتها الحنون:
لا تبكي، ساجد الحل .. فلا تبكي أرجوك!!
ترفه رأسها للأعلى، المطر يغسل وجهها، تفتح عينها على السماء، كل ما تراه أعمدة الدخان و أضواء الانفجارات تتصاعد و تطغى على البرق، تهمس:
ربّي ... أنا ضائعة فدلني يا ربّي .. دلني ماذا أفعل !!!
يتبع...