سرمد

الفصل 9

طوفان الغضب وصدمة الأقطاب

1,128 كلمة · 6 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

لم تكن مجرد صرخة حرب عادية؛ بل كانت هديراً بركانياً انفجر من حناجر آلاف الرجال الذين سُلبوا كل شيء.

من بين الدخان الكثيف الذي خلفته النيران المخمدة، اندفع ثوار الكونت "فيليكس نوفاريس" كوحوش كاسرة كُسرت أقفاصها للتو. كل جندي منهم كان يحمل في صدره مقبرة؛ هذا فقد زوجته وأطفاله، وذاك سُلب أرضه وعُذب في سجون "قبضة العدالة الحديدية".

لم يكونوا يركضون نحو المعركة بحثاً عن النصر المادي، بل بحثاً عن القصاص. كانت دموع القهر تختلط بعرقهم وهم ينقضون على صفوف العدو.

في قلب هذا الطوفان البشري، كان "لوجارو" يركض. أنفاسه متلاحقة، وعيناه متسعتان من هول المشهد. لم يعتد قط على رائحة الدماء والحديد التي أزكمت أنفه، لكن الزئير من حوله ألهب شيئاً غامضاً في داخله. سحب سيف معلمه بيديْن ترتجفان قليلاً، واندفع مع الموجة، يبتلع خوفه وسط هدير الثوار.

تعالت صرخات الثوار.

"ستكون هذه أرض قبرا لكم ..."

أمامهم، كان المشهد أقرب إلى كابوس لجنود القبضة. "غابرييل" لم يكن يقاتل، بل كان يعزف سيمفونية من الدمار. كل لكمة من قبضتيه العاريتين كانت تضرب دروع الجنود فتهشمها.

بوووووم!!

بوووووم!!

وتقذف بأجسادهم أمتاراً في الهواء وكأنهم دمى محشوة بالقش.

"إلى أين ستهربون"

وفي الجناح الأيمن، كان "مورست" يرقص بسيفه رقصة الموت، يقطع الأوصال ويفصل الرؤوس ببرود قاتل، بينما كان "أوين" في المقدمة، يمزق التشكيلات الدفاعية ككاسحة جليد، فاتحاً ثغرات دامية ليتدفق منها الثوار.

" اليوم يومكم ونصر نصركم!!"

"تقدموا....."

"أروا ظالمين حقيقتهم.."

وسط هذا الانهيار المبدئي لخطوطه، تعالت صرخة هزت أرجاء ساحة المعركة.

"اثبتوا يا حثالة! من يتراجع خطوة سأقطع قدميه بنفسي!"

إنه المارشال الأعظم "غريغوريو". وقف شامخاً وسط جنوده المذعورين، وبحركة مليئة بالغطرسة ، سحب سلاحه الأسطوري المرعب... "ناب الشر". نصل مسنن شديد السواد، ينضح بهالة من الخبث والدموية. رفعه عالياً، ليعيد تنظيم صفوف جنوده الذين استمدوا الشجاعة من وحشيته.

لكن في الجهة المقابلة، كان هناك عقل تكتيكي بارد يراقب المشهد من بقعة مرتفعة. إنه "غوتو"، العقل المدبر ومنظم فرق الثوار. بعينين ضيقتين، أصدر أوامره فوراً. "تشكيل الهلال القاتل! الآن!"

بأمر من غوتو، انقسم جيش الثوار بانضباط مذهل. الخيالة، السيافون، والجنود الهجينون تحركوا كأمواج متناسقة لإحاطة جيش غريغوريو من الجناحين.

"صدر آمر القائد ..."

"الهلال... الهلال...تشكيل الهلال..".

تمركز خبراء القنص وأصحاب السهام في الجنوب لتغطية الالتفاف. وفي ذات الوقت، انطلقت "النخبة" كالسهم المسموم لاختراق عمق صفوف القبضة الحديدية، هدفهم واحد: نشر الفوضى، تمزيق التشكيل، وإرباك العدو من الداخل. وكان "لوجارو" ضمن إحدى فرق الالتفاف، يركض وسيفه يلمع تحت شمس المعركة.

يتذكر جدته و كل ما تعلمه من معلمه يقاتل بكل بسالة مع أنه من داخله مرتعب فهي اول معركة .

أدرك غريغوريو بحنكته العسكرية فخ الإحاطة. زمجر بأعلى صوته: "فرقة الرماح! الجناحين الأيمن والأيسر، أمطروهم بالموت!"

انطلقت مئات الرماح الطويلة كزخات مطر مميت نحو الثوار الذين يحاولون الالتفاف. سقط العشرات.

"آآآه! أخي!" صرخ أحد الثوار وهو يرى رفيقه يُخترق برمح في صدره. لكن بدلاً من التراجع، جثا الثائر، أغلق عيني رفيقه الميت، ونهض وعيناه تشتعلان بنار الجحيم. "لأجل الدماء المهدورة... اقتلووووهم!"

كلما سقط ثائر، ازداد غل الباقين. استمروا في التقدم وسط وابل السهام والرماح والمتفجرات البدائية، يدوسون على جثث رفاقهم دون ذرة من التردد.

وهنا، لعب "غوتو" ورقته النفسية المرعبة.

بدلاً من إرسال الجنود دفعة واحدة،كان قد ترك ربع الجيش في الخلف أمرهم بالاختباء خلف التلال والغطاء النباتي، مقسماً إياهم إلى فصائل. كلما ظن جنود القبضة أنهم أوقفوا موجة من الثوار، كانت تنطلق موجة جديدة بعد ثوانٍ قليلة مع صرخات مرعبة. هذا التكتيك المتعرج زرع وهماً قاتلاً في عقول جنود القبضة:

"إنهم لا ينتهون! عددهم لا يحصى!"

بدأت أيدي مطلقي السهام في جيش القبضة ترتعد. كانوا يرون الموت يقترب منهم بثبات مرعب؛ رجال ينزفون وتخترقهم السهام، ومع ذلك يواصلون الركض نحوهم بوجوه شياطين غاضبة.

"اللعنة... ما هؤلاء؟ إنهم ليسوا بشراً!" صرخ أحد الرماة قبل أن يسقط سهمه من يده.

وفي لحظة، اجتاح الثوار خطوط الرماة. دهموهم بلا رحمة، يمزقونهم إرباً ويسحقون الفرقتين تماماً. تضيقت المساحة، وبدأت حلقة الخنق تلتف حول عنق المارشال وجيشه.

فيليكس ،غابرييل ،أوون ،مورست كل واحدا وقف في جهة يوجه الجنود .

وبتنسيق مسبق وإشارة خفية من الكونت "فيليكس نوفاريس"، أعطى غوتو الأمر الحاسم. تسللت مجموعة خاصة من المتميزين من خلف التلال، ووجهت ضربة صاعقة لمؤخرة جيش القبضة الحديدية.

أُغلقت الدائرة. حوصر جيش المارشال غريغوريو من كل حدب وصوب. لا مجال للانسحاب، ولا طريق للفرار.

ساد الرعب في صفوف القبضة الحديدية. بدأ الجنود والقادة يتساقطون كأوراق الخريف في طاحونة الموت، بينما فيليكس وغابرييل يبيدان كل من يقف في طريقهما.

وسط هذا الانهيار، وحيث أصبحت الخسارة واضحة كالشمس، جن جنون المارشال الأعظم. أطلق زئيراً حيوانياً وبدأ يلوح بـ "ناب الشر"، قاطعاً أجساد الثوار إلى أنصاف في محاولة يائسة لكسر الحصار.

لكن طريقه سُد بجدار من العضلات والصلابة. "غابرييل".

توقفت المعركة تقريباً في محيطهما. تقابل القطبان. تراجعت الصفوف من الجانبين هرباً من الضغط المرعب الذي بدأ يتشكل في الهواء. "أنت..." بصق غريغوريو الدم من فمه وعيناه تشتعلان غضباً. "سأجعل من جمجمتك كأساً لشرب!" لم يجب غابرييل بكلمة. بل تقدم بخطوة واحدة صدّعت الأرض تحته.

بدأ النزال الأيقوني.

اندفع غريغوريو بسرعة لا تناسب حجمه، ملوحاً بـ "ناب الشر" في هجمات متتالية خلقت عواصف من شفرات الهواء القاطعة. في المقابل، لم يتراجع غابرييل؛ بل التقى بالسلاح المرعب بلكمات عارية غُلفت بهالة طاقة بيضاء مكثفة. بووووم! باااام! كل تصادم بين السيف والقبضة كان يولد موجات صدمة تقتلع الجنود القريبين من جذورهم وتطيح بهم بعيداً. كانت الأرض تتشقق، والغبار يرتفع كأعاصير صغيرة حولهما. كان غريغوريو وحشاً في فنون السيف، يطعن ويناور محاولاً إيجاد ثغرة في دفاع العملاق.

"ستكون هذه المنطقة قبرك أيها العملاق ".

لكن غابرييل كان كالجبل الصامد، يتفادى بمرونة مذهلة ويوجه لكمات كانت قادرة على تحطيم جبل.

"كثير ممن سبقوك قالوا نفس شيء".

إشتدت المعركة غابرييل يوجه لكمات ولكن كل كلمة منه كان المارشال يتصدى لها بسيفه.

وفي لحظة من الثقة العمياء، ارتكب المارشال الخبير خطأً مميتاً. رفع "ناب الشر" عالياً بكلتا يديه، كاشفاً عن جانبه الأيسر لجزء من الثانية استعداداً لضربة قاضية. لم يضيع غابرييل تلك اللحظة.

اندفع متجاوزاً مدى السيف، وبحركة محورية، جمع كل طاقته في قبضته اليمنى، وسدد لكمة مباشرة نحو كتف وذراع غريغوريو المرفوعة.

صرخ غابرييل "الموجة الصدمة الداخلية".

كراااااك!

صوت تهشم العظام كان عالياً ومقززاً لدرجة أنه طغى على صرخات المعركة. طار غريغوريو للخلف، وسقط "ناب الشر" من يده بصوت معدني رنين. وقف المارشال الأعظم مترنحاً، ونظر إلى ذراعه. كانت ممزقة، متدلية بزاوية بشعة غير طبيعية، والعظام قد تفتتت بالكامل تحت الجلد، بينما تنزف الدماء بغزارة كشلال قرمزي. لقد شُلت يده تماماً.

انفجر غريغوريو بصرخة ألم وغضب لم يسمع أحد مثلها قط. احمرت عيناه لدرجة خروج الدم منها، وبلغ حقده أقصى حدود الجنون. استعد ليلقي بنفسه في هجوم انتحاري أعزل، واستعد غابرييل لإنهاء حياته...

لكن فجأة... حدث شيء غير متوقع.

دُوم... دُوم... دُوم...

اهتزت الأرض، لكن ليس بسبب لكمات غابرييل. كان الاهتزاز منتظماً، ثقيلاً، ويقترب بسرعة. توقفت الأيدي عن القتال. صمتت حناجر الثوار. حتى غريغوريو وغابرييل أوقفا حركتهما ووجها أنظارهما نحو الأفق. صوت احتكاك الدروع، رنين المعدات الثقيلة، وأصوات قرع حوافر لآلاف الخيول التي تندفع كعاصفة تقترب من ساحة المعركة. في السماء فوقهم، اسودّ الأفق بأسراب الطيور التي تفر ذعراً من القادم المجهول.

تجمد الجيشان في مكانهما، أنفاسهم محتبسة، والعيون شاخصة نحو مصدر الصوت المرعب الذي يبتلع المسافة نحوهم... من الذي جاء إلى ساحة الموت؟