البُكاء حتى الموت

الفصل 3

3.مجدداً

1,311 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

في ظلمات الليل الحالك ..مطر ينهمر بشدة .. بوقت متأخر جداً، الشوارع ميتة خاوية، في تلك المقبرة الصغيرة، يقف هنالك شخص أمام قبر، بجانبه المجارف مازالت ملطخة بالتراب، شخص دُفن من لحظات .. يشق البرق خشوع المكان .. و بضوئه يكشف المستور .. الذي يقف أمام القبر فتاة .. تتمتم بكلام غير مسموع .. كل ما يُسمَع هو جملة واحدة (سأنتقم!!).

...

عند الحرم الجامعي .. وسط هدوء مخيف.. الذي يتخلله الرياح الباردة .. حيث تسقط كيوكو منهكة .. عقلها لم يدرك بعد كل هذا .. كيف لِلوكين أن يكون بخير ..و كيف عاد بصره .. و كيف أن اليوم بنفس تاريخ البارحة .. و كيف اختفى الناس .. و أين لينِن ؟؟!

... بعد دقائق ...

يتمشيان وحيدين في الساحة .. تشتد الرياح و يزداد الضباب .. فتنحجب الرؤية و يبرد الجو أكثر ؛

تحس كيوكو بالدفئ بجانبه .. إنها سعيدة بمرافقته !

يتجهان للمبنى ليتفحصان المكان أكثر .. يتجولان فيه .. يتفقدان المكاتب .. يزورون المقاصف .. إنها فارغة تماماً !!

يبدأ المطر ينهمِر .. إنّ صوته الجميل يقتل ذلك الصمت المخيف .. الجو صار بارِد .

يلاحِظ لوكين Lokenشيء فيقول لكيوكو Kyouko:

ما بال الكهرباء تضعف و الأضواء تخفت..لم اشحن هاتفي .. و صار الجو بارد بدون التكييف.. لننزل للطابق السفلي .. في خزنتي بعض الملابس الاحتياطية !

كيوكو:لا بأس .. هيا .. أتذكر أني تركت بعض الوجبات الخفيفة في خزنتي .

ينزلون للطابق السفلي .. إنه هادئ تماما .. لا أحد .

ممرات متقاطعة مليءة بالخزن المعدنية.

يذهب كلٌ إلى خزنته ذات القفل الحديدي .. صوت الصدى من القفل يبدو مؤلم .. إنهم وحيدان!

تتمعن كيوكو لي لوكين وهي تقول في نفسها: أول مرى أراه يفته خزنته بيده، لطالما كانت لينِن تمنعه من المحاولة حتى .

يكسر ذلك الصمت صوت مدوي يشق آذانهم ..

إنفجار يزلزل الأرض و يهز كيانهم من الخوف ..

لقد انهارت السلالم التي أتو منها .. غبار الركام ينتشر

في كل مكان و رائحة الحريق تنخر أنوفهم ..

تصرخ كيوكو من الذعر: ما هذا !! لومين أين أنت!!

لا أراك ... اتسمعني؟!!

يهرع لها : هل أنت بخير !! لما أنت على الأرض ؟!

هل تاذيتي؟!

ترد بتردد: أ.. أنا بخير .. فقط إنحلّت ساقاي من الخوف .

الغبار الكثيف يعمي أبصارهم و يخنق أنفاسهم ..

ينهضان .. يبتعدان عن موقع الانفجار .. و هم يركضان..

يشم لوكين Lokenرائحة زيتية فيقول:

إنه المولِّد الذي تحت السلالم .. لقد إنفجر و سيحترق بمة فيه الكفاية حتى يخنق المكان ...

كيوكو:هل ذلك بسبب الصواعق خارجا؟

سأتفقد مخارج أخرى..

إذهبي للعمق حيث يوجد مكاتب و حمامات الموظفين .. هنالك تهوية جيدة !

كيوكوKyouko :حسناً .. فكرة جيدة!

...

لوحة صغيرة مكتوب عليها:< مخرج طوارئ > ؛ لوكين ينظر لها لوكين ثم إلى ذلك الباب المعدني المقفل .. يحاول قليلا ثم بعود لكيوكو .

