سرمد

الفصل 10

مدّ الحديد وشرارة الصمود

1,074 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

لم يكن زلزالاً طبيعياً ذلك الذي ضرب أطلال منطقة "سُول"، بل كان هديراً يصم الآذان لآلاف الخيول المدرعة التي شقت غبار المعركة. من بين سحب الدخان الرمادي، برزت رايات "قبضة العدالة الحديدية" ترفرف كأجنحة غربان الموت، معلنة وصول جيش جرار لم يكن في الحسبان. طوفان من الدروع اللامعة والحراب المشرعة انحدر كالسيل نحو ساحة القتال، هدفهم واحد: سحق الثوار ومنع سقوط "سُول".

في قلب العاصفة، اصطدمت مقدمة المدد الحديدي بالجبهة المتقدمة للثوار. وفي لمح البصر، التفت كتيبة كاملة من المدرعين حول المارشال الأعظم "غريغوريو" كدرع بشري فولاذي متراص. كانوا مستعدين لتلقي الموت بدلاً من قائدهم، مانعين الوحش "غابرييل" من توجيه الضربة القاضية.

ولكن هل هذا كان كافيا أمام ألة الحرب.

في لحظة بدأ غابرييل بتوجيه لكمات للوصول لغريغوريو

تراجع غريغوريو، ووجهه شاحب من شدة الألم، يجر ذراعه المحطمة التي تنزف بغزارة.

وقف غابرييل "إذن لن تبتعد عن طريقي..، تريدون موت ".

أشعت عينا غابرييل،ظهرت ملامح الرعب على وجوه الجنود.

"لكم ذلك"

لم تمر ثوان بدأ هواء يضغط و الأرض تتكسر تحت قدمي غابرييل ويداه تشع.

"تثبيت.."

تسمر كل الجنود القبضة المحاطين بالغابرييل غير قادرين على تحرك في لحظة ذهول.

"التفجير المجالي.!!!!"

بوم!!

بوم!!

بوم!!

إنفجار مرعب من طاقة وضغط الرياح بدأ يمزق رئتي كل جندي

ما إنسدد غابرييل تلك اللكمة في المجاليه حتى كانت عظام و أعظاء كل جندي سحقت من داخل .

"إلى أين فر ذلك المارشال الجبان"

كانت عينا المرشال تقدحان شرراً وحقداً وهو يرمق غابرييل من خلف دروع جنوده، توعده بنظراته قبل أن ينسحب نحو الخطوط الخلفية لتلقي العلاج، تاركاً خلفه أمواجاً من الجنود لسحق التمرد.

"غابرييل.. غابرييل..سيأتي اليوم الذي سأسدد فيه الدين".

مع انسحاب المارشال، اشتدت المعركة وتحولت إلى مفرمة لحم حقيقية. تفوق جيش القبضة الحديدية كان كاسحاً بالعدد والعتاد، لكن جنود "فيليكس نوفاريس" لم يكونوا بشراً عاديين؛ بل كانوا أرواحاً صقلها القهر. لم يتراجعوا، بل زادتهم الكثرة شراسة.

وهنا، تجلت شرارات القوة الخفية. بدأ الثوار باستخدام القوة التي أتقنوها بمرارة؛ صرخ أحدهم وتصلب جسده حتى ارتدت السيوف عن جلده وكأنه صُنع من الحديد الخالص، وآخر تحولت قبضتيه إلى ما يشبه الحجارة يحطم بها خوذات العدو، بينما انطلق آخرون يلوحون بأسلحتهم مطلقين شفرات هالة حادة تقطع الدروع واللحم معاً.

وفي المقابل، لم يقف جنود القبضة الحديدية مكتوفي الأيدي، بل أظهر متميزوهم قوى مماثلة، لتتحول الساحة إلى عرض مرعب لتصادم الهالات والقدرات الخارقة.

وسط كل هذا الجنون، ومن أعلى هضبة تطل على منخفض "سُول"، وقف العقل المدبر "غوتو". كانت عيناه الباردتان تمسحان ساحة المعركة كقعقعة شطرنج دموية. عندما رأى أن الخناق يضيق، رفع يده وأطلق إشارة نارية متوهجة شقت عنان السماء بصوت حاد.

في اللحظة التي انفجرت فيها الإشارة، تزعزعت أشجار الغابة المجاورة. انطلق فيلق الاحتياط التابعة لجيش الثوار كظل كاسر انقض من العدم. مع صيحات حرب زلزلت الأرض، التحموا بالعدو.

ارتفعت معنويات الثوار إلى عنان السماء. هناك في المقدمة، كان "غابرييل" ككابس غاضب، مجرد تلويحة من ذراعه كانت تخلق موجات ضغط تشطر صفوف العدو وترسلهم محلقين في الهواء.

وبجواره كان الكونت "فيليكس"، سيفه مجرد وميض مجري يمر بين عشرات الجنود فيسقطون إرباً في آن واحد. أما "مورست"، فكان يتحرك كشبح الموت، يغرس نصله في النقاط الحيوية بلا شفقة ولا رحمة، تاركاً خلفه مساراً من الجثث.

وسط هذه الملحمة، كان الفتى "لوجارو" يخوض معمودية الدم الأولى في حياته. كان مدهوشاً، قلبه يدق كطبول الحرب، ورائحة الموت تزكم أنفه.

يقاتل بكل ضراوة محاولا أنجاة إلا تلك لحظة ضربه أحد جنود القبضة سقط لوجارو في لحظة تبدوا أنها نهاية بدى العالم يضره له كشريط ذكريات.

إلا أن رأى لكمة في رأس ذلك الجندي سحقت عضامه.

"إنهض يافتى لازال الوقت مبكرا على موتك!".

جمع لوجارو وقفته.

وسط الخوف، كان هناك غضب أعمى. قبض على سيف معلمه بشدة، متذكراً المهارات البسيطة والهالة الخافتة التي تعلمها. كلما لمح شعار "قبضة العدالة الحديدية" على دروع الأعداء، ومضت في ذهنه صورة جدته، وتلك الأيام البائسة التي ذاقوا فيها مرارة القهر.

صرخ لوجارو صرخة مزقت حنجرته، وانقض بشراسة و و حشية ، يعزز نصله بتلك الهالة البسيطة، يراوغ، يطعن، ويقاتل جنباً إلى جنب مع الثوار كذئب جريح يدافع عن قطيعه.

لكن شجاعة الأفراد لم تكن لتوقف طوفاناً لا ينتهي. تعزيزات القبضة الحديدية لم تتوقف، مئات مؤلفة تتدفق لسد أي ثغرة يفتحها قادة الثوار. بدأت أذرع الثوار تثقل، وأنفاسهم تتقطع، وبدأت أطلال الخسارة تلوح في الأفق. لم يكن يبقيهم صامدين سوى رؤية قادتهم، غابرييل وفيليكس والنخبة، وهم يبيدون العدو كآلات حصاد لا تتعب.

أدرك غوتو، بفضل نظرته التكتيكية، أن الاستمرار يعني الانتحار، ولاحظ فيليكس ذلك أيضاً. تبادلا إشارات سريعة، وصدر الأمر الحاسم: الانسحاب التكتيكي نحو الغابة فوق الهضبة.

منطقة "سُول" كانت منخفضة، والغابة فوق الهضبة تمثل حصناً طبيعياً. بفضل غطاء من هجمات غابرييل وفيليكس المدمرة و مورست الذي يمنع تقدم أي احد، بدأ الثوار يتراجعون تدريجياً. جنود قبضة العدالة الحديدية، الذين أنهكهم القتال وأرعبتهم خسائرهم الفادحة، لم يجرؤوا على مطاردة الثوار صعوداً نحو الغابة المجهولة، فاكتفوا بالتمركز في منخفض "سُول" لحمايتها، مكتفين بانسحاب المارشال غريغوريو الذي منحهم ذريعة للتوقف.

حلّ المساء، و تكللت الغابة فوق الهضبة بهدوء حذر قطعه أنين الجرحى وطقطقة نيران المعسكر.

نصب الثوار خيامهم البسيطة، وأخرجوا مؤن الطعام الجافة، ونظموا دوريات حراسة صارمة تحسباً لأي غدر. تراجعت نشوة الأدرينالين لتحل محلها آلام الجراح وثقل الفقد.

بين الخيام، كان ظل ضخم يتحرك بهدوء. "غابرييل".

العملاق المرعب الذي كان يبيد المئات قبل ساعات، كان الآن يتجول بين الجنود، يربت على كتف هذا، ويمسح على رأس ذاك. رغم هالته المخيفة، كانت عيونه تحمل دفئاً الأب، مما جعل الثوار يتبادلون معه ابتسامات متعبة، يكنون له حباً يفوق خوفهم منه.

استمر غابرييل في تفقد رجاله حتى وجد ضالته. كان "لوجارو" يجلس وحيداً متكئاً على جذع شجرة بلوط ضخمة، يمسح الدم المتخثر عن سيف معلمه، وبعض الخدوش والجروح السطحية تزين وجهه وذراعيه.

جلس غابرييل بجواره، فتأوهت الأرض بخفة تحت وزنه. صمت قليلاً وهو ينظر للفتى، قبل أن يتحدث بصوته الأجش الذي رقّ بشكل ملحوظ:

"السيف يبدو أثقل بعد أن يتذوق الدماء للمرة الأولى.. أليس كذلك يا لوجارو؟"

رفع الفتى نظره، وعيناه لا تزالان تحملان بقايا صدمة المعركة، أومأ برأسه ببطء وقال بصوت مبحوح: "كانوا كثيرين جداً.. في لحظة، ظننت أننا سنموت جميعاً. لكن.. عندما تذكرت ما فعلوه بنا، لم أستطع التوقف عن التلويح بالسيف."

ابتسم غابرييل ابتسامة خفيفة وحزينة، ومد يده الضخمة ليتفحص جرحاً في كتف لوجارو بلطف بالغ: "هذا الجرح سطحي، لكنه وسامك الأول. الخوف في المعركة الأولى ليس عيباً يا فتى، العيب هو أن تدع الخوف يكسر نصلك. اليوم، نصلك لم ينكسر، وأنت قتلت لتحيا.. ولتحيي من خلفك."

صمت لوجارو وهو ينظر إلى النيران المتراقصة، ثم سأل بصوت خافت: "هل سنفوز يا غابرييل؟ إنهم كالبحر الذي لا يجف."

ربت غابرييل على كتف الفتى السليم بقوة جعلت قلبه يطمئن، وقال وعيناه تنظران نحو الأسفل، نحو منخفض سُول المحتل: "البحر قد يغرق الأرض يوماً.. لكنه لا يستطيع أبداً أن يبتلع الجبال. ارتح الآن لا تشغل بالك بهذا... غداً لدينا جبل لنبنيه، ووادي لنستعيده."