يتبع صوتها .. دخات غرفة بآخر الرواق؛

كيوكو:ماذا حدث .. هل وجدت مخرج ؟

لوكين:كل المخارج حتى مخرج الطوارئ أبوابهم الحديدية مقفلة

كيوكو باستغراب :بوابات حديدية! .. لم يكن هنالك شيء كهذا!!

لوكين:لا فائدة .. نحن محاصرون حاليا!

...

في غرفة مظلمة ..مكتب ضيق في عمق الجامعة .. تنحبس الروحين الوحيدتين في سجن لا يتصل بالعالم الخارجي سوى بأنبوب تهوية صغير يؤمن هواء للتنفس..

لوكين يقوم بإغلاق الباب بأحكام بالورق و القماش الرطب لمنع دخول الدخان..

و كيوكو تعيد ترتيب المكان ليتسع لهم و تبحث عن أشياء مفيدة في زوايا المكان ..

...

قبل غروب الشمس .. الضوء يصبح خافت جدا .. البرد شديد .. يشعلان المدفأة التي تحوي بعض الوقود .. يجلسان على الأرض حولها و كيوكو تضع يديها بين ساقيها .. تبدو متعبة .

يمسك لوكين حقيبتها و يضعها بجانبها بهدوء ؛

تقول كيوكو: شكرا لك...من الجيد أني أمسكت بحقيبتي .. لدي بعض الطعام هنا .

تخرج بعض الحلوى من حقيبتها .. لن تشبع لكن سيعطي الطاقة الضرورية للبقاء .

يسأل لوكين: هل أنت بخير .. هل صدرك يؤلمك؟

ترد كيوكو:لا أشعر بالاختناقاو الضيق ..

لكن احس بأن رأسي ثقيل و بشرتي جافة.. و بعض الوهن ..و الأغرب عو بوخزة عند المرفق.

< و تشير عل اوردة يدها>

تكمل كيوكو: ماذا عنك انت .. أخبرني كيف عاد بصرك

يبتسم و يقول بهدوء .. أسلوبه غير مريح غير مألوف: لا أعرف ... استيقظت هكذا .. ربما صدفة.

لا تجد كيوكو ما تقول ، الوضع لا يسمح ، تعض شفتيها ،هنالك ما تريد قوله، ثم تهدّئ نفسها،تمسك هاتفها وهي تفكر: ليس الآن.

لقد غربت الشمس، ساد ضوء القمر وسط السماء الداكنة؛

مازال المطر يهطل، و من شق صغير في زاوية السقف،يتسلل ضوء لتلك الغرفة الضيقة الدافئة ؛لا يكادان يرون بعضهم ، الجو يشتد برودة مع خفوت نار المدفأة، يشعر لوكين بقشعريرة كيوكو الجالسة في الزاوية، جسدها يرتجف، و وسط الهدوء التام ، يقف لوكين،يزيل معطفه و يضعه على كتفي كيوكو،

ترفع رأسها،تفتح عينيها، تسأل بصوت وكأن حلقها جاف:إلى أين ذاهب؟

يرد لوكين باستغراب:آسف، لم ألحظ أنكِ نائمة..

تشير بيدها:لا بأس، شكراً على معطفك، إنه كبير جداً و كأني غارقة في الدفئ.

يبتسم لوكين و يتوجه نحو الباب، تناديه كيوكو: لا تخرج، ربما مازال الحريق خارجاً.

وهو يحاول فتح الباب: سأبحث عن مخرج، لن نبيت هنا.

تبتسم كيوكو و تنظر للأرض، تقول بخجل:

لا أمانع البقاء هنا أكثر !!

يفتح الباب، بصوته الحنون:

سأبحث عن مكان أفضل، سأعود قريباً.

...

تجلس كيوكو وحدها، تتأمل نار الدمفأة التي توشك ان تنطفئ، تلمع عينيها وسط الظلام ، تُلاعب شعرها وهي تناجي نفسها: هل سيقولها أمامي، يوفي بوعده بنفسه هذه المرة .

تمسك هاتفها، الساعة 4:59صباحاً

...تنطفئ النار ...

تغمض عينها، تهمِس: سيأتي بأي لحظة !!

...

بعد لحظات، يشع ضوء من تحت الباب، لمَعة لحزء من الثانية،ضوء شق عينيها، فجأة الجدار الذي تسند ظهرها عليه يهتز و الأرض ترتحف رجفة قد هزّت كيانها؛

و بلحظة سُمع صوت إنفجار خرق أذنها حتى اسقط في صدرها الرعب؛ صوت إنفجار مدوي قرب الغرفة .

تقوم مفزوعة، تمسك هاتفها و تلف وجههابمعطفه؛

تفتح الباب لتستقبلها كتلة غبار ممزوجة بدخان أسود؛

الرؤية شبه معدومة، تمشي بضوء الهاتف و انفاسها العميقة تخترق قماش المعطف السميك،

تلحظ ضوء في نهاية الممر، تركض نحوه و دنوعها تمتزج بالدخان، فتسيل على خدها تاركة خط أسود كالكحل فتسقط و تتبخر في الأرض.

...

تتقوقف عن الحركة، لم تعد تتحمّل وهج النار و تصاعد الدخان، تزيل المعطف من وجهها، تسعل بقوة،

تصرخ بقوة باسمه:لوكين!!! ... لوكين !!!

تسعل، تكاد تختنق، تصرخ بصوت حزين:لو... لوكي..ن

تكافح ليخرج صوتها، تنظر حولها، تدخل الغرفة المشتعلة، لا تكاد ترى أي شيء سوى الدخان و الغبار،

... حين دخلت ... سقط هاتفها ... والذي يشير لذلك الوقت...

.... الساعة ... 5:04 صباحاً ...

لقد كانت رأئحة المكان كالّحم المحترق،هنالك سلك كهربائي يهتز و يخرج منه شرار لامع.

وسط تلك النيران، كان يرقد جسده بهدوء،

... إنه ذلك الهدوء الشديد ... هدوء الموت ...

كيوكو، بجسدها المخدر و ملامحها الجامدة، لم تتحمل هذا المنظر .

تمد يدها، تناديه: تعال إلي ... س.. ستختنق .. س.. ستحترق !! ... لا .. لا .. لاتمت مجدداً!!!

تسعل ، تسقط على الأرض، لقد فقدت الوعي .

تستلقي الروحان الوحيدتان بجانب بعضهما البعض تحت الأرض في عمق الظلام، تلسع أجسادهم حرارة النيران و تنطمر أجسادهم تحت الركام .

... لكن ... أين ذهب البشر ... كيف يحدث هذا لهما ...

...

هاتف يرن.. صوته المزعج.. إنه ذاك المنبه الصاخب.

تفتح كيوكو عينيها مذعورة، تنهض مفزوعة، لتجد نفسها على سريرها، تلمس وسادتها.. إنها رطبة من الدموع.. مجدداً!

تشعر كيوكو بالغرابة، قلبها يخفق بشدة وهي تنظر للهاتف، تتردد في لمسه وهو يرن بصخب،

أنفاسها تتعمق و عرقها يسيل ، تمسكه، تقفز عينها إلى الوقت .

... رمت هاتفها بعرض الجدار ...

تصرخ: لا أحناجه !!! لا أحتاج هذه الخردة !

مكتوب عليه: <<اليوم: 13_9>> .

تتجهز مباشرة و بسرعة،تتوجه فوراً إلى الجامعة؛

تركض بين الزحام إلى مركز الساحة، ترفع رأسها،تفتح عينيها، وفي لحظة تسيل دمعتها !!

حتى هناك.. الساعة تشير: <<13_9 7:54 صباحاً>> .

تسمعها مجددا، صوت خطوات و الأنفاس المألوفة .

تدير وجهها الغارق بالدموع، و بملامحها الحزينة !

يقف أمامها قائلاً:

..... "إنكِ أجمل مما تخيلت!!" .....

إنه لوكين !!!

تسقط على الأرض، تتكور على نفسها، تحشر رأسها بين ساقيها، تغمض عينيها التي تسيل، و تعض شفتيها حتى تدمي، تهمِس بصوت متردد :

م..مم....ماذا يحدث؟! ... أحدٌ ما .... ارجوكم ... س ...س.س .. ساعدوني !!

يتبع